الأخطبوط القطري.. أذرع الخديعة والدم في السنغال

الثلاثاء 07/أغسطس/2018 - 09:28 ص
طباعة الأخطبوط القطري.. نورا بنداري
 
يعمل تنظيم «الحمدين» في قطر على إثبات حضوره في الغرب الأفريقي، محاولًا نشر سياسته وتوسيع نفوذه والخروج من حالة الحصار التي فُرضت عليه بسبب الأزمة الخليجية، ولهذا نجد توجه الدوحة نحو هذه المنطقة بعد المقاطعة الخليجية لها، فعملت على توطيد علاقتها هناك وفتح شراكات جديدة مع دولها. 

 وظهر ذلك جليًّا من خلال عدة جولات قام بها أمير قطر تميم بن حمد في وقت سابق إلى كل من السنغال وغينيا ومالي وغانا وغيرها، هدفت إلى بناء شراكات واسعة مع تكتل مجموعة غرب أفريقيا لتعزيز الاستثمارات والوجود الاقتصادي للدوحة من خلال صندوقها السيادي، وجهاز قطر للاستثمار.

 ومن الملاحظ في الفترة الحالية محاولات النظام القطري، التوجه نحو غرب أفريقيا من خلال البوابة السنغالية؛ حيث تعمل الدوحة على زعزعة أمن واستقرار «داكار»، من خلال محاولتها الرامية لتنصيب «كريم واد» نجل الرئيس السنغالي السابق «عبدالله واد»، كرئيس للبلاد خلال الانتخابات الرئاسية 2019.

 وظهرت هذه المحاولات من خلال ما أعلنته وسائل إعلام سنغالية في 2 أغسطس الحالي، أن المدعي العام القطري «علي بن فطيس المري»، توجه إلى «دكار» في ثاني زيارة له للسنغال خلال خمسة أشهر؛ لعقد صفقة يعود بموجبها «كريم واد» إلى بلاده، بعد ثلاثة أعوام قضاها في ضيافة النظام القطري، ولهذا تحاول الدوحة إقناع السلطات السنغالية بالسماح لـ«واد» بالعودة.

 وهذا الأمر، يطرح بعض التساؤلات بشأن الأسباب الرامية وراء الإصرار القطري حول الدفع بالوزير السابق لجعله الرئيس المقبل للسنغال، وما هو موقف الدولة السنغالية من هذه المحاولات؟.

علاقة الدوحة مع «كريم واد»

بدأت علاقة الدوحة مع «كريم واد»، ومرشح الحزب الديمقراطي السنغالي للانتخابات الرئاسية المرتقبة 2019؛ حينما رفضت الإدارة العامة للانتخابات في يونيو الماضي تسجيله، وذلك يرجع إلى أنه أُدِين عام 2015 من محكمة الثراء غير المشروع، بالسجن لمدة ست سنوات نافذة، وغرامة مالية تزيد على 200 مليون يورو، إثر اتهامه بجمع ثروة قيمتها 178 مليون يورو بصورة غير مشروعة عندما كان مستشارًا لوالده ثم وزيرًا، إلا أن السلطات السنغالية أفرجت عنه في يونيو 2016، نتيجة عفو رئاسي، وأرجعت ذلك إلى أسباب إنسانية.

 هذا بالإضافة إلى أن بعض التسريبات أعلنت أنه تم الإفراج عن «كريم واد» بوساطة قطرية، من خلال وزير خارجية قطر «عبدالرحمن آل ثاني»، الذي اعترف في أكتوبر الماضي خلال مقابلة مع صحيفة «جون أفريك» الفرنسية، بدور بلاده في ذلك، مبررًا ذلك بأنه من باب الإنسانية، وبموافقة حكومة السنغال، كما نشرت وكالة الأنباء الفرنسية «أ ف ب» في مايو 2017 رسالة شكر من «كريم واد» موجهة إلى أمير قطر، مؤكدًا فيها أنه لم يتوقف عن التدخل لإطلاق سراحه بحكم الصداقة التي تجمعهما، مدعيًا أنه تعرض للسجن بشكل ظالم.

 ولذلك نلحظ أنه حينما تم إطلاق سراح «واد» طلب على الفور اللجوء إلى قطر، وأعلن في مارس 2018 من مقر إقامته في الدوحة، ترشّحه للانتخابات الرئاسية لمنافسة الرئيس السنغالي الحالي، وعلى الرغم أنه قد اختار بمحض إرادته التوجه إلى الدوحة، إلا أنه قد صرح من قبل أنه مطرود من بلاده وممنوع من العودة إليها، وأنه يقيم في قطر كـــ«مَنْفَى قسري».

 ولذلك أشار موقع «leral» السنغالي، إلى أن ادعاءات «واد» كاذبة ولا أساس لها من الصحة، وتدل عن وجود لعبة متفق عليها بينه وبين النظام القطري، تدور حول التخطيط لعودته إلى السنغال، وترشحه للانتخابات الرئاسية، وأن الدوحة تسعى إلى أن تجعل منه ورقة ضغط على بلاده.

هدف المفاوضات القطرية

يعمل النظام القطري وفقًا لما كشفته وسائل الإعلام السنغالية، لمحاولة إقناع السلطات السنغالية بالسماح لـ«واد»، بالترشّح لانتخابات 2019؛ حيث إن القانون الانتخابي السنغالي يمنع أي شخص حُكِمَ عليه بالسجن لمدة خمس سنوات أو أكثر من الترشح، ورغم ذلك تواصل قطر محاولتها، فزيارات المدعي العام القطري إلى السنغال التي استهلها في مارس الماضي، توحي بأن هناك مفاوضات بين دكار والدوحة بشأن قضية «واد»، وذلك بعد أن أعربت دكار عن استعدادها للسماح له بالعودة حال إعلانه اعتزال العمل السياسي. 

وتشير مفاوضات الدوحة إلى محاولتها الرامية لإيجاد موطئ قدم لها في دول غرب أفريقيا، محاولة البحث عن حاضنة جديدة للإرهاب الذي تدعمه في تشاد وليبيا ومصر وكوت ديفوار ونيجيريا والسنغال وغانا، كما نجد أن الدوحة توجه إعلامها لرصد كل ما تريده في هذه المنطقة، فقناة «الجزيرة» القطرية ركزت خلال الفترة الماضية على ما يحدث بدول أفريقيا وهو ما لم تفعله أي وسيلة إعلامية عربية من قبل، حيث وصلت تردداتها إلى دول أفريقية عدة، وأطلقت محطة خاصة باللغة السواحلية تستهدف قرابة 100 مليون نسمة في مناطق جنوب وشرق أفريقيا، لتكسر بذلك احتكار إذاعة «بي بي سي» لتلك المنطقة.

 وبالنظر إلى السنغال، نجد أن «الجزيرة» تخطط لتأسيس قناة ناطقة بالفرنسية من داخل العاصمة السنغالية «داكار»، لتغطية المناطق المأهولة بالناطقين بالفرنسية في غرب أفريقيا، ويرجع ذلك لهدف قطري يكمن في رؤية أوضاع تلك الدول، خاصة حياة سكانها الاجتماعية والثقافية، وبالتالي معرفة المدخل الذي يمكن من خلاله الولوج إلى هذه الدول.

 أما فيما يخص دعم النظام القطري لـ«كريم واد»، نجد أن السبب الرئيسي يكمن في جعله الذراع الأساسية لها في هذه المنطقة، خاصة بعد الخيبات التي يتعرض لها «تنظيم الحمدين» في القرن الأفريقي وشرق القارة.

 رفض سنغالي 

نتيجة لهذا، أعربت السنغال عن انزعاجها من التدخل القطري في شؤونها الداخلية، واتهمت قطر بجرِّ البلاد إلى بحرٍ من الدماء، من خلال التواطؤ مع «كريم واد» المدان في قضايا فساد بخداع الشعب، والتخطيط لعودته إلى البلاد من أجل تولي الحكم؛ ما يشكل خطرًا كبيرًا على مستقبل السنغال، لذا شددت وسائل الإعلام السنغالية على أن الشعب لن يقبل أي مناورة سياسية بين النظام القطري والسجين السابق ضد السنغال.

 كما يرى الناشط السياسي السنغالي «آوا بارد»، أن «كريم واد» غير مؤهّل لأن يصبح رئيسًا للبلاد، وأن عودته ستسبب الكثير من المشاكل، خاصة ما يتعلق بالغرامة المفروضة عليه التي سيطلبها من أمير قطر لسدادها مقابل إطلاق أيدي الدوحة في البلاد، ما يؤكد أن هناك لعبة بين «واد» وأمير قطر، فكلاهها يردان خداع الشعب السنغالي، إلا أنّ الشعب أكثر وعيًا ونضجًا من أن يقع في ذلك الفخ.

 وفي ديسمبر 2017، توجه أمير قطر إلى السنغال -إلا أن زيارته وفقًا لما أعلنته صحيفة «سان ليميت.سن» السنغالية- يبدو أنه كان غير مرحب به خلال زيارته للبلاد التي غادرها سرًّا قبل الموعد المحدد لإنهائها، مرجحة عدة أسباب أبرزها أزمة «كريم واد» نجل الرئيس السابق، إضافة إلى زرع الدوحة الفتنة في السنغال، هو السبب الرئيسي المعكر صفو العلاقات الثنائية بين البلدين، وهو الذي بدا واضحًا بين داكار والدوحة خلال الزيارة التي لم تشهد المؤتمر الثنائي التقليدي للرئيس والأمير.

 ومن الدلائل التي تؤكد رفض السنغال للتدخلات القطرية، أنه من المعروف أن الدوحة رابع أكبر منتج للغاز في العالم، ولديها خبرات أكبر في مجال الموارد المعدنية، أكثر من غانا التي لها اكتشافات مهمة في السنغال، ومع ذلك ترفض داكار الاستثمارات القطرية في ذلك المجال.

 ولذا فمن خلال ما تقدم، يستبعد نجاح المحاولات القطرية الرامية للتوغل في المشهد السنغالي؛ وذلك في ظلِّ حرص «داكار» على عدم اختراق نظامها، وهو ما يجعل الأخيرة حريصة بشدة على مواجهة المؤامرات التي تجريها قطر في الخفاء للعبث بأمنها واستقرارها، فضلًا عن الرفض الشعبي السنغالي لتدخلات الدوحة في شؤون بلاده.

شارك