لهيب الإرهاب يحرق «الجنوب الأفريقي».. والبداية «موزمبيق»

الأربعاء 27/يونيو/2018 - 10:20 ص
طباعة لهيب الإرهاب يحرق طه علي أحمد
 
مع توحش الجماعات والتنظيمات الإرهابية في عملياتها حول العالم، ومساعي عناصرها الرامية إلى السيطرة على مساحات واسعة من أراضي الدول الموجودة عليها؛ لم يعد إقليمٌ بعينه بمأمن عن تهديدات تلك الجماعات، ولعل إقليم «الجنوب الأفريقي» كان آخر الأقاليم المُستهدفة من قبلِ الإرهابيين.

و«الجنوب الأفريقي»، ظل لحقب طوال بعيدًا عن اهتمامات الحركات الإرهابية لأسباب متعددة، من أهمها بُعد المسافة بينه وبين مركز عمل الحركات المتطرفة بمنطقة الشرق الأوسط، فضلًا عن الظروف البيئية لأفريقيا، خاصة منطقة جنوب الصحراء، إضافة إلى انتشار أنماط معينة من التدين لا تتناسب مع طبيعة المتشددين، وهناك أسباب أخرى جعلت من الصعوبة أن تجد تلك الحركات موطئًا لأقدامها؛ إلا أن كثافة النشاط الذي طرأ على عمل تلك الحركات بمنطقة الساحل وغرب أفريقيا بعد انحسارها بمنطقة الشرق الأوسط جعل التهديدات الإرهابية غير بعيدة عن دول أفريقيا.

حركة السنة والجماعة
أحدث المؤشرات على تركيز الجماعات الإرهابية أنشطتها الإجرامية في دول أفريقيا، تُمثل في بروز إحدى الحركات المتطرفة والعنيفة التي تُطلق على نفسها اسم «السنة والجماعة» خلال الأعوام الأخيرة في «موزمبيق»، وهو ما يُعد سابقة فريدة من نوعها في هذا البلد الذي لم يعرف نشاطًا لحركات الإسلام السياسي من قبل؛ ووفقًا لدراسة أعدها معهد الدراسات الاقتصادية والاجتماعية IESE فإن الجماعات المتشددة أصبحت لديها قواعد داخل موزمبيق.

ولعل الظروف السياسية والاقتصادية والأمنية لعبت دورًا في ظهور تلك حركة «السنة والجماعة» بالمناطق الشمالية لإقليم «كابو ديلجادو» بموزمبيق، وقد ظهرت هذه الحركة في هيئة جماعة دينية، ثم تحولت إلى خلايا عسكرية بداية من العام 2015، وهو ما أسفر عن تزايد التوترات بين الدولة وبقية المسلمين، وسهَّل انسياب الأقلية المسلمة في موزمبيق (57.6% مسيحيين، 18% مسلمين، 17.9% غير منتمين لأي دين)، خاصة في الولايات الشمالية مثل: «تمبولا، وزمبزيا، ونياسا»؛ حيث يقتصر حضورهم الاقتصادي على الاشتغال بالزراعة وصيد الأسماك والعمل في مناجم الفحم والماس واليورانيوم.

ويعاني المسلمون في موزمبيق من التهميش من جانب، ومحدودية مشاركتهم في الوظائف الحكومية، فضلًا عن تهميشهم تعليميًّا وصحيًّا، نتيجة قلة المدارس والمستشفيات في مناطق وجودهم، إضافة إلى محدودية الإمكانات لممارسة شعائرهم الدينية.

وبجانب ما سبق، فقد لعب السياق الاجتماعي دورًا في بلورة الأفكار العامة لهذه الجماعة؛ إذ تُطلِقُ على نفسها اسم «السنة والجماعة»؛ حيث يرى أفرادها أن الشعائر الإسلامية في مساجد موزمبيق آخذة في التلاشي، وأن هناك انحرافًا عن التعاليم النبوية، وبالتالي تزعم هذه الجماعة أنها تسعى لاستعادة القيم التقليدية للإسلام، إلى أن اتجهت الحركة للدعوة إلى فرض الشريعة الإسلامية قسرًا، كما تتشدد في توجهاتها إلى الحد الذي ترفض معه الاعتراف بالدولة الموزمبيقية.

وحركة «السنة والجماعة»، تتشابه مع جماعة «بوكوحرام» النيجيرية؛ حيث تمثلت نشأة كلتيهما في إطار العمل الدعوي المؤمن بفكرة «الحاكمية» الرافض إلى هيمنة الثقافة الغربية وتلاشي التقاليد الدينية، لتصطدم مع الدولة، ثم تنتقل لاحقًا إلى تشكيل فصائل عسكرية، ومن ثم الدخول في حرب العصابات، ويتوزع وجود الحركة (يتراوح عدد أعضائها ما بين 1300 و1500 فرد) في عدد من معسكرات التدريب بمنطقة «كابو دلغادو» التابع لمنطقة «موكيمبو دا برايا وماكوميا ومومنت بويز»؛ حيث تتخذ شكل الخلايا الصغيرة على طول المنطقة الساحلية شمالي موزمبيق، لكن العدد المحدود لأعضاء الحركة مرشح للزيادة في ضوء رخاوة الدولة في مواجهتها، فضلًا عن الأوضاع المتدنية التي يعاني منها مسلمو موزمبيق.

فمن المناطق الشمالية تَشُّن الحركة هجماتها ضد منشآت الدولة، وقد تأثرت في ذلك بالأساليب التي تتبعها التنظيمات المتطرفة في أماكن أخرى (مثل «داعش» التي تبالغ في الوحشية بعملياتها)؛ فمنذ منتصف مايو من العام 2017 شنت الحركة عدة هجمات أسفرت عن مقتل 35 شخصًا، تنوعت فيما بين قطع الرؤوس، وحرق المنازل، ما أثار الذعر بين السكان، والذي كان من توابعه رفض العاملين بشركة «أناداركو» (العاملة بقطاع النفط والغاز) الذهاب إلى عملهم خوفًا من هجمات هذه الجماعة المتطرفة، كما طالبت السفارة الأمريكية رعاياها بمغادرة الدولة.

ولم تقتصر أعمال الجماعة على استهداف المدنيين؛ ففي أكتوبر من العام 2017 هاجمت الحركة 30 شرطيًّا بمراكز للشرطة في منطقة «موكامبو دي برايا»، فقتلوا اثنين، وسرقوا الأسلحة والذخيرة، واحتلوا المدينة، لكنهم انسحبوا لاحقًا ليقيموا معسكرًا في منطقة الغابات التابعة للمدينة.

كما شهدت موزمبيق عملية قطع رؤوس 10 أشخاص في 27 مايو من العام الحالي 2018، وفي 5 يونيو من نفس العام أكدت شرطة موزمبيق أن العصابات استخدمت السواطير في قتل 7 أشخاص؛ حيث صوبت أصابع الاتهام نحو حركة «السنة والجماعة».

التنسيق مع التنظيمات الأخرى
لا تتوقف خطورة حركة «السنة والجماعة» على نشاطها الإرهابي في منطقة معينة، بقدر ما يتصل الأمر بقدرتها على تشكيل شبكة علاقات مع التنظيمات المتطرفة في أماكن أخرى بالقارة الأفريقية؛ ويشير أحد التقارير الصادرة عن معهد الدراسات الاجتماعية إلى تواصل هذه الحركة بجماعة «الشباب الصومالية»؛ حيث جاء معظم قادة الأخيرة لتدريب عناصر الأولى في شمالي موزمبيق، وهو ما يفتح الباب مستقبلًا أمام نسج علاقات شبيهة بالتنظيمات الفرعية التابعة لتنظيم القاعدة مثل «المرابطون».

ويقتصر موقف الدولة بموزمبيق في مواجهة هذا الخطر، على المقاربة الأمنية لمواجهة تهديدات الإرهاب، فقد قامت السلطات بالقبض على مئات الأشخاص من الرجال والنساء، كما تم إغلاق بعض المساجد وتدمير البعض الآخر، كما لجأت الدولة لمنع المسلمين من ارتداء الزي الديني، وهو ما دفع بعض رجال الدين لتحذير الحكومة من أن ذلك ربما ينفر الناس من الدين، ويساعد في نشر الأنشطة الإرهابية.

وخارجيًّا دخلت موزمبيق في اتفاقية أمنية مع تنزانيا والكونغو الديمقراطية وأوغندا بغرض إنشاء قيادة عسكرية إقليمية، وتحريك مزيد من القوات إلى الشمال.

عقبة الاقتصاد
رغم ذلك، لم يصل إدراك الدولة في موزمبيق إلى طبيعة التحدي الإرهابي الجديد للمستوى المطلوب، فقد اقتصرت المواجهة على الأساليب الأمنية بعيدًا عن الرؤية الإستراتيجية لتلك المشكلة، إذ تتغلب الأزمة الاقتصادية على قدرة الدولة في مواجهة الإرهاب؛ حيث تنشغل موزمبيق في معالجة الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها خلال السنوات الثلاث الأخيرة؛ حيث انخفضت أسعار الصادرات التقليدية، كما شهدت حركة الاستثمار الأجنبي المباشر تراجعًا، وهبَط معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي من 7% عام 2017 إلى 3.8% هذا العام 2018، كما وصلت نسبة الديون إلى إجمالي الناتج المحلي بما يقدر بنحو 125% في نهاية عام 2016؛ كما يتوقع انخفاض النفقات 33.9% من الناتج المحلي عام 2017 إلى 30% عام 2018.

وعلى الرغم من النمو الذي طرأ على صادرات المعادن، المساهم الرئيسي في النمو الاقتصادي؛ حيث وصل النمو في قطاع التعدين إلى 59.4% فإن عدم الاستقرار السياسي يحد بدوره من فعالية تلك المؤشرات الإيجابية، فلاتزال ميزانية 2018 عاجزة عن الالتزام بإعادة هيكلة الديون الخارجية المتعثرة التي بلغت 2.2 مليار دولار، فضلًا عن عجز السلطات عن تبني مشروعات تنموية في الإقليم الشمالي الغني بالغاز، نتيجة العمليات الإرهابية التي شهدتها تلك المنطقة أخيرًا، ما ترتب عليه تراجع مستويات الاستثمارات الأجنبية فيها.

الأمر الذي ينعكس بدوره على قدرة الدولة على تبني برامج اجتماعية من شأنها توسيع نطاق مواجهة الإرهاب، خاصة في المناطق الشمالية التي تعاني ظروفًا اقتصادية متدهورة؛ ما سمح ببروز دور رجال الدين، وتحولهم إلى عامل مهم في تخفيف معاناة المواطنين، الأمر الذي جعل من المساجد ميدانًا للدور الدعوي والخدمي.

وإضافة إلى ما سبق، يشهد شمال موزمبيق تدفقًا لأعداد كبيرة من لاجئي تنزانيا على خلفية الصراعات التي تشهدها منطقة القرن الأفريقي، الأمر الذي يجعل سيناريوهات تنامي نشاط الحركة أقرب إلى التحقق مستقبلًا.

وهو ما يجعل الدولة في موزمبيق بحاجة إلى وضع تدابير تتجاوز السبل العسكرية، مثل التعامل بشكل بناء مع قضايا ملكية الأرض، والبدء في معالجة التوترات الطائفية، وتجنب السياسات التمييزية تجاه المسلمين، ومراعاة ظروفهم الاجتماعية والاقتصادية.

شارك