الأمن فوق التقليدي.. مخطط تفادي «المهددات المُهجنة»

الإثنين 09/يوليه/2018 - 10:20 م
طباعة الأمن فوق التقليدي..
 
في أعقاب الحرب العالمية الثانية، منتصف أربعينيات القرن الماضي، تبلورت دراسات الأمن كمجال علمي مستقل في الدراسة والبحث، وتصاعد دورها على المستويين البحثي والتطبيقي، وكان ذلك تزامنًا مع ظهور مصطلح الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي؛ لكون تلك الحرب انعكست على حالة الاستقرار والأمن العالمي؛ نتيجة تشكيل محاور وأحلاف، أبرزها المحور الشرقي والمحور الغربي.

تلك البيئة الأمنية غير المستقرة دفعت المفكرين والباحثين في الدراسات الأمنية لاستخدام مصطلح «الأمن التقليدي»، القائم على دراسة مجالات التسلح «التقليدي – والنووي»، بجانب أنماط وأشكال الحروب.

ومع بداية ظهور ملامح معلنة لانهيار الاتحاد السوفييتي منتصف الثمانينيات، ظهرت مدارس فكرية أمنية جديدة، بلورة مداخل ومفاهيم ورؤى فكرية، ما ساعد على تعميق الحقل المعرفي للدراسات الأمنية، مثل مدارس «كوبنهاجن، ابريستويث/باريس».

ومع تعدد وتنوع الأزمات بالعالم، ظهرت مصادر تهديد جديدة مثل «الأمن الإنساني - الأمن المائي - الجريمة المنظمة.. إلخ»، والتي جاءت تحت مفهوم «الأمن غير التقليدي»؛ حيث اتسع هذا المفهوم خلال السنوات الثلاثين الماضية، ليشمل مهددات أمنية جديدة، مثل «الجرائم الإلكترونية - المناخ - الأوبئة - الجماعات الإرهابيَّة - الميليشيات المسلحة - الاتجار بالبشر - الهجرة غير الشرعيَّة.. إلخ».

وتلك المهددات الأمنيَّة جعلت مفهوم الأمن القومي يتسم بالاتساع الشديد، ويتضمن عناصر عسكرية وسياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، وغيرها، ومن ثَمَّ تجاوز حقل الدراسات الأمنية المفهوم التقليدي للأمن المعتمد على الجوانب العسكرية فقط، ليشمل مهددات نابعة من المجال الاقتصادي أو السياسي أو الاجتماعي.

ومع تعقد مصادر التهديد في العالم خلال السنوات الأربع الماضية، والتي اتسمت بتداخل شديد بين تهديدات أمنية تقليدية وأمنية غير تقليدية، وتشابك بين مهددات داخلية مع مهددات خارجية؛ ما جعل من مستويات حدة الخطر الأمني تصل لتهدد كل عناصر وبنية الدولة، سواء أكانت أرضًا أو شعبًا أو نظام حكم، وهو ما دفع بعض المفكرين والباحثين في حقل الدراسات الأمنية الحديث عن مفهوم جديد جاء تحت مسمى «الأمن فوق التقليدي»، وهذا المفهوم الأمني الجديد ظهر خلال عام 2017، وتم العمل عليه من قِبَل العديد من الدول الغربية. 
ويهدف هذا المفهوم إلى البحث في السياسات العامة للتهديدات المستقبلية الناتجة عن تعدد مصادر تهديد تقليدية وغير تقليدية من ناحية، وتداخلها من ناحية أخرى، في محاولة للوصول إلى تحقيق أهداف عدة، ومنها:

1- استهداف نقاط الضعف لدى الخصم، من خلال البحث في الذاكرة التاريخية للخصم، من حيث مراحل التحول التاريخية على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وأسباب حدوث ثورات وإضرابات في الماضي، ودراسة المنظومة التشريعية (من قوانين ولوائح وقرارات)، ودراسة البنية القانونية التي تعتمد عليها الدولة في صياغة القوانين، وتحديد ملامح السياسة العامة الداخلية من منظومة الحكم وأركانه ومكوناته، وتحديد الأجنحة المتصارعة علي مستوى الحكم، أو في مستويات أدنى بجانب دراسة علاقة الدولة الخارجية تاريخيًّا، وتحديد مراحل التحول والانتقال في نمط التحالفات والخصومة مع دول المحيط الجغرافي، أو المحيط الدولي.

2- دراسة المحيط الجيواستراتيجي للخصم من حيث دراسة الموقع الاستراتيجي للدولة بالمنطقة المحيطة، وأماكن وممرات السيطرة، ومدى تأثير موقع تلك الدولة في علاقتها بالسلام والحرب، سواء مع دول الجوار أو دول إقليمية ودولية، وتحديد مناطق النزاع والصراع الجغرافية والعرقية والدينية.

3- دراسة ومعالجة حالات الاستقطاب والانقسام داخل مجتمع وبيئة الخصم. 

4- دراسة وتحديد مصادر الضعف التكنولوجي للخصم، سواء على مستوى البنية التحتية أو مجالات التصنيع والبحث العلمي والاتصالات. 

5- معرفة وتحليل الخلافات الأيديولوجية داخل منظومة الخصم وأسبابها. 

وحدد المتخصصون والباحثون في مفهوم الأمن فوق التقليدي العديد من النماذج لمصادر التهديد التي يختص «الأمن المهجن» بالبحث والتحليل، ومنها: 

1- دراسة الأدوات والأساليب التي تؤثر على المعلومات، سواء المعلنة بالنسبة للرأي العام أو المعلومات غير المعلنة، من حيث مصادر الجمع والرصد والتحليل.

2- رصد وتحليل أسباب الضعف اللوجستي في قطاعات حساسة بالدولة، مثل قطاع الطاقة أو السلع الاستراتيجية. 

3- دراسة أساليب الابتزاز المالي والاقتصادي والتجاري للدولة من قبل أفراد أو شركات أو دول.

4- تهديدات التنظيمات الإرهابية الجديدة، وأشكالها، وخصائصها الجديدة، والمنطلقات الفكرية والأيديولوجية والأدوات التي يُمكن أن تُساعد تلك الجماعات الإرهابية والتنظيمات المسلحة على تطويرها واستمرارها. 
ومع تحديد مصادر التهديد موضع الدراسة والتحليل والبحث، حدد المتخصصون 3 من آليات العمل المركزية، التي يقوم عليها مفهوم الأمن فوق التقليدي، وهي: 

1- توقع الأفعال المحتملة والمتعددة، ونوعية مصادر التهديد المهجن ومقوماته وعناصره. 

2- تحديد العنصر الثابت والعامل المتغير في التهديد المهجن، ومن ثم فصل العنصر الفاعل أو عنصر التنشيط لدراسة مكوناته وخصائصه، وتحليل مستويات التأثير المتوقعة. 

3- تحديد وصياغة ردود الفعل على الأفعال المحتملة، والمهددات المتوقعة؛ بمعنى آخر، العمل على تطوير ردود فعل متكاملة لمواجهة هذه التحديدات (المهجنة)، من خلال تطوير القدرات التحليلية لأجهزة المعلومات والاستخبارات لمصادر الخطر والتهديد بمستوياتها المختلفة، وتعزيز التقييم الذاتي لمصادر الخلل والضعف في المنظومة الأمنية القائمة؛ بهدف الوصول إلى أعلى درجة من الكفاءة والمرونة، وتقليل معدلات الخطأ البشري أثناء عملية تحليل المعلومات ووضع آليات للمواجهة. 

في المجمل؛ أصبح حقل الدراسات الأمنية واحدًا من أهم مجالات البحث والدراسة؛ نتيجة انتشار التهديدات والمخاطر التقليدية وغير التقليدية في الصراعات الراهنة، سواء بدول المنطقة أو دول العالم، ومن ثَمَّ تسارعت وتيرة البحث والتحليل في الظواهر والمفاهيم الأمنية؛ ما أدى إلى ظهور بعض المفاهيم الجديدة، مثل الأمن فوق التقليدي «المهجن»، والذي مكَّن الباحثين في حقل الدراسات الأمنية من دراسة عناصر المهددات الأمنية الجديدة، وتحديد خصائصها ومستوى حدة كل مهدد؛ ما يساعد دوائر صنع القرار على مواجهة بعض المشكلات الخطرة التي ترتقي لمستوى التهديد المباشر على بنية الدولة الوطنية.

شارك