تقارب إريتريا وإثيوبيا.. انعكاسات على إرهاب «القرن الأفريقي»

الثلاثاء 10/يوليه/2018 - 09:40 ص
طباعة تقارب إريتريا وإثيوبيا.. محمد الدابولي
 
تشهد دول القرن الأفريقي العديد من النزاعات والصراعات بين بعضها، خاصة بين إريتريا وإثيوبيا الذي دام صراعهما طويلًا.
الصراع «الإرتيري - الإثيوبي» (عمره 20 عامًا) استغلته حركات إرهابية -أبرزها «حركة شباب المجاهدين»- في توسيع نفوذها في الصومال؛ نظرًا لعدم وجود رؤية موحدة لدى دول الإقليم في مواجهة الإرهاب والتطرف.

إلا أن العاصمة الإثيوبية «أديس أبابا» شهدت اضطرابات سياسية منذ عام 2015، أسفرت عن تغيير هرم السلطة في البلاد، وتولية الزعيم الأورومي «أبي أحمد» الذي ما لبث أن انتهج سياسة إقليمية جديدة قائمة على تصفير المشكلات مع دول الجوار، مثل الصومال وإريتريا؛ من أجل توحيد جهود تلك الدول لمواجهة التحديات التي تعصف بمنطقة القرن الأفريقي.

في البداية، شهد الخطاب السياسي لأبي أحمد محاولة لنزع فتيل الأزمة مع الجانب الإريتري، ففي يونيو 2018 أكد التزام بلاده بتطبيق كل القرارات الدولية الخاصة بتصفية النزاعات الحدودية مع الجانب الإريتري، خاصة في منطقة «بادمي».

تصاعدت التطورات السياسية في منطقة القرن الأفريقي يوم 8 يوليو 2018؛ حيث شهدت العاصمة الإريترية «أسمرة» قمة بين الرئيس الإريتري «أسياس أفورقي» ورئيس وزراء إثيوبيا «أبي أحمد»، وصفها محللون ومتابعون للشأن السياسي والأمني في القرن الأفريقي بـ«التاريخية»؛ نظرًا لأن تلك التطورات ستكون لها انعكاسات كبيرة على مستقبل الإرهاب والتطرف في منطقة القرن الأفريقي.
التطرف على خط الأزمة «الإثيوبية - الإريترية»
خلال فترة الصراع «الإثيوبي - الإريتري» تبادلت الاتهامات بين الجانبين بدعم قوى الإرهاب والتطرف في المنطقة، فدأبت أديس أبابا على كيل الاتهامات لأسمرة بدعم «حركة شباب المجاهدين»، في الوقت نفسه وجهت «أسمرة» اتهامات مشابهة لأديس أبابا بدعم «حركة الجهاد الإسلامي الإريترية»، المعروفة حاليًّا باسم «حركة الإصلاح الإسلامي»، وأيضًا دعم «الحزب الإسلامي الإريتري للعدالة والتنمية» ذراع جماعة الإخوان المسلمين السياسية في إريتريا.
بيئة مضطربة
تعكس تحركات السياسة الخارجية الإثيوبية حاليًّا إدراكًا حقيقيًّا لطبيعة البيئة المضطربة التي تعاني منها منطقة القرن الأفريقي؛ فالمنطقة تشهد حاليًّا انتشارًا وتمددًا للجماعات الإرهابية، خاصة «حركة شباب المجاهدين» في الصومال، موزعةً هجماتها الإرهابية باتجاه دول المنطقة، كما تشهد المنطقة تغلغل نفوذ العديد من القوى الإقليمية -مثل قطر وتركيا- التي تهدف إلى زعزعة استقرار بعض دول المنطقة والتأثير على مصالحها الحيوية.

فمؤخرًا، شهدت منطقة القرن الأفريقي محاولات «تركية - قطرية» للتأثير على المصالح الوطنية العربية والإماراتية في الصومال وجيبوتي، ففي فبراير 2018، اتخذت جيبوتي قرارًا بإنهاء التعاقد مع شركة «موانئ دبي» لتطوير ميناء «دوراليه».

فيما تسارعت الأحداث بصورة أكبر في أبريل 2018، حينما استولت القوات التابعة للحكومة الصومالية في مقديشو على طائرة مدنية إماراتية وصادرت ما بها من أموال كانت مخصصة لدعم الجيش الصومالي، ما أدى إلى إنهاء «أبوظبي» بعثتها العسكرية في الصومال، في ظل تلبد الأجواء في مقديشو ودخول تركيا وقطر على خط الأزمة، فمن المؤكد أن العلاقات التركية الصومالية شهدت تطورًا ملحوظًا بعد تولي الرئيس الحالي «محمد عبدالله فرماجو»، الذي زار تركيا في أبريل 2017، وموافقته على إنشاء ثاني أكبر قاعدة عسكرية تركية خارج تركيا في العاصمة الصومالية مقديشو، فضلًا عن قيام تركيا بتدريب عناصر الجيش الصومالي.

أما عن الدور القطري فبات هو الآخر متسقًا مع الدور التركي، ومناوئًا للدور الإماراتي في المنطقة، فتشير العديد من التقارير إلى قيام قطر بتقديم الدعم للحكومة الصومالية، منها معدات عسكرية، فور سحب الإمارات لبعثتها العسكرية من مقديشو، كنوع من التأكيد السياسي لموقف الحكومة الصومالية في مواجهة الإمارات.

أما فيما يخص العلاقات بين قطر وجيبوتي، ففي البداية اتسق الموقف الجيبوتي مع الموقف العربي الموحد إزاء السياسات القطرية، وقامت بتخفيض علاقتها الدبلوماسية مع الدوحة، بعد قرار دول التحالف العربي (مصر - الإمارات - السعودية - البحرين) بقطع العلاقات مع قطر؛ نظرًا لكونها داعمة للجماعات الإرهابية، إلا أنه سرعان ما تراجعت جيبوتي عن سياستها ضد قطر، وعاد الدفء للعلاقات بين الجانبين مرة أخرى في بداية عام 2018، بالتزامن مع أزمة ميناء «دوراليه» بين الإمارات وجيبوتي.
هندسة إماراتية
في ظل سياسة التغلغل «القطري - التركي» في منطقة القرن الأفريقي، والهادفة لتقويض مصالح الدول العربية، تأتي التحركات الإماراتية في المنطقة من أجل الحفاظ على مصالح الدول العربية، ومحاربة التنظيمات المتطرفة كـ«حركة شباب المجاهدين» وغيرها من الجماعات المنتشرة في القرن الأفريقي.

فمثلًا لوحظت تحركات إماراتية حثيثة خلال الشهر الماضي لتقريب وجهات النظر بين الطرفين الإثيوبي والإرتيري، ففي يوم 15 يونيو 2018 شهدت العاصمة الإثيوبية أديس أبابا أول زيارة لمسؤول عربي رفيع منذ تولي «أبي أحمد» رئاسة الوزراء؛ حيث قام ولي عهد أبوظبي «محمد بن زايد» بزيارة العاصمة أديس أبابا يوم 15 يونيو 2018، لتعزيز التفاهم الإماراتي الإثيوبي حول العديد من القضايا المشتركة، وفي يوم 4 يوليو 2018 استقبل «بن زايد» في العاصمة الإماراتية «أبوظبي» الرئيس الإريتري «أسياس أفورقي»، لذا يستنتج أن الإمارات عملت على هندسة التقارب الإثيوبي الإريتري الذي يصب في صالح مواجهة الإرهاب والتنظيمات المتطرفة.
تأثيرات محتملة
من المؤكد أن التقارب الإثيوبي الإريتري الأخير ستكون له انعكاسات وتأثيرات محتملة على مستقبل التنظيمات الإرهابية في منطقة القرن الأفريقي والدول الداعمة لها، من أبرز تلك الانعكاسات:

توحيد الرؤى: سيُسهم التقارب بين الدولتين في توحيد الرؤى بين الجانبين في مواجهة التنظيمات الإرهابية، فتقريبًا، تُواجه الدولتان خطر تمدد الجماعات المتطرفة والإسلاموية، مثل حركة شباب المجاهدين، وحركة الجهاد الإسلامي (الإصلاح الإسلامي)، ومن ثم تستطيع الدولتان تبني سياسة مشتركة، هدفها تجفيف منابع الإرهاب في المنطقة، والأهم من ذلك ستتوقف الحملات الدعائية والاتهامات المتبادلة بين الطرفين بدعم الإرهاب والجماعات الإرهابية.

تحجيم الجماعات المتطرفة: بات من المؤكد أن الخطوة القادمة للسياسة الإثيوبية في منطقة القرن الأفريقي هي تنشيط دور منظمة «الإيغاد» «الهيئة الحكومية للتنمية (IDAD) (منظمة إقليمية في شرق أفريقيا تهدف لتحقيق التنمية ومحاربة الإرهاب) في محاربة التطرف والإرهاب، ففي 28 أبريل 2018 افتتحت الإيغاد مركزًا إقليميًّا في جيبوتي لتنسيق مكافحة التطرف والإرهاب في منطقة القرن الأفريقي.

عزلة قطرية - تركية: التقارب الإريتري الإثيوبي الأخير سيدفع نحو مزيد من العزلة التركية القطرية في منطقة القرن الأفريقي، فالعلاقات القطرية الإريترية شهدت مزيدًا من التوتر خلال الفترة الماضية، على خلفية اتهامات وجهتها أسمرة للدوحة في مارس 2018، بتقديم الدعم للميليشيات الإسلاموية الإريترية، والتقارب الأخير سيسهم في حشد الدعم الإثيوبي للحكومة الإريترية في مواجهة التدخلات القطرية.

وما يزيد عزلة قطر وتركيا هو التوافق الإثيوبي الإماراتي الإريتري، ففي مارس 2018 تم الاتفاق بين الإمارات وإثيوبيا وجمهورية أرض الصومال (غير معترف بها دوليًّا) على أن تكون أديس أبابا شريكة لموانئ دبي بحصة قدرها 19% في إدارة ميناء «بربرة» في «أرض الصومال».

إضافة إلى ولوج إثيوبيا للموانئ الصومالية، فإن التقارب مع إريتريا سيسمح لها أيضًا باستغلال ميناء «عصب» الإريتري، ومن هنا ستُقلل إثيوبيا من اعتمادها الاستراتيجي على موانئ جيبوتي المتحالفة مع قطر، وهو ما يُعدُّ ضربة للسياسات القطرية في المنطقة.

ولعل النقطة الأبرز في هذا الصدد هو سعي القيادة الإثيوبية الحالية إلى إعادة إنشاء قوتها البحرية التي تفككت بعد استقلال إريتريا عام 1993، وأصبحت إثيوبيا بموجب هذا الاستقلال دولة حبيسة، لذا إعادة إنشاء قوة بحرية إثيوبية بمثابة محاولة للتصدي للتدخلات الدولية في منطقة القرن الأفريقي، التي باتت تعج بالعديد من القواعد الدولية، خاصة التركية في الصومال، لذا قد يكون من أهداف التقارب الإثيوبي الإريتري حاليًّا هو إعادة تشكيل موازين القوى في منطقة القرن الأفريقي، والدفع بمواجهة التدخلات الخارجية في شؤون دول المنطقة.

شارك