«مكتب خدمات المجاهدين» في باكستان.. النواة الأولى لـ«القاعدة»

السبت 29/سبتمبر/2018 - 08:47 ص
طباعة «مكتب خدمات المجاهدين» عبدالهادي ربيع
 
يُعدُّ مكتب «خدمات المجاهدين العرب»، الذي أسسه عبدالله عزام (1941- 1989) في بيشاور (كبيت للمهاجرين) عام 1984، هو حاضنة التكفيريين الوافدين إلى أفغانستان، وشكل المكتب بالتعاون مع «معسكر مأسدة الأنصار»، و«بيت الأنصار» 1984 اللذين أسسهما أسامة بن لادن، زعيم تنظيم القاعدة السابق (1957 – 2011) المدرسة الأساسيَّة للجهاديين الأفغان.


من تلك المدرسة انبثقت تيارات تكفيريَّة شديدة الخطورة كتنظيم «القاعدة»، 1988، وتنظيم «داعش» الذي ظهر وانتشر في سوريا والعراق منذ 2003، إضافة إلى العديد من التنظيمات الأخرى المنشقة عن القاعدة.

عبدالله عزام و«خدمة المجاهدين»

في «جنين» الفلسطينية عام 1941، ولد عبدالله عزّام، وكانت وقتها مازالت تحت الانتداب البريطاني، وبعد أن نال درجة الليسانس في الشريعة من جامعة دمشق، سافر إلى القاهرة ليحصل على شهادة الماجستير من جامعة الأزهر عام 1969، ثم ارتحل إلى الأردن، وعمل بوزارة الأوقاف، فمدرسًا وأستاذًا بالجامعة الأردنية، وتقرب من جماعة الإخوان، حتى حصل على مكانة كبيرة عند الإخوان والسلفيين الجهاديين.


وفي عام 1980 أصدر الحاكم العسكري الأردني قرارًا بفصل «عزام» من عمله، فانتقل إلى السعودية للتدريس في جامعة الملك عبدالعزيز بجدة، ثم طلب أن يعار عام 1981 إلى الجامعة الإسلامية الدولية بـ«إسلام آباد»، عاصمة باكستان؛ ليكون قريبًا من حركة «الجهاد الأفغانية».


بدأ «عزام» العمل مع المجاهدين الأفغان عام 1982، وبعد أن استقر في «بيشاور» البكستانية، أسس عام 1984 «مكتب خدمات المجاهدين»، وهو هيئة إغاثة امتد نشاطها إلى كشمير شرقًا والبوسنة غربًا، ويتفرع عنه بيوت للضيافة، اشتهرت في سنوات 1985 – 1991، حيث استضافت مئات من العرب، ووفر المكتب عددًا من المندوبين لاستقبال المجاهدين وإعدادهم عسكريًّا وبدنيًّا.


ولم يتوقف المركز عند حدود العمل الدعوي، لكنه نقل الأمر إلى المستوى التنظيمي والتدريبي، حيث تولى «عزام» التوجيه والقيادة الروحية إلى جانب أسامة بن لادن، فيما تولى مسؤولية التمويل «وائل حمزة جليدان»، وتتهمه السلطات الأمريكية بتوفير الدعم المالي واللوجستي لتنظيم «القاعدة».


واستمر الثلاثة في إرسال البعثات إلى الولايات الأفغانية، وكانت كل بعثة تتشكل من 10 أفراد مهمتهم إيصال الدعم المادي، وشراء السلاح، وفتح المدارس والمستوصفات، وضمت كل بعثة معلمين وأطباء كثيرًا ما كانوا يتحولون إلى مقاتلين، وقُتل غالبيتهم في المعارك هناك.


التمويل وجبهات القتال

اعتمد المكتب على التمويل من خلال جمع التبرعات من البلدان الغربية، والولايات المتحدة؛ حيث انتشرت فروعه في أكثر من 33 مدينة أمريكية؛ لدعم الجهاد الأفغاني -أغلق معظمها في أعقاب حادث الـ11 من سبتمبر 2001- فعلى سبيل المثال «Global Relief Foundation - المؤسسة العالميَّة للإغاثة الخيرية»، التي تأسست عام 1992 ومقرها في «بريدج فيو» في ولاية «إلينوي»، تعد ثاني أكبر مؤسسة خيريَّة إسلاميَّة في الولايات المتحدة، وكانت على علاقة بـ«مكتب خدمات المجاهدين».



كما أسهمت هذه الفروع في التجنيد المباشر؛ حيث التحق نحو 200 شاب عربي مهاجر تم تدريبهم في الولايات المتحدة بحركة الجهاد، وأمد المكتب قوافل المجاهدين بالتجهيزات اللازمة لإتمام عملها المسلح، كما ساعد في ترحيلهم وتوزيعهم على جبهات القتال المختلفة، وشارك في الاعتناء بضحايا الحروب والجرحى.



وامتد دور المكتب للعناية بأسر وأبناء القتلى منهم، حيث افتتح قسمًا لكفالة الأيتام والأرامل في أفغانستان، وبناء عدة دور للأيتام، وكان أحد الأدوار الرئيسية للمكتب يتمثل في عمليات الحشد الدعوي والخطابات الحماسية التي تسهم في رفع معنويات المقاتلين الأفغان.



وأدى المكتب دورًا مهمًّا في صهر الطاقات من مختلف التيارات والوافدين من دول مختلفة في بوتقة واحدة، كما أسهم في تشكيل لجنة العلماء لإصدار الفتاوى التي يحتاجها الجهاديون للاستمرار في حربهم، وما يطرأ عليهم من إشكاليات ومسائل فقهية مختلفة.



سبب اسم «القاعدة»

في ظل اتحاد الروح المشتركة بين «عزام، وبن لادن»، خلال عام 1986 تم إنشاء 6 معسكرات لتدريب وتجنيد الشباب الحالم بمغامرات الجهاد المسلح، ليشهد عام 1988 إنشاء قاعدة معلومات عرفت بـ «سجل القاعدة»، تشمل تفاصيل كاملة عن حركة المجاهدين العرب، قدومًا وذهابًا والتحاقًا بالجبهات.



ومن طبيعة هذا السجل، تبلور اسم واحد من أخطر التنظيمات الإرهابيَّة في العالم، «القاعدة»، على أساس أن السجل تضمن التركيبة المؤلفة من «بيت الأنصار»، أول محطة استقبال مؤقت للقادمين للجهاد قبل توجههم للتدريب، ومن ثم الإسهام في الجهاد ومعسكرات التدريب والجبهات.



واستمر استعمال كلمة «القاعدة» من قبل المجموعة التي استمر ارتباطها بـ «بن لادن»، والذي تولى «مكتب الخدمات» إدارته، وأصبحت السجلات مثل الإدارة المستقلة.



وبعد مقتل عبدالله عزام 1989 مع اثنين من أولاده عن طريق لغم أرضي، أصبح المكتب تحت قيادة «بن لادن»، الذي أصبح مسيطرًا على المشهد الجهادي في أفغانستان، حتى مقتله عام 2011.



وتسلم مهام التنظيم من بعده «أيمن الظواهري»، الزعيم الحالي لـ«القاعدة»، ومن حينها لم يعد يظهر المكتب بصورة منفردة بل كأداة من أدوات تنظيم «القاعدة».

شارك