خطاب الكراهية وفتاوى الدم.. ابن تيمية نموذجًا

الثلاثاء 17/نوفمبر/2015 - 12:23 م
طباعة
 
كثير من رجال الدين في المساجد والمدارس على امتداد العالم الإسلامي، وكذلك في البلاد التي يعتبرونها بلاد "كفار" يتحدثون عن فتاوى شن الحرب وفرض أحكام الشريعة. ومثالًا لتلك الفتاوى فتوى "ماردين" التي ولد فيها ابن تيمية، أو فتوى "التترّس" التي تنصّ على قتل المسلمين من أجل الوصول إلى إقامة الخلافة. ولا شك في أن ممارسات قطع الرءوس وفرض الجزية وختان النساء، تستند إلى فتاوى منصوص عليها في العقائد السلفية، وتدرّس بشكل عادي جدا في مدارسنا كـ "التكفير"، وذلك على الرغم من محاولات إصلاح التعليم وإعادة النظر في المناهج. وهذه الفتاوى يطبقها تنظيم "الدولة الإسلامية" ولا تلقى إدانة أو اعتراضاً من المؤسسات الدينية الإسلامية. فهناك مناهج للتعليم الديني تستند إلى "التكفير" لا تزال تدرّس في مصر، وفي دول عربية أخرى.
وقد يسأل البعض عن سبب قيام طالب جامعي أو تلميذ مراهق بتنفيذ عملية انتحارية ضد الآخر، من دينه أو من ديانات أخرى، وعن سبب انخراط جماعات في حروب دينية مشتعلة في المنطقة، إلا أنه يحيلنا إلى نتيجة واحدة. فإذا سأل تلميذ عن تنظيم "داعش" أو مختلف التنظيمات الإسلامية السلفية والجهادية، فهل سيجيب المعلم أنهم آتون من مجتمعات همجية؟ أم أن هذه التنظيمات ولدت من رحم فتاوى معينة ومناخات متطرفة؟ هل سيقول: إن كل هذه الحركات تستمدّ عقائدها من الفتاوى المتشدّدة التي توجب الجهاد على المسلمين ضدّ من يسمّيهم ابن تيمية الكفّار والمرتدّين والمشكوك في إسلامهم وغيرهم، ومن هذا المفهوم يرى المتطرّفون أنّ عليهم إعلان الحرب وإقامة الخلافة الإسلاميّة. 
أما عن ابن تيمة وفتواه فقد ولد ابن تيمية سنة ٦٦١ هـ / ١٢٦٣ م وكانت تلك الفترة قد شهدت غزوات عدة من المغول والتتار للأناضول والشام، وقد استولى التتار على بلدة حران وهي مسقط رأس ابن تيمية، فخرج هو وأهله من البلدة متجهين صوب دمشق.
كما استولى التتار على بلدة ماردين، وكان أهل ماردين أغلبهم من المسلمين، وكان التتار، بحسب رؤية ابن تيمية، من المعتدين الكفار. فأصبحت ماردين بلدة أغلبها مسلمين ويحكمها غير المسلمين. وكان فقهاء الإسلام يقّسمون البلاد إلى دار إسلام أو دار كفر، وحسب أوضاع ماردين في تلك الفترة، فلم يكن من الواضح في أي صنف هي، فسئُل ابن تيمية عن هذه المسألة.
خطاب الكراهية وفتاوى
نص الفتوى
السؤال
"سئل رحمه الله عن بلد ماردين هل هي بلد حرب أم بلد سلم؟ وهل يجب على المسلم المقيم بها الهجرة إلى بلاد الإسلام أم لا؟ وإذا وجبت عليه الهجرة ولم يهاجر، وساعد أعداء المسلمين بنفسه أو ماله، هل يأثم في ذلك؟ وهل يأثم من رماه بالنفاق وسبه به أم لا؟ فأجاب:
"الحمد لله. دماء المسلمين وأموالهم محرمة حيث كانوا في ماردين أو غيرها. وإعانة الخارجين عن شريعة دين الإسلام محرمة، سواء كانوا أهل ماردين، أو غيرهم. والمقيم بها إن كان عاجزًا عن إقامة دينه، وجبت الهجرة عليه. وإلا استحبت ولم تجب. ومساعدتهم لعدو المسلمين بالأنفس والأموال محرمة عليهم، ويجب عليهم الامتناع من ذلك، بأي طريق أمكنهم، من تغيب، أو تعريض، أو مصانعة. فإذا لم يمكن إلا بالهجرة، تعينت. ولا يحل سبهم عمومًا ورميهم بالنفاق، بل السب والرمي بالنفاق يقع على الصفات المذكورة في الكتاب والسنة، فيدخل فيها بعض أهل ماردين وغيرهم. وأما كونها دار حرب أو سلم، فهي مركبة: فيها المعنيان، ليست بمنزلة دار السلم التي تجري عليها أحكام الإسلام، لكون جندها مسلمين. ولا بمنزلة دار الحرب التي أهلها كفار، بل هي قسم ثالث يعامل المسلم فيها بما يستحقه، ويقاتل [ويعامل] الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحقه.
ولقد وقع اختلاف في نص الفتوى، وخصوصًا الجزء الأخير منه؛ حيث قال: «ويعامل المسلم فيها بما يستحقه ويقاتل الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحقه»، غير أن الصواب هو «ويعامل المسلم فيها بما يستحقه ويعامل الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحقه». وقد جاء هذا التصحيح بعد الرجوع إلى المخطوطة في المكتبة الظاهرية بدمشق (رقم ٢٧٥٧، مكتبة الأسد) وهي النسخة الوحيدة الموجودة. كما نقله ابن مفلح تلميذ ابن تيمية على الصواب (ويعامل) في كتابه «الآداب الشرعية والمنح المرعية».
ويبدو أن هذا التصحيف اشتهر بعد ما ظهر في طبعة «الفتاوى» التي أخرجها فرج الله زكي الكردي عام ١٣٢٧ هـ، ثم تبعه بعد ذلك الشيخ عبد الرحمن القاسم في «مجموع الفتاوى».
ورغم مرور ما يزيد عن سبعة قرون على إصدار هذه الفتوى، فإنها ما تزال تشكل نقطة حوار وجدال.. قيل: إن بعض التنظيمات الجهادية استخدمت الفتوى الماردينية لتبرير عملياتها، من ضمنها اغتيال الرئيس المصري أنور السادات.
وقد عُقد في مارس ٢٠١٠ م بماردين، مؤتمر حول الفتوى، شارك فيه علماء وفقهاء من العديد من الدول من بينهم عبد الله بن بيه ومصطفى سيريتش وعبد الوهاب الطريري. وجاء في بيان المؤتمر عدة نقاط منها أن «فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية في ماردين لا يمكن بحال من الأحوال أن تكون متمسكًا ومستندًا لتكفير المسلمين والخروج على حكامهم.. بل هي فتوى تحرم كل ذلك».
ويبقى السؤال الجوهري الذي بحت أصواتنا بمطالبة الإجابة عليه، ما هو موقف الأزهر الشريف من تلك الفتاوى المنتشرة في طول البلاد وعرضه؟ ألم يحن الوقت لتلبية مطالبنا بإعادة النظر في التراث ومناهج تدريسه ونقده؟ 

شارك