دعم «البوليساريو».. استدراج إيراني جديد لتشييع المغرب العربي

الجمعة 29/يونيو/2018 - 03:18 م
طباعة دعم «البوليساريو».. محمد الدابولي
 
علاقة محفوفة بالمخاطر، هذا ما يمكن أن نصف به العلاقات الإيرانية ــــــ المغربية، فالطرف الأول يستغل هذه العلاقة على قاعدة واحدة فقط وهي نشر المذهب الشيعي في المغرب العربي، وهو ما يتسبب في إفشال العلاقات مع الطرف الثاني، الذي يتخذ من المذهب السني، مذهبًا له.



في مطلع مايو 2018، أعلن وزير الشؤون الخارجية والتعاون الدولي المغربي «ناصر بوريطة» أن المملكة المغربية، قررت قطع علاقاتها مع إيران بسبب الدعم العسكري لحليفها «حزب الله» لـ«جبهة البوليساريو»، الأمر الذي يفتح الباب أمام المزيد من التساؤلات حول الدور والنفوذ الإيراني في منطقة المغرب العربي عموما والمملكة المغربية بشكل خاص.


وسبق للرباط أن قطعت علاقتها بإيران مرتين، الأولى كانت بعد اندلاع الحرب العراقية الإيرانية؛ حيث أبدى الملك الراحل «الحسن الثاني» دعمه الكامل للعراق، خلال القمة العربية بمدينة «فاس» المغربية 1982، وفي المقابل اعترفت إيران بالجمهورية الصحراوية.


وعادت العلاقات بين البلدين في مطلع التسعينيات مدفوعة بوصول الإصلاحيين للسلطة في إيران، واتخذت إيران وقتها سياسات من شأنها تذليل العقبات أمام عودة العلاقات، حيث قررت تجميد علاقتها بجبهة البوليساريو مطلع التسعينيات.


إلا أن العلاقات تدهورت مرة أخرى في 2009، على خلفية رفض الرباط تصريحات رسمية إيرانية مسيئة للبحرين باعتبارها محافظة إيرانية، وأيضًا اشتراك أعضاء من السفارة الإيرانية في المغرب في حملات تشييع ممنهجة للمواطنين المغاربة.


ومع ذلك عادت العلاقات بين الجانبين مرة أخرى في 2016، في خطوة اعتبرها البعض ضربة للعلاقات السعودية ـــــ المغربية، إذ أن السعودية في ذلك الوقت، كانت مشتبكة في اليمن ضد تنظيم «الحوثي» ومتداخلة بشكل ما في الملف السوري.


وبعد عامين من عودة العلاقات، قُطعت مرة أخرى فى 2018، لكن لأسباب مختلفة هذه المرة ألا وهي دعم «حزب الله» حليف إيران، لجبهة البوليساريو، الأمر الذي يفتح المزيد من التساؤلات حول الدوافع الإيرانية من دعم جبهة البوليساريو، وتأثيرات هذا الدعم على استقرار إقليم المغرب العربي، خاصة أن الجزائر هي الداعم الأول والرئيسي لجبهة البوليساريو، والدعم الإيراني لا يمكن أن يتم دون تسهيلات جزائرية، وهو ما سنحاول الإجابة عنه.





أولًا. تطورات أزمة البوليساريو:
تعود جذور المشكلة إلى سبعينيات القرن الماضي حين تشكلت «الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب»، «البوليساريو» للمطالبة بالتحرر من الاستعمار الإسباني في أول الأمر، إلا أنه في عام 1975، وبعد خروج المستعمر الإسباني طالبت الجبهة بإعلان منطقتي الساقية الحمراء ووادي الذهب، جمهورية مستقلة، تحت مسمى الجمهورية العربية الصحراوية، الأمر الذي ترفضه «الرباط»، حيث تعتبر أن المنطقتين جزء لا يتجزأ من الأراضي المغربية التي كانت واقعة تحت الاحتلال الإسباني.


وإزاء الخلاف الناشب بين الطرفين تدخل المغرب عسكريًّا عام 1975 في منطقة الصحراء، لبسط سيادته، ما أدى لاندلاع حرب طويلة بين الجيش المغربي، وقوات البوليساريو، حتى تم الاتفاق على وقف إطلاق النار بين الجانبين عام 1991.


وتعتبر الجزائر الداعم الأول لجبهة البوليساريو، ما أدى لقطع العلاقات بين المغرب والجزائر في عام 1976، ولم تعد إلا في عام 1988، وإزاء الدعم الجزائري لجبهة البوليساريو، قامت المغرب في عام 1980، ببناء حزام فاصل على طول الحدود المغربية ـــــ الجزائرية، لمنع هجمات وغارات قوات البوليساريو على المواقع العسكرية المغربية، ويبلغ طول الحزام الفاصل حوالي 2700 كم وبارتفاع ثلاثة أمتار تقريبًا.


وتعاني أزمة الصحراء المغربية منذ عام 1991، حالة من الجمود السياسي والعسكري، سببه فشل الحلول الدبلوماسية كافة، إلا أنه مؤخرًا بات الملف يشهد نوعًا من السخونة بعدما اتهمت المغرب جبهة البوليساريو بالقيام بالعديد من الخروقات والتغلغل في المنطقة العازلة، كما أرسلت رسالة إلى الحكومة الجزائرية مفادها أن الرباط ستتدخل عسكريًا لوقف انتهاكات البوليساريو للمنطقة العازلة.


«المظلة الصامدة» وإعادة تسخين الأزمة


تناولت الصحف المغربية خلال الأسبوع المنصرم، مخططًا تدريبيًّا جديدًا لميليشيات جبهة البوليساريو تحت مسمى «المظلة الصامدة»، يقوم على تدريب مقاتلي الجبهة على حرب العصابات ضد الجيش المغربي تحسبًا لفشل عملية التهدئة والجهود الدبلوماسية لحل الأزمة.


ويقوم المخطط على تطوير مقاتلي الجبهة عددًا من الأنفاق أسفل المنطقة العازلة على الحدود الجزائرية ــــــــ المغربية وتزويدها بكل وسائل التهوية والإنارة والرصد والمراقبة فضلًا عن تخزين الأسلحة والصواريخ بها.


كما أكدت الصحف المغربية أن تلك الأنفاق سيتم استغلالها في تغيير التركيبة الديموجرافية لسكان المنطقة عبر الدفع بعشرة آلاف مرتزق ولاجئ أفريقي للعيش في منطقتي «بئر لحلو وتيفاريتي» من أجل تغيير هويتها المغربية وتركيبتها السكانية.


وكشفت التقارير المغربية أن لإيران وحزب الله دورًا كبيرًا، في تنفيذ هذا المخطط «المظلة الصامدة» عبر توفير «حزب الله» المزيد من المدربين الذين سيتولون تدريب مقاتلي الجبهة على تجهيز الأنفاق وتطويرها من ناحية، ومن ناحية أخرى تدريبهم على حرب العصابات، فضلًا عن تزويد الجبهة بالسلاح اللازم، وبناء على ذلك اتخذت الرباط قرارًا بقطع العلاقات مع طهران.



ثانيًا: الدوافع الإيرانية لقلقلة العلاقات مع المغرب:
في تصريح سابق للسفير الإيراني السابق في الرباط «وحيد أحمدي» في فبراير2009، أكد أن بلاده جمدت العلاقات مع «البوليساريو» في بداية التسعينيات بعد أن اعترفت بها في فبراير 1980، إلا أن الأحداث الأخيرة تشير بوضوح إلى زيف الادعاءات الإيرانية حول تجميد علاقتها بالجبهة.


ولإيران العديد من الدوافع والمآلات من دعمها لجبهة البوليساريو في الوقت الراهن وإفساد علاقتها بالمغرب ومنها على سبيل المثال:


استعادة الميراث الفاطمي: فتعتبر الخلافة الفاطمية هي الخلافة الشيعية الوحيدة في التاريخ الإسلامي، ومثلت الفاطمية ذروة المجد والمد الشيعي، حيث سيطرت تقريبًا على شمال أفريقيا وسوريا وفلسطين والحجاز، لذا تسعي إيران التي تعتبر نفسها وريثة الدولة الفاطمية لاستعادتها من جديد، عبر مد نفوذها في تلك المنطقة، وتأزيمها حتي تتثني لها الفرصة في فرض سيطرتها على تلك المنطقة.


الأهمية الجيوستراتيجية للصحراء الغربية: تمتلك الصحراء الغربية أهمية جيوستراتيجية كبيرة بالنسبة لإيران للعديد من الأسباب، أهمها إشرافها على العمق المغربي، ما يجعلها أداة ضغط إيرانية قوية ضد المغرب، كما قد تلعب الصحراء نقطة تلاقي وانطلاق نحو المراكز الشيعية في غرب أفريقيا خاصة نيجيريا والسنغال وغانا، فضلا عن ذلك إطلال الصحراء على المحيط الأطلنطي، ما قد يسمح مستقبلا بوجود عسكري إيراني يعمل على تهديد الأهداف الغربية.


الوجود بصناعة الأزمات: إستراتيجية اتبعتها إيران منذ ثورتها عام 1979، تقوم على فرض وجودها في أي منطقة من المناطق عبر إثارة الأزمات فيها من أجل ضعضعة استقرارها وإعادة تشكيلها وفق المصلحة الإيرانية، وحدث ذلك في اليمن وسوريا والعراق وأفغانستان ونيجيريا.


التماهي مع سياسة نصرة المستضعفين: من أهم المبادئ في السياسة الخارجية الإيرانية «نصرة المستضعفين»، وبناء على هذا المبدأ دعمت إيران معظم الحركات المتمردة والانفصالية تحت دعاوى أنهم مستضعفون ينبغي نصرتهم، إلا أنه في الحقيقة جعلت طهران هذا المبدأ ستارًا لنشر تشيعها السياسي والديني.


سياسة شد الأطراف: للمغرب علاقات قوية وراسخة مع دول الخليج العربي؛ حيث سبق أن قطعت المغرب علاقاتها مع إيران عام 2009، لتجاوزات الأخيرة بحق مملكة البحرين، كما أن «الرباط» من أهم الداعمين والمشاركين في قوات التحالف العربي، التي تعمل على إنهاء الانقلاب الحوثي المدعوم إيرانيًا في اليمن، لذا قد تلجأ إيران إلى تصدير وخلق أزمات تمس العمق المغربي من أجل الضغط عليها وتحييدها حيال الأزمات الخليجية الإيرانية المتعددة.



ثالثًا ـ تداعيات أزمة قطع العلاقات بين البلدين:
من المؤكد أن عملية قطع العلاقات بين المغرب وإيران ستسفر عن المزيد من التداعيات سواء كانت على مستوى العلاقات بين البلدين، أو على مستوى الأمن الإقليمي (المغرب العربي) أو حتى على مستوى العلاقات العربية ـــ العربية ومنها على سبيل المثال:


زعزعة الاستقرار في منطقة المغرب العربي: فمن المؤكد أن الجزائر هي الداعم الأول والرئيسي لجبهة البوليساريو ولن تستطيع إيران تقديم أي دعم أو تسهيلات للجبهة دون موافقة الجزائر؛ وذلك لأن الجبهة تتخذ من مخيمات «ولاية تندوف الجزائرية» نقطة للانطلاق، وبالتالي قد تأخذ الأزمة في المستقبل المنظور أشكالًا أكثر تشددًا في مستقبل العلاقات بين الجزائر والمغرب على خلفية الأحداث الأخيرة.


تعميق العزلة الجزائرية: اتسمت السياسات الجزائرية تجاه القضايا العربية خلال الفترة الأخيرة بالعزلة والنأي بالنفس فمثلا لم تنجرف إلى المشاركة في عملية عاصفة الحزم أو وسم حزب الله كجماعة إرهابية الأمر الذي سبب حالة من الجمود في العلاقات الجزائرية العربية.


لكن التطورات الأخيرة المتمثلة في دعم إيران لجبهة البوليساريو قد يحمل مزيدًا من الاتهامات العربية للجزائر بتسهيل الوجود الإيراني في المنطقة والسماح لها بزعزعة استقرار المغرب انطلاقا من الأراضي الجزائرية، ما يدفع تلك الدول إلى فرض عزلة سياسية على الجزائر.


اصطفاف عربي: من أهم التداعيات التي قد تخلفها الأزمة الأخيرة حدوث اصطفاف عربي موحد دعمًا للقرار المغربي.


تأثر العلاقات القطرية المغربية: قد تدفع الأحداث الأخيرة المغرب لاتخاذ مواقف أكثر تشددًا تجاه المحور الإيراني في المنطقة، والذي تعد قطر إحدى ركائزه الأساسية، فمن المعروف أن المغرب لم تشارك في القطيعة مع قطر، بل إن العاهل المغربي محمد السادس، قام بزيارة للدوحة اعتبرها البعض تأييدًا مغربيًّا مبطنًا للموقف القطري، ومن هنا قد تدفع الأحداث إلى ابتعاد المغرب ولو قليلًا عن قطر أملًا في الحصول على الدعم الخليجي في أزمتها الجديدة مع طهران.


وأخيرًا تراوحت العلاقات المغربية الإيرانية خلال السنوات العشر الأخيرة ما بين القطيعة والعودة الحذرة، كاشفة معها حجم التمدد الإيراني في تلك المنطقة المهمة من الوطن العربي، فإيران جادة في تثبيت وجودها في تلك المنطقة عبر مختلف الطرق والوسائل نظرًا لأنها تمثل رقمًا مهمًا في الاستراتيجية الإيرانية.

شارك