«الإرهاب العائلي».. نمط جديد لتنظيمات التطرف في أوروبا

الأحد 30/سبتمبر/2018 - 09:09 ص
طباعة «الإرهاب العائلي».. د.مبارك أحمد
 
كشفت الهجمات الإرهابية التي تعرَّضت لها العديد من الدول الأوروبية -منذ قيام تنظيم «داعش» بالإعلان عن دولته في العراق والشام في يونيو 2014- عن نمط جديد للعناصر المُنفذة للعمليات الإرهابية، وهو نمط «الإرهاب العائلي»، الذي تقوم بتنفيذه عناصر تربطهم علاقات قرابة ووشائج اجتماعية؛ ما يعد تطورًا في آليات تجنيد العناصر، التي لجأت إليها التنظيمات الإرهابية، وهو الأمر الذي أضاف أبعادًا مُعقدة لكيفية مواجهة ظاهرة «الإرهاب العائلي»، التي أضحت إحدى آليات التجنيد للتنظيمات الإرهابية والمتطرفة، وأسهمت في إعادة إنتاج الإرهاب، وتوريث قيم التطرف ومنظومته الفكرية من جيل لآخر.

ويبدو أن ظاهرة «الإرهاب العائلي»، كانت لها جذورها التاريخية الممتدة، فأحداث الحادي عشر من سبتمبر 2011، التي قام بتنفيذها 19 إرهابيًّا على الأراضي الأمريكية، واستهدفت رموز الهيمنة الأمريكيَّة السياسيَّة والاقتصاديَّة والعسكريَّة، شارك في تنفيذها ستة أشقاء، كما أن الإرهابيين الاثنين اللذين قاما بتنفيذ تفجيرات قطارات مدريد في مارس 2004، شقيقان من أصول مغربية، كما شارك الأخوان الأمريكيان من أصول شيشانية، «تيمور لنك» و«جوهر تسارناييف»، بتفجيرات ماراثون بوسطن في أبريل 2013.

وتكررت ظاهرة «الإرهاب العائلي» في حالات متعددة بعدد من الدول الأوروبية، التي شهدت تنفيذ عمليات إرهابية على أراضيها؛ وكان أبرزها الهجوم الذي شهدته فرنسا على صحيفة «شارلي إبدو» الأسبوعية، في يناير 2015، وقام بتنفيذه الأخوان «سعيد وشريف كواشي» وهما من أصول جزائرية، وأسفر الهجوم عن مقتل ما يقرب من 12 شخصًا، وإصابة 11 آخرين، والذي تمكنت قوات الأمن الفرنسية من تصفيتهما بعد الحادث بيومين، كما تسلمت السلطات الفرنسية من نظيرتها البلغارية، في أغسطس 2016، «مراد حميد»، شقيق زوجة شريف كواشي، الذي وجَّهت إليه اتهامات بالارتباط بمنظمة إرهابية.

وشارك الأخوان «إبراهيم وصلاح عبدالسلام»، في سلسلة الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها العاصمة الفرنسية باريس، في نوفمبر 2015؛ حيث قام الأول بتفجير نفسه في أحد المطاعم أثناء الهجمات، على حين تمكَّن الثاني من الهرب إلى بروكسل، وتم القبض عليه في مارس 2016، وقامت السلطات البلجيكية بتسليمه إلى السلطات الفرنسية لتقديمه للمحاكمة لدوره في تلك العمليات، إذ قام -وفق ما تناولته وكالات الأنباء العالمية- بنقل ثلاثة انتحاريين إلى استاد دو فرانس؛ حيث وقع الهجوم الذي أسفر عن مقتل 130 شخصًا.

أما العاصمة البلجيكية بروكسل، فقد شهدت تنفيذ عملية إرهابية في مارس 2016، قام بتنفيذها الأخوان إبراهيم وخالد البكراوي في مارس 2016، استهدفت مطار بروكسل الدولي، ومحطة مترو مالبيك، وأسفرت العملية عن مقتل ما يقرب من 34 شخصًا وإصابة 271 آخرين.

أسباب متعددة

أسهمت العديد من العوامل في تزايد انتشار نمط الإرهاب العائلي في أوروبا، وهو ما يمكن إبرازه في العناصر التالية:

تشديد الرقابة على وسائل التجنيد: مثل اتجاه العديد من الدول الأوروبية إلى تشديد الرقابة على وسائل التواصل الاجتماعي، كآليات للتجنيد استخدمتها التنظيمات الإرهابية والمتطرفة وفي مقدمتها داعش، الذي نجح في استقطاب عدد كبير من الشباب الأوروبي؛ فاتجهت التنظيمات الإرهابية والمتطرفة إلى استحداث آليات جديدة تضمن إمدادها بعناصر بشرية تعوضها فقدانها لمقاتليها في بؤر الصراعات المختلفة، فكان اعتمادها على الروابط الأسرية، باعتبارها حواضن اجتماعية بعيدة عن المراقبة الأمنية.

انتشار مناطق الجيتو: (وهو مصطلح يشير إلى منطقة يعيش فيها طوعًا أو كرهًا، مجموعة من السكان يعتبرهم أغلبية الناس خلفية لعرقية معينة أو لثقافة معينة أو لدين)، فقد استندت التنظيمات الإرهابية والمتطرفة في توظيفها للعلاقات الاجتماعية لتجنيد عناصر جديدة على المناطق المُهَمَّشة والفقيرة، التي تُعرف بمجتمعات «الجيتو» في البلدان الأوروبية، وهي تلك المجتمعات التي تنتشر كحزام منتشر حول المناطق المتقدمة، ويقطنها أغلب أبناء الجيل الثاني والثالث من المهاجرين، الذين فشلوا في الحصول على قدر وافر من التعليم يمكنهم من الانخراط داخل المجتمعات الأوروبية بنجاح؛ ما أدى بهم إلى الانفصال والانغلاق داخل هذه المجتمعات.

لذلك فإن مجتمعات «الجيتو» تشعر بعزلة مجتمعية عن سياقها الأوروبي، وهي البيئة التي تلائم انتشار الأفكار المُتطرفة لتضم النواة الإرهابية في مراحلها الأولى من الأشقاء ثم الأقارب، ثم الأصدقاء المقربين وأبناء الحي؛ ولذلك تبرز ظاهرة وجود خلايا كاملة في مناطق النزاع، كسوريا أو العراق مثلًا، أو حتى خلايا نائمة تتكون من أقارب وأصهار وآخرين، تتفاوت درجات قرابتهم الأسرية من بعضهم البعض.

صعوبة الاختراق: تعتمد التنظيمات الإرهابية والمتطرفة على العلاقات الاجتماعية وصلات القرابة، كونها تُمَثّل صعوبة في الاختراق، فوفقًا لاتجاهات عديدة، هي تعتمد على علاقات الأخوة وصلات القرابة، حتى تبقى أنشطتها في إطار من الكتمان، وبالتالي الالتفاف على كل محاولات كشف عناصرها من قبل الأجهزة المعنية بمكافحة الإرهاب، وخطورة نمط الإرهاب العائلي تكمن فيما يمكن أن يحدثه من تأثير سلبي في نطاق تحركه، وفي ظل التعاملات اليومية المعتادة بين أعضائه.

تسهيل التجنيد: تساعد علاقات القرابة، وصلات الصداقة، بين أعضاء الجماعات المتطرفة على القيام بالتجنيد وتنفيذ العمليات الإرهابية في إطار من الثقة، بالاعتماد على عمليات التجنيد العائلي، وهو الأمر الذي يفسره الكثيرون بحرص التنظيمات الإرهابية والمتطرفة على تجنيد النساء، كونهن أكثر تأثيرًا في محيطهن الأسري، الأمر الذي قام به تنظيم «داعش»؛ حيث انتشرت المقاتلات من النساء بأفرع متعددة للتنظيم في بؤر الصراعات، ووصفن في كتابات عديدة بالداعشيات.

تشابه النسق القيمي للأقارب: يساعد تشابه النسق القيمي للأقارب في تبنيهم لرؤى متشابهة إزاء أنفسهم وإزاء الآخرين، وهو الأمر الذي يُنتج ما يُطلق عليه الإدراك المعرفي المغلق وفق علماء النفس، والذين يرون أن ظاهرة الأشقاء الإرهابيين تفسِّر التكوين النفسي المتشابه، فغالبًا ما يتقاسم الإخوة القيم والمبادئ والمعتقدات نفسها، وبالتالي قد يدافعون بشراسة عن هذه القيم التي يؤمنون بها، ولذلك فإن المتخصصين في علم النفس يعتقدون أن إمكانية تأثير أحد الأشقاء على الآخرين تكون أيسر وأكثر فاعلية، وبالتالي تصبح العلاقة بينهم قائمة على درجة أكبر من الانصهار والانصياع .

الخلاصة:

لاشك أن انتشار نمط الإرهاب العائلي يمثل تهديدًا للأمن والاستقرار في أوروبا، في ظلِّ وجود حواضن مثالية له؛ أبرزها تنامي ظاهرة الإسلاموفوبيا (التحامل والكراهية والخوف من الإسلام أو من المسلمين)، وسماح الدول الأوروبية للتنظيمات المتطرفة باستغلال أعضائها لمناخ الحريات الأوروبي في توظيف المنابر الإعلامية لخدمة أهدافها، فضلًا عن خطورة تداعيات عودة المقاتلين الأوروبيين إلى دولهم، وما يحمله ذلك من إمكانية نقل قيمهم ومنظومتهم الفكرية المتطرفة إلى باقي أُسرهم أو معارفهم، في ظلِّ الجهود التي تقوم بها الحكومات الأوروبية وسياساتها في مواجهة قضية العائدين، وما يثار حول تبني بعض السياسات الأوروبية لاستراتيجية الدمج التدريجي لهم داخل بعض هذه المجتمعات.

وهذا الأمر يتطلب ضرورة وضع تصور أوروبي متكامل لكيفية مواجهة نمط «الإرهاب العائلي»، من خلال التركيز على تنمية المناطق المُهَمَّشة والفقيرة المحيطة بالمدن المتقدمة، وتعزيز ركائز المواطنة ممارسة وسلوكًا، فضلًا عن توفير الدعم المعنوي للأسر التي انخرط أبناؤها في بؤر الصراعات، وتصميم برامج توعوية لها؛ تجنبًا لضمِّ آخرين منهم.

شارك