في حواره لـ«المرجع».. «الزعفراني»: «عاكف» أسَّسَ دولة الأباطرة في الإخوان.. والتكفيريون إلى زوال

الخميس 06/سبتمبر/2018 - 11:31 ص
طباعة في حواره لـ«المرجع».. عبدالرحمن صقر
 
من حين لآخر تبرز الأفكار التكفيرية، وتتصدر المشهد في كثير من الدول العربية، وما تلبث تلك الأفكار أن تلقى مقاومة شعبية واجتماعية فينتهي بها المطاف للانزواء والاستكانة، لكنها تعاود الظهور على السطح مرة أخرى، خاصة في ظلِّ الفوضى والصراعات والانفلاتات الاجتماعية.

ظاهرة تستحق التوقف عندها للفهم والتحليل، والعمل على التوصل لحلول حصار هذه الظاهرة، وفي هذا الإطار حاور«المرجع» الدكتور خالد الزعفراني الخبير في شؤون الحركة الإسلاموية، والقيادي السابق بجماعة الإخوان بمحافظة الإسكندرية، والذي ينتمي لجيل الوسط بالحركة خلال فترة السبعينيات من القرن الماضي، لتفكيك هذه الظاهرة؛ لما له من خلفية فى مواجهة تلك الحركات التكفيرية القطبية التي تحمل أفكار العنف والتطرف.

وصف الباحث تلك التيارات التكفيرية، بأنها نبت شيطاني يخالف الفطرة الإلهية والإنسانية بشكل يكرّس عزلتها، ويقطع الطريق على أي تعاطف شعبي قد يضمن لها استمرار الحياة، فهذه التيارات ليست حركات وطنية ولا جماعات دعوية، ومصيرها إلى زوال.



كما أوضح الزعفراني حقيقة الدعم الذي تقدمه أجهزة استخبارات دولية للجماعات التكفيرية، ودور ذلك الدعم في إعادة التكفيريين للمشهد مجددًا بعد انزواء مؤقت بفعل الضربات الأمنية.



وعن تبرئة المرشد العام الأسبق لجماعة الإخوان مصطفى مشهور من تمكين التيار القطبي من مفاصل الجماعة، فَجَّر الخبير في شؤون الحركة الإسلامية مفاجأة من العيار الثقيل؛ حيث حَمَّل المرشد السابق للإخوان محمد مهدي عاكف مسؤولية سيطرة القطبين على دوائر صنع القرار في الإخوان، والعمل على صبغ شباب الجماعة بالفكر التكفيري الانعزالي عن المجتمع، وغير ذلك من التفاصيل المهمة التي جاءت في الحوار.


«المراجعات» .. ورقة رابحة للجماعة الإسلامية عند اللزوم

· بعد الموجة التكفيرية وتراجع تنظيم داعش في سوريا والعراق كيف ترى واقع التكفيريين حاليًّا؟

الموجة التكفيرية للأسف ارتفعت وتيرتها خلال السنوات الأخيرة، تَمَثَّل ذلك في بروز ظاهرة داعش، ومبايعة فروع لها في عدد من الدول العربية والإسلامية، وفي مقدمتها سوريا والعراق، مع إبرازها طابعًا متشددًا وتكفيريًّا يتجاوز تنظيم القاعدة بمراحل، بدءًا من انشقاق الزرقاوي، وما تلاه من ظهور البغدادي، واحتلال مناطق شاسعة في العراق وسوريا، فضلًا عن التورط في مجازر بشعة نَفَّرَت شعوب المنطقة من هذه الأفكار، ومن التيار الإسلامي بشكلً عام، قبل أن يتراجع «داعش» ويتوارى ولو نسبيًّا دون أن يكتب ذلك نهاية هذا النهج، في ظلِّ الرعاية التي تسبغها أجهزة المخابرات الغربية على هذا التيار تُؤَمن فرص الاستمرار، حتى ولو بعد فترة انحسار، فظهور الفكر التكفيري بين فترة وأخرى لا ينفي أن مصير هذه الحركات الانهيار والتحول لأسطر دموية في التاريخ، انسجامًا مع النهج النبوي، كما جاء في الحديث النبوي «كلما ظهر لهم قرن قطعه الله» ويقصد دولة الخوارج؛ حيث دائمًا ما يقيموا دولة وينصِّبُوا أميرًا للمؤمنين ما تلبث هذه الدولة أن تقوى وتتمدد قبل أن تنحسر وتنتهي نهائيًّا.



· قلتَ إن هناك أجهزة استخبارات تدعم هؤلاء التكفيريين.. في رأيك إلى ما تهدف تلك الأجهزة من وراء دعمها؟

بالفعل هناك قوى عالمية وإقليمية وأجهزة استخبارات على مستوى عالٍ، تتولى رعاية ودعم التكفيريين في الشرق الأوسط، وتتنوع أشكال هذا الدعم، بدءًا من الدعم اللوجستي، مرورًا بالمالي، وانتهاء بالتسليح والتدريب المباشر، سعيًا من هذه الجهات لتنفير الشعوب المسلمة من الدين الإسلامي عمومًا، ومن الدعوة الإسلامية بشكل خاص؛ كي تلفظها الشعوب، ولا تلتف حولها، وتكرس عزلتها، وتشل قدراتها عن توظيف التحامها بهذه المجتمعات بها لصياغة هوية إسلامية تتمايز عن الهوية الغربية، بل كي تظل الدعوة الإسلامية منعزلة وغير قادرة على فرز هوية حضارية إسلامية قادرة على ضمان استقلال الأمة، وعدم تبعيتها للغرب.



· لكن ماذا عن نشأة هذا التيار عمومًا، وكيف تغلغل في النسيج الشعبي للدول العربية والإسلامية خاصة مصر؟

تعود نشأة الفكر التكفيري إلى سنة 1966 في مصر، ففي السجون خلال ستينيات القرن العشرين، وعلى ضوء فهم سيد قطب ترعرعت أفكار هذا التيار، وتلقفها مسجونو الجماعة بشيء من شفاء الغليل تجاه النظام.



فسيد قطب يعد هو المُنظر التكفيري الأخطر داخل الإخوان، وما لا يعرفه كثيرون أن سيد قطب له شقيق أقدم منه التحاقًا بالجماعة، وهو محمد قطب، وعلى يد الأخير وبالتعاون مع آخرين داخل الجماعة، نشأت جماعات التكفير، وراحت تروج لأفكارها المدمرة تلك في مصر والعالم العربي، متخذين من كتابي «معالم فى الطريق» و«في ظلال القرآن» لسيد قطب دليلًا استرشاديًّا لهم في طريق التكفير والدم، ووصم الجميع بالجاهلية.



إلا أن الانقسام كان نصيب هذا التيار، الذي انبثق منه أكثر من كتلة متشددة تحمل البذرة التكفيرية من الجماعة الأم، منها مجموعة «التكفير والهجرة» لشكري مصطفى، ومجموعة القطبيين بمختلف درجاتها، وهي مجموعات تكفيرية، وظلّوا في السجون، وخرجوا فى السبعينيات أثناء حكم الرئيس الأسبق محمد أنور السادات، وبدأوا في نشر أفكارهم، وحازوا نوعًا من الدعم الرسمي حتى تجاوز شكري مصطفى الخطوط الحمراء عبر قتل الشيخ الذهبي، وتمركزت الجماعات القطبية فى مناطق شبرا، وعين شمس، والإسكندرية، وأخرى نائية، وكان آخر رجالهم في مصر عبدالمجيد الشاذلي، ورفاعي سرور، ومصطفى الخضيري، وأحمد عبدالمجيد، كذلك نشأت جماعة الشوقيين بالفيوم، وجماعات أخرى بدمياط.



· إذًا.. هل تسبب مصطفى مشهور-بحكم كونه رجل التنظيم الخاص- في تصاعد التيار القطبي داخل جماعة الإخوان؟

قد يبدو هذا الطرح مغريًا بالفعل، إلا أن الواقع يخالف هذه الفكرة وينسفها تمامًا، فـ«مشهور» رغم كونه أحد رموز التنظيم الخاص داخل الجماعة بل لُقب بـ«الرجل الحديدي» في التنظيم، إلا أنه لم يكن محسوبًا على القطبيين إطلاقًا، لا من قريب أو بعيد، وكل الادعاءات التي ساقتها شخصيات إخوانية حول دور مشهور في تمكين القطبيين من مفاصل الجماعة عارية تمامًا من الصحة، حيث أنهى «مشهور» -خلال منصبه كمرشد- حقبة «دولة الأباطرة» داخل الجماعة.



- لا دخان بدون نار.. من أين أتى هذا الطرح تحديدًا حول مشهور؟

كما أوضحتُ سلفًا، فإن دولة الأباطرة داخل جماعة الإخوان، كانت لها اليد الطولى والكلمة العليا خلال ولاية عمر التلمساني، وحامد أبوالنصر، وهنا اتخذ مصطفى مشهور عدّة إجراءات إصلاحية لسحب البُساط من تحت أقدام «أباطرة الجماعة»، وإعادة بناء الجماعة وفقًا للنسق التقليدي الذي تأسست عليه على يد حسن البنا، واضعًا كلمة النهاية لسياسة الجزر المنعزلة، ما أدى لإشعال غضب «الأباطرة» الذين شوهوا الرجل واتهموه بتمكين التيار القطبي «التكفيري» من مفاصل الجماعة، ولم يكن ذلك إلا نوعًا من تصفية الحسابات بينهم وبينه.

«المرجع» يُحاور هشام العلي: «داعش» و«القاعدة» أشعلا الصراع المذهبي في الشام

· في رأيك.. من منح القطبيين الضوء الأخضر ومكنهم من مفاصل الجماعة إذن؟

بكل تأكيد ويقين هو المرشد الأسبق محمد مهدي عاكف، حيث فتح الباب على مصراعيه لصهره محمود عزت أحد أبرز رموز تنظيم 1965؛ للهيمنة على الجماعة مدعومًا من رموز هذا التيار، وفي مقدمتهم محمد بديع، ورشاد البيومي، ومحمود حسين، وجمعة أمين، في الوقت الذي تم تقليم أظافر ممثلي تيار الانفتاح مثل نائب المرشد محمد حبيب، وعضو مكتب الإرشاد عبدالمنعم أبوالفتوح بمساعدة عاكف، عبر انتخابات صورية مكنت القطبيين من مفاصل الجماعة، ثم تلا ذلك التمكين الكامل للقطبيين بالتزامن مع موجة الربيع العربي التي قادت الجماعة لحكم مصر، وهو ما تكرر نسبيًّا في ليبيا، فضلًا عن تصاعد نفوذ الإخوان في سوريا قبل أن ينقلب السحر على الساحر ويسقط حكمهم، وما أعقبه من تطورات أعادت التيار التكفيري ليطل برأسه مجددًا عبر عمليات عنف قادتها حركات مثل حسم، ولواء الثورة، وغيرها من التيارات القطبية.



· على المستوى العقائدي والفكري ماذا تم في أطر الجماعة من إجراءات للترويج للأفكار الانعزالية والتكفيرية في أوساط الشباب؟

على المستوى العقائدي تم الترويج وبقوة للفكر القطبي، وتحديدًا مع تولي محمد بديع شعبة التربية داخل الإخوان، وتم إلغاء تدريس كتب مثل دعاة لا قضاة للمستشار حسن الهضيبي، والحياة الربانية لصالح فرض تدريس كتب مثل معالم في الطريق، وفي ظلال القرآن، وجاهلية القرن العشرين، والمستقبل لهذا الدين، وبدأت هذه الأفكار تخترق عقول شباب الإخوان، وهو الشباب الذي خرج عن سيطرة الجماعة في مرحلة لاحقة، وتحديدًا مع سقوط حكم الجماعة، والانخراط في مواجهة مع الدولة، وحدوث نوع الصدام الفكري بين حديث قادة الجماعة عن السلمية، وما تم حشو عقل هولاء الشباب به من فكر تكفيري انعزالي لسنوات طويلة.



· ما أهم الأفكار التي تبناها التيار التكفيري؟ وأي مستقبل ينتظره في ظلِّ الظروف الراهنة، وعلى ضوء المعطيات السياسية الحالية؟

أولا، بالنسبة للشق الأول من السؤال، فإن الأفكار التي تبناها التيار التكفيري في الجماعة قائم في الأساس على فكرة واحدة وهي جاهلية المجتمع، وأنه مجتمع كافر، وأن كل الشعوب كافرة، وأن هذا التيار وحده هو الفرقة الناجية، والمجموعة المؤمنة التي كانت موجودة أيام الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنه يجب الدعوة إلى الله من جديد، أيضًا الإحساس بالانفصال الشعورى والانعزال عن المجتمع داخل الجماعة، وأن المساجد المنتشرة ما هي إلا مساجد ضرار ومعابد شركية لا يجب الصلاة، بل لا أكشف سرًّا حين أؤكد أن سيد قطب لم يكن يؤدي صلاة الجمعة لفترة طويلة انطلاقًا من هذه العقيدة، ولطالما حصر القطبيون المساجد التي يجوز الصلاة فيها وهي فقط: «المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجد قباء، والمسجد النبوي»، فضلًا عن حتمية الصدام مع هذه المجتمعات كضرورة لبناء الدولة المسلمة، وكذلك الحرب بين الطائفة المؤمنة والمجتمع الكافر، وحرمة أداء الخدمة العسكرية، فهي جيوش تحمي المجتمع الكافر، وتحمي حكامًا طغاة لا يقيمون شرع الله، وتحمي أرض الكفار، وكل تلك الأفكار نابعة من أفكار سيد قطب.



وبخصوص مستقبل هذا التيار فهو مضى عليه الزمن، ولا أعتقد أن هناك مستقبلًا سوى الانعزال ينتظر هذا الفكر البائس المتطرف المخالف للفطرة الإنسانية؛ حيث ستعمل القوى الغربية على استبدال القوى التكفيرية بقوى طائفية تسعى لتقسيم المنطقة وتفتيتها، انطلاقًا للنعرات الطائفية، فضلًا عن توجيه دعمها كذلك لجماعات الفوضى كي لا تعرف المنطقة الاستقرار.



الطرف الثالث.. «حسم» تعترف بإحراق السجون ومقرات الشرطة المصرية في «25 يناير»

شارك