«الاستدراج الاستراتيجي».. لغز أيديولوجية «القاعدة وداعش»

الجمعة 14/سبتمبر/2018 - 03:52 م
طباعة «الاستدراج الاستراتيجي».. ماهر فرغلي
 
بنى تنظيما «داعش والقاعدة» فلسفتيهما الخاصة، على ما يُطلق عليه «الصراع»، وهو الخلاف بين أيديولوجيتين لا بقاء لإحديهما في وجود الأخرى، ولا التقاء بينهما، ومن خلال مبدأ «الاستدراج الاستراتيجي» -وهو أن تستدرج عدوك لمواجهة طويلة يظن طوال الوقت، ومن خلال المكاسب التي تتحقق له، بأنه سينتصر بالنهاية- لكن الحقيقة أن استمراره معك في المواجهة هو انتصارك الذي تبحث عنه!

لو رجعنا بالذاكرة للوراء، سنجد أن مؤسس تنظيم القاعدة «أسامة بن لادن» في خطابه الثاني، بعد أحداث 11 سبتمبر، قد استخدم مثالًا بسيطًا، وكانت هذه الاستراتيجية تكمن في داخله، حينما ذكر حديث الملك والغلام، وأن الغلام استخدم الاستدراج الاستراتيجي في جر الملك لمواجهة ظن الملك أنه سينتصر فيها بتخلصه من الغلام في النهاية، لكن استمرار محاولات الملك لقتل الغلام وتخليه عن زيف مبادئه في ادعاء الألوهية، واعترافه ضمنيًّا بصدق دعوة الغلام الذي قُتل بالنهاية، وهذا ما قاد بالنهاية الجمهور المتابع إلى الإيمان بدعوة الغلام، فجاء الخبر كالصاعقة على الملك عندما قيل له: «قد آمن الناس».



إنهم ينظرون للأحاديث، ويفسرونها تفسيرًا مختلفًا، يدور حول أن الصدام سيحصل -شئنا أم أبينا- بين طرفين، وأن الحق هو المنتصر على الباطل، الذين هم أعداؤهم كلهم.



خطة الاستدراج الاستراتيجي، كان أول من تكلم عنها هو (عبدالله محمد)، وهو الآن المنظر الأكبر للتنظيمات المسلحة استراتيجيًّا، بعد أن غيبت السجون «أبومصعب السوري»، فيقول في دراسة له متداولة على المواقع الجهادية: «وعندما نتحدث عن الجهاد فإننا نتحدث عن الحرب، والحرب تحتاج إلى خطة، والخطة نفسها تحتاج إلى مراحل ومتطلبات تبعًا لنوع الحرب وطبيعتها، وكل ذلك من أجل تحقيق هدف معين، وهذا الهدف إما يكون تكتيكيًّا وإما استراتيجيًّا، وهذا يختلف باختلاف الموقع والمعطيات، فهناك مسارح حرب يكون الهدف منها إضعاف العدو، وأخرى يكون الهدف منها هزيمته، والأولى مكملة للثانية».

«عبدالله محمد»، تحدث عن اندلاع الفوضى العارمة في المنطقة على نحوٍ غير مسبوق؛ متسائلًا: ما الدور الذي يمكن أن يلعبه التيار الجهادي في هذه المرحلة الخطيرة من عمر الأمة؟ وما المشروع الذي يمكن أن يدخل فيه هذه المرحلة؟ وما فرص نجاحه؟ ثم يجيب قائلًا: «في البداية أقول: إنَّه في ظل هذه الفوضى المرتقبة لن يكتب للمشروعات الجزئية أي فرصة للحياة في الأوضاع الجديدة».



ومن خلال حديثه، نفهم أن استراتيجية الاستدراج بعد نجاحها سيتبعها على الفور التحرك العسكري، الذي ينقسم إلى 3 مراحل؛ (البناء، والقتال، والتمكين).



يؤكّد «عبدالله محمد» مسألة الحشد الفكري والعاطفى التي يقول إنَّها يجب أنْ تسبق الخطوات التنفيذيَّة للمشروع، وهنا يلتفتُ إلى أهميَّة الدور الذي يمكن أنْ يضطلع به الإعلام في هذا المجال؛ فيقول: «والجيد لنا في المرحلة القادمة أننا سنتمتع بمساحة من الحرية الإعلامية التي خلفتها الثورات العربية، فيمكن، ومنذ الآن، اعتماد استراتيجية بعيدة المدى تتضمن أدوات إعلامية متنوعة كالإصدارات المرئية والكتب والدراسات والمؤتمرات الصحفية والندوات الفكرية التي يمكن من خلال تكثيفها على مدى ٣ أو ٥ سنوات أن نخلق حالة من القبول الفكري، أو على أقل تقدير أن نجعل مشروع الخلافة الإسلامية قضية مطروحة عند رجل الشارع العادي، إذا ما أراد مناقشة الحلول للأوضاع من حوله».



مصطلح «الفوضى العارمة»، لدى «عبدالله بن محمَّد»، يعادل مصطلح «الفوضى الخلّاقة»، لدى وزيرة الخارجية الأمريكية سابقًا «كونداليزا رايس»، ومصطلح «مرحلة التوحّش»، لدى «أبوبكر ناجي»؛ وهم جميعًا يبحثون في كيفيَّة استغلال هذه الحالة الاستثنائية لتحقيق أغراضهم السياسية.



يتوافق «عبدالله» مع نظرية «صراع الحضارات» للكاتب «صامويل هنتنجتون»؛ ويقول بعد 11 سبتمبر 2001: أدرك العالم أنه أمام بداية جديدة لنوع جديد من أنواع الصراع العالمي، كان قد تنبأ به (هنتنجتون) في نظرية (صراع الحضارات)، وملخص نظريته أن العالم لا يتسع لحضارتين أو 3، وأنه يجب أن تسود حضارة واحدة، وتفرض نظامها السياسي والاجتماعي والاقتصادي؛ حتى يسود السلام العالم كله، ونحن كمسلمين نوافقه في ما ذهب إليه، ونرى أن العالم فعلًا لا يتسع لحضارتين في آن واحد؛ ولذا فنحن نقاتل حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، وعندنا بشارة في أن ديننا سيدخل كل بيت وبر أو مدر بعز عزيز أو ذل ذليل.



إذن الخداع الاستراتيجي والاستدراج، هو ديدن تلك التنظيمات المسلحة، فاعملوا حساب هدوئهم، وكونوا دائمًا مستعدين للمواجهة.



كما أن الاستراتيجيات العسكرية لا تنفصل عندهم عن الاستراتيجيات السياسية، التي يوجهونها لكوادرهم الخاصة، لكننا في حاجة دائمًا لمناقشتها، والاطلاع عليها؛ كي نتسلح بالأمور اللازمة لمواجهتها.



للمزيد.. من جنوب شرق آسيا.. رسائل داعش الحركية لـ«أمريكا وأوروبا»



للمزيد.. «داعش» وتكفير المخالفين.. «المرجع» ينفرد باجتماعات «البغدادي» في الأنبار




شارك