الاستراتيجيات البريطانية والأمريكية في محاربة «شباب المجاهدين» بالصومال

الأربعاء 05/سبتمبر/2018 - 09:07 ص
طباعة الاستراتيجيات البريطانية محمد الدابولي
 
شهدت منطقة القرن الأفريقي في الآونة الأخيرة تصاعدًا في النشاط العملياتي لحركة شباب المجاهدين سواء في الداخل الصومالي، أو في دول الجوار مثل كينيا التي باتت نقاطها الحدودية معرضة لتهديدات مستمرة من قِبل الحركة.

وأخيرًا توسع النشاط العملياتي لحركة الشباب، فلم يعد يقتصر على العمليات الإرهابية بواسطة السيارات المفخخة، والهجوم على الأكمنة العسكرية؛ حيث امتد ليشمل الأنشطة الاستخباراتية، وزرع عناصر استخباراتية له في صفوف الأجهزة الأمنية.

في خضم هذه التطورات الميدانية للحركة في منطقة القرن الأفريقي برزت جهود بريطانية في محاربة تمدد حركة الشباب؛ حيث تمثلت تلك الجهود في تقديم الدعم الفني واللوجستي لدول المنطقة، وبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (أميصوم)، وإضافة إلى الجهود البريطانية ظهرت الولايات المتحدة بصورة أكثر عزمًا على محاربة حركة الشباب، من خلال تكثيف غاراتها الجوية ضد معاقل التنظيم في الصومال، وعلى تلك الاستراتيجيتين الأمريكية والبريطانية في التعامل مع حركة الشباب، ترتبت تداعيات مختلفة، وهو ما ستتكفل النقاط التالية بكشفه وتوضيحه:

هجمات مكثفة واستخبارات نشيطة
شهد الصومال على مدار الأسبوعين الماضيين تصعيدًا غير مسبوق من قِبل حركة الشباب؛ حيث شنَّت الحركة عديدًا من الهجمات الدموية في محيط العاصمة مقديشو والولايات الجنوبية، خاصة ولاية «شبيلي السفلي».

ففي فجر يوم الجمعة 31 أغسطس 2018 شهدت مدينة «أفجوي» بولاية «شبيلي السفلي» -والقريبة من مقديشو- اقتحامًا من قبل ميليشيا الحركة أدى إلى مقتل 3 جنود وإصابة 6 آخرين، في الوقت ذاته تعرض حي «ورتانبدا» جنوب مقديشو لقصف مكثف طال العديد من المواقع الحكومية والمدنية، وقبل تلك الهجمات شهدت الحدود الكينية الصومالية يوم 29 أغسطس 2018 هجومًا من قِبل مقاتلي الحركة على إحدى النقاط الحدودية؛ ما أسفر عن مقتل 5 جنود من قوات الدفاع الكينية.

وأخيرًا صرح المتحدث العسكري باسم الحركة «عبدالعزيز أبومصعب» في 2 سبتمبر 2018، أن الحركة استهدفت مقر مديرية هولوداغ بالعاصمة مقديشو بواسطة سيارة مفخخة؛ الأمر الذي أدى إلى مقتل 6 أشخاص وإصابة 15 آخرين، كما أدى الهجوم إلى تدمير مدرسة قرآنية بالقرب من المديرية، وأوضح المتحدث أن الحركة كانت تستهدف اجتماعًا يُعقد في المديرية.

في الفترة الأخيرة جرى الحديث عن تمكن حركة الشباب من اختراق الأجهزة الأمنية، سواء في الصومال أو في دول الجوار، فبعد كشف الأجهزة الأمنية الكينية القبض على «كاروثا جيثايجا» القائد والضابط السابق في وحدة الخدمات العامة (GSU) أثناء محاولة تسلله للحدود الصومالية الكينية والاتصال بحركة الشباب، كشف نائب مدير الاستخبارات الصومالية «الجنرال عبدالله عبدالله» اختراق الحركة للوكالة والأجهزة الأمنية بشكل عام، وهو ما يُفسر نجاح الحركة في توجيه ضرباتها المتتالية إلى العديد من المراكز الحكومية في الصومال، مثلما حدث أخيرًا في مديرية هولوداغ من استهداف اجتماع كانت الحركة على علم بموعد انعقاده.

قلق كيني ودخول بريطاني حذر
أثار النشاط الملحوظ لحركة الشباب أخيرًا تخوفات القوى الإقليمية، مثل كينيا التي تعهد رئيسها «أوهور كينياتا» بالقضاء على الحركة ردًّا على الهجوم الأخير ضد القوات الكينية، كما قامت نيروبي بنشر المزيد من قواتها في مقاطعة «منديرا الحدودية»؛ لتجنب مزيد من الهجمات.

وتسعى كينيا إلى جذب مزيد من الدعم الدولي لتحركاتها ضد حركة الشباب، خاصةً الدعم البريطاني، فأخيرًا تعهّد نائب وزير الدفاع البريطاني «مارك لانكستر» بأن بلاده ستعمل على تدريب القوات الكينية العاملة، ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي العسكرية في الصومال، وأتى التعهد البريطاني خلال زيارة رئيسة الوزراء تيريزا ماي لكينيا، ويأتي الدعم البريطاني لكينيا على خلفية تهديدات كينيا بسحب قواتها من الصومال؛ نتيجة تقليص المجتمع الدولي حجم الدعم الممنوح لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال؛ حيث قلص الاتحاد الأوروبي قيمة 20% من حجم الدعم الممنوح لبعثة أميصوم، بعد قرار مجلس عام 2017 بالتخفيض التدريجي لقوات البعثة، ونقل المسؤوليات الأمنية إلى قوى الأمن الصومالية.

يأتي الدعم البريطاني لكينيا في إطار الاستراتيجية البريطانية لدعم جهود بعثة الاتحاد الأفريقي (أميصوم)؛ لتثبيت الاستقرار في الصومال؛ ففي الأول من يوليو 2018 تبرعت لندن بـ47 آلية ثقيلة (جرافات وشاحنات) بقيمة 5.6 مليون جنيه إسترليني لتعزيز قدرات بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال «أميصوم» في حربها ضد حركة الشباب، كما درب الجيش البريطاني 500 جندي صومالي  في مجالات الطب والقيادة والاستخبارات والدعم اللوجستي وصيانة المعدات الحربية وحقوق الإنسان.

ويُلاحظ هنا أن الدعم البريطاني لكينيا وقوات أميصوم يتسم بالحذر الشديد في التعامل مع هذا الملف؛ حيث تلجأ إلى دعم دول المنطقة والقوات المحلية، بل التدخل مباشرة رغم تمتع لندن بميراث تاريخي في تلك المنطقة، فلندن لا تريد الانخراط بشكل مباشر في الحرب على الإرهاب في القرن الأفريقي، وتلجأ بدلًا عن ذلك إلى دعم القوى الإقليمية والمحلية.

حضور قوي لواشطن
لم تكن الولايات المتحدة الأمريكية غائبة عن التطورات الأخيرة في منطقة القرن الأفريقي، التي تشهد حضورًا متزايدًا لحركة الشباب في الضواحي الجنوبية للعاصمة مقديشو، إضافة إلى الولايات الجنوبية مثل شبيلي السفلي وجوبالاند، ففي نهاية أغسطس 2018 أعلنت قيادة الجيش الأمريكي في أفريقيا (أفريكوم) مقتل 3 من عناصر الحركة في غارة جوية، نفذها في إقليم جوبا الوسطى الواقع  جنوب مقديشو بنحو 40 كم.

أتت الغارات الأمريكية الأخيرة في ظل تواتر الأنباء عن نية واشنطن تخفيف وجودها العسكري في أفريقيا، خاصة في ليبيا والكاميرون وتونس وكينيا، لكن سيتم استثناء الصومال ونيجيريا من هذا الأمر.

ويُلاحظ أن الضربات الأمريكية أخيرًا خلال الفترة تركزت بشكل أساسي على حركة مواقع حركة الشباب التابعة لتنظيم القاعدة، مع إهمال توجيه الضربات لمعاقل تنظيم داعش في الصومال؛ الأمر الذي يفتح الباب أمام العديد من التكهنات حول احتمالية إضعاف الضربات الجوية لحركة الشباب، وفي المقابل تعزيز نفوذ تنظيم داعش الذي لاتزال منطقة القرن الأفريقي، إحدى المناطق المرشحة لاستضافة التنظيم بعد خسارة معاقله في سوريا والعراق.

تقييم التحركات
يمكن القول: إن حركة الشباب نجحت في التكيف نوعًا ما مع الضغوط العسكرية والأمنية، بل اختراقها وتوجيه الضربات المؤثرة لها، فخلال الأسبوعين الماضيين طالت ضربات الحركة العديد من الأهداف المتنوعة، سواء في كينيا أو الصومال، بما يؤكد ضعف الجهود الدولية في مواجهة الحركة.

أما في ما يخص تداعيات التدخل البريطاني والأمريكي، يُلاحظ أن التدخل البريطاني أكثر جدية من نظيره الأمريكي في محاربة الإرهاب، رغم الغارات الأمريكية المتعاقبة على مواقع التنظيم جنوب الصومال، فإنها لم تُسفر عن خسائر كبيرة في صفوف الحركة، أما التحرك البريطاني فيأتي دعمًا للقوى المحلية والإقليمية الأكثر دراية بتشابكات الوضع في الصومال، والأكثر قدرة على تحجيم نفوذ الحركة.

شارك