رغم انتشارها في الصعيد.. شيخ «البرهامية»: لا وجود لـ«البرهانية» في مصر

الجمعة 01/يونيو/2018 - 01:04 م
طباعة رغم انتشارها في الصعيد.. سارة رشاد وعبدالهادي ربيع
 
رغم الحظر الذي يعود تاريخه إلى عام 1975م، وأدى إلى تجريم الانضمام إلى لطريقة البرهانية الدسوقية في مصر، التي أسسها الصوفي السوداني، الشيخ محمد عثمان عبده برهان، ونسبها إلى القطب الصوفي إبراهيم الدسوقي، المولود في مصر نحو 1255م، بدعوى أفكارها «القريبة من الكفر»- فإن لافتاتها مازالت تُرفع في بعض الاحتفالات الصوفية بمصر، خاصةً تلك المقامة في الصعيد.

وتشير هذه اللافتات إلى حضورٍ داخل مصر، مازالت تحتفظ به الطريقة التي حظر الأزهرُ الشريف (المؤسسة الدينية الأولى في العالم الإسلامي) كُتبَها، منتصف السبعينيات، بقرار من لجنة شُكلت خصيصًا لتفنيد أفكار الطريقة، وقياس مدى مطابقتها للشريعة الإسلامية، كما لحق القرارَ حكمٌ قضائي بحلها.

وتلقت الطريقة البرهامية الدسوقية (تنتمي إلى القطب الصوفي إبراهيم الدسوقي) اتهامات حول مسؤوليتها عن هذا الحضور البرهاني؛ إذ يقول أصحابها إنها (أي البرهامية)، تسمح لأنصار البرهاني السوداني بالعمل تحت رايتها؛ مؤكدين ذلك «بترحيب» الطريقة البرهامية بانضمام العائدين من البرهانية منذ عام 1999م.

حول هذه الاتهامات؛ حاور «المرجع» شيخَ الطريقة البرهامية الدسوقية، الشيخ محمد علي عاشور، الذي انضم البرهانيون إلى طريقته في عصره، ويشغل إلى جوار مشيخته لـ«البرهامية» عضوية المجلس الأعلى للطرق الصوفية (أعلى جهة صوفية في مصر).

بكثير من عدم الاكتراث؛ استقبل «عاشور» الشكوك الدائرة حول طريقته قائلًا، إن «مثلها -أي الشكوك- لا ينتبهون لها، خاصةً أنهم نجحوا في تقويم أفكار البرهانيين المنضمين إليهم». ويعود قرار استقبال البرهانيين إلى «عاشور» نفسه، إذْ كان وقتها شيخًا للطريقة بعد والده.

ويفسر «عاشور» قرارَه العائد إلى عام 1999، بأن التصوف منهج هدفه إنقاذ الناس من الضلال، ويستطرد: «ومن هذا المنطلق استقْبَلْتُ البرهانيين؛ بهدف تعديل أفكارهم التي تحفَّظ الأزهر عليها»، ويضيف: «كان أغلبهم من الشباب؛ وذلك دافع آخر لتصويب أفكارهم، لتعزيز التصوف الصحيح».

ويشدد على أن «البرهامية» اليوم، ليست البوابة التي يدخل من خلالها البرهانيون، كما يقول البعض، بل هي الحائل دون انتشارها، مشيرًا إلى دور رقابي تقوم به الطريقة، على كل من يحاول ممارسة الطقوس البرهانية بداخلها.

ونفى أن تكون هناك أي محاولة من قِبَل أتباعها للقيام بهذه الطقوس، ورجح أن تكون الصور المتداولة عن لافتات البرهانية في بعض مدن الصعيد -تحديدًا أسوان، أقصى جنوب مصر- وراءها أتباع الطريقة في السودان، للزعم بوجود لهم في مصر.

وحولت الطريقة البرهانية اسمها، عقب سنوات قليلة من وجودها في مصر إلى «البرهانية الدسوقية»، وهو التغيير الذي استفز أبناء المدرسة الدسوقية المصرية؛ ما دفعهم إلى تسجيل اعتراض، لدى المجلس الأعلى للصوفية، على انتساب البرهانية بمعتقداتها وأذكارها لـ«الدسوقية».

ويستشهد «عاشور» بهذه الواقعة، على عدم رعاية البرهامية للبرهانيين، قائلًا: «كان والدي شيخًا للطريقة البرهامية آنذاك، وكان ضمن المعترضين على انتساب البرهانية للدسوقية، فكيف نصبح اليوم الراعين لوجودهم»؟!

وبحكم عضويته في المجلس الأعلى للطرق الصوفية؛ تصل صلاحيات «عاشور» إلى الحالة الصوفية المصرية بشكل عام، التي أقر بمحنتها قائلًا: إن المجلس يجتهد في معالجة أزماتها التي تأتي على رأس أولوياته، بحسب عاشور، محاربة الخرافات الشائعة في أوساط الصوفية.

وأشار هنا إلى دور رقابي، يقوم به على الموالد (طقس ديني يحتشد فيه الآلاف من الصوفية؛ للاحتفال بمناسبة دينية)، لاسيما دوره في تتبع أي تصرف يحسب على الصوفية وليس منها.

وتجاوزًا لهذه المحنة؛ يبحث المجلس عقد دورات تثقيفية، لم يحدد موعدها بعد، في التصوف، لمشايخ الطرق ووكلائها صغار السن، وحديثي العهد بالصوفية.

ويرى «عاشور» أن تجربة الدورات ليست حديثة، بل تم تنفيذها من قَبْلُ في عهد شيخ مشايخ الطرق الصوفية، في الفترة (1983 - 1994)، المفكر الصوفي «محمد أبوالوفا التفتازاني»، قائلًا: «كانت تجربة ثرية، وشاركت فيها، وحصلت على شهادة منها».

ووفقًا للآية القرآنية الكريمة، ﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾، أقر بأن مشايخ الطرق بشكل عام، وصغار السن تحديدًا، يحتاجون تثقيفهم في التصوف؛ مشيرًا إلى أنه هو شخصيًّا قد يلتحق بهذه الدورات، إذا وجد نفسه في حاجة إليها.

وأوضح: «حتى اليوم يأتيني مريدون بأسئلة لا أتمكن من الإجابة عنها، وأعود فيها إلى رموز في الصوفية، أمثال الشيخ الدكتور أحمد عمر هاشم (77 عامًا)، رئيس اللجنة العلمية في المجلس الأعلى للصوفية».

ويحمل «عاشور» على عاتقه، وفقًا لكلامه، قضية تجديد الدماء داخل الصوفية، فيقول: «لطالما طلبت من المتصوفة أن يحضروا إلى مجالسنا بأطفالهم، نحن في حاجة إلى جيل جديد من المؤمنين بالصوفية، لن نترك أطفالنا لأفكار المتشددين».

وتابع بأن التصوف في الماضي كان يصل بصورة أسهل «لكون المجتمع على الفطرة»، أما اليوم فالشباب لديه أكثر من فرصة للانحراف، «سواء كان أخلاقيًّا أو نحو التشدد، وهنا يكون دورنا في إنقاذهم لتحسين أخلاقهم».

وتُتَّهم الصوفية في مصر، بتجردها من الشكل العلمي للتصوف، واكتفائها بالجانب الطقوسي الفلكلوري، ودعم أصحاب هذا الرأي موقفهم، بحجم المنتج الفكري للصوفية المصرية، ونظيره الناتج عن صوفية المغرب العربي، مثلًا.

ويرد عاشور قائلًا: «إن أصحاب هذه الاتهامات معذورون؛ لأنهم لا يرون من الصوفية إلا الموالد، ولا يتعرضون لجلسات الذكر التي ترتقي لمستوى المدرسة»، «فيها يربي الشيخ مُريديه، ويشربون منه الأخلاق ومعاني التصوف».

ويبرر قلة المنتج الفكري، بقوله: «إن هناك دعمًا رسميًّا للتصوف في المغرب العربي، يتيح له إصدار الكتب والدراسات، وهو ما لم يتوافر للصوفية المصرية.

وباعتبار أن الصوفية، كانت لفترة من الزمن البديل المطروح للتصدي للإرهاب الإسلاموي، كما يحضر اسمها في كل مرة، يُفتح فيه ملف تجديد الخطاب الديني الإسلامي، ماذا قدمت الصوفية في ذلك؟ وهل كانت المراهنة عليها فاشلة فعلًا؟

ويجيب «عاشور»، الذي رفض أن يُفسّر ذلك كقصور في الصوفية نفسها، بأنه «قصور في عدم استقرار الجهات المعنية بالتجديد، على تحديد مفهوم منضبط له».

وقال: «إن المتصوفة يسيرون في طريقهم لمقاومة التشدد، بالاعتدال ونشر الحب والأخلاق والقراءة الوسطية للدين»، مستطردًا: «إذا كان ذلك هو التجديد المقصود فنحن نقوم به منذ زمن، ولكن تحت مسمى آخر هو: منهج التصوف وأفكار أقطابنا الأوائل».

شارك