«الفن الحرام» عند الإخوان (1 - 3)

الأحد 30/سبتمبر/2018 - 04:04 م
طباعة «الفن الحرام» عند مصطفى حمزة
 
أغاني الإخوان.. بين «اقتباس الكلمات» و«سرقة الألحان»
«سندس» تُحيي أفراح الإخوان.. و«الأخوات» يرقصن «slow»
حسام تمام: التيارات الإسلامية أدخلت ألحانًا وجملًا موسيقية لأغانٍ لا علاقة لها بـ«الإسلاموية»


الإخوان
الإخوان
تتباين مواقف التيارات الإسلاموية من الفن، بين مُحرم ومبيح له، وفقًا لفتاوى قادة كل تيار منهم، ويُصر هؤلاء كلما أتيحت الفرصة لذلك على إثارة الجدل حول حكم كل نوع من أنواع الفنون المختلفة؛ ففي الوقت الذي يحرم فيه الكثير من الإسلاميين أغلب القوالب الفنية، نجد بعضهم يُبيحها بغرض توظيفها توظيفًا يخدم فكرته، فيستخدمونها في الحشد مثل الأناشيد التي تبثها هذه الجماعات لبث الحماسة في الموالين لهم، وكذلك يتخذون من المسرحيات وغيرها من فنون الدراما والسينما وسيلة لمعارضة الأنظمة الحاكمة.

من بين هذه التيارات التي تتباين مواقفها من الفن، جماعة الإخوان؛ فبالنظر إلى موقفها من حكم الأغاني؟ وهل هي حلال أم حرام؟ نجد الجماعة تنقسم إلى تيارين، أحدهما لا يحرمها، سواء أكانت مصحوبة بالدف أم بالمعازف، وثانيهما يُبيح الأغاني المصحوبة بالدف فقط، مع تحريم المعازف الأخرى، وطوال السنوات الماضية كان لدعاة الجماعة آراءٌ فقهية متعددة، تتعلق بهذا الأمر؛ إلا أن التطبيقات العملية والممارسات الفنية للإخوان كانت أبلغ من هذه الآراء.

حسن البنا
حسن البنا
وقد خلت أدبيات مؤسس الجماعة حسن البنا، من رؤية قاطعة حول الفن، أو حديث عن حكم الإسلام فيه، باستثناء موضعين، الأول في رسالة: «هل نحن قوم عمليون»، أشار فيه إلى أن «الفن ليس سبيلًا لإصلاح أخلاق الأمة، وإنما الدين هو السبيل»، والموضع الثاني في رسالة: «مهمتنا»، الذي أوضح فيه أن «تقدم الفن لم يجلب سعادة النفوس وهدوءها وطمأنينتها».
الباحث الراحل حسام
الباحث الراحل حسام تمام
يقول الباحث الراحل حسام تمام، في الصفحة 87 وما بعدها، من كتابه «تحولات الإخوان المسلمين»: «حين أسس البنا جماعته -الإخوان- عام 1928 كان الفن من أهم المساحات التي حددها لحركة جماعته، ذات الطابع الإصلاحي الشامل».

وبَيَّن الباحث الراحل، أشكال الفن التي أدخلها «البنا» في برامج تكوين جماعته (التي كانت قانونية وقتها)، قائلًا: «بدأت بالنشيد الديني والإسكتش الذي يقدم في الرحلات والحفلات، بل ولقاءات الجماعة الدينية الخاصة».

«تمام»، يذكر أن نشيد «يا معشر الإخوان»، الذي كتبه للجماعة الشيخ أحمد حسن الباقوري، (وزير الأوقاف في ثورة 23 يوليو 1952، ثم وزير الأوقاف في الجمهورية العربية المتحدة حتى عام 1959) كان من أشهر أناشيد فترة الخمسينيات، وكان أقرب إلى النشيد الحماسي الديني، الذي يبث الحماسة، ويُساعد في حشد القواعد وتعبئتها على إيقاع ثوري، تتردد بين كلماته التي تقول:

يــا مـعـشر الإخــوان لا تترددوا *** عن حوضكم حيث الرسول محمدُ

نادتكم الفردوس فامضوا نحوها *** في دعوة الإسلام عزوا واسعدوا

ثم جاءت فترة السبعينيات، التي كانت بمثابة ربيع النشيد الحماسي، وانتشر هذا النوع من الأناشيد في كل المجالات، بما في ذلك حفلات «الأفراح الإسلامية»، وكان المغنيين يُنشدون في هذه الحفلات: «تدلت الحبال لتشنق الرجال»، و«لبيك إسلام البطولة»، و«واجعل من جماجمنا لعزك سلما».
جماة الإخوان
جماة الإخوان

أناشيد الإخوان.. من الجهاد للرومانسية

الباحث الراحل، يشير إلى أن هذا النوع من الأناشيد الحماسية الجهادية، تَغيَّر كثيرًا في مرحلة الثمانينيات، وذلك تماشيًا مع التحولات التي شهدها المجتمع المصري كله، خاصة في عهد الرئيس الراحل محمد أنور السادات؛ حيث قاد هذا التحوُّل في نوعية الأناشيد عدد من الفرق الإسلامية (إضافة إلى الإخوان)، التي ظهرت في هذه الفترة، وانتشرت في فترة التسعينيات.

ومع زيادة عدد الفرق الإسلامية، واتساع رقعة انتشارها في محافظات مصر المختلفة، انتقل عملها من التطوعية والمجانية إلى المهنية والاحترافية، وصاحب ذلك تخليها تدريجيًّا عن مقاطعة الآلات الموسيقية، حتى أصبحت تستخدمها جميعًا دون أي موانع أو محاذير شرعية.

وفي الصفحة 91، من كتابه المُشار إليه سابقًا، يؤكد «تمام»، أن هذه الفرق استعانت بموسيقيين محترفين، ممن يعملون مع كبار الفنانين (مثل الموزع الموسيقي حسن إش إش)، وأدخلت بعض الفرق ألحانًا وجملًا موسيقية لأغانٍ لا علاقة لها بـ«الإسلاموية»، قائلًا: «استعانت إحدى هذه الفرق بلحن أغنية للمطربة اللبنانية المسيحية جوليا بطرس، واقتبست فرقة أخرى أغنية عمرو دياب «من كم سنة وأنا ميال ميال.. وفي حبك أنا مشغول البال»، فسارت على وزنها ولحنها في أغنية خاصة بها تقول: «من كم سنة وأنا ديني الإسلام.. وشريعتي أنا سنة وقرآن»، بل تحولت أغنية الأطفال الشعبية «بابا فين» إلى أغنية إسلامية تقول: «المسلم فين»، وأعادت فرقة «زهرة الأندلس» غناء أغنية المطربة اللبنانية صباح: "على دلعونا"، بتوزيع جديد، وشهدت كل هذه الأغاني تراجع النبرة الحماسية القديمة لأناشيد الإخوان».

الباحث الراحل، يضيف أنه زيادةً على ذلك، تعرضت الأغاني الحماسية التي كانت تشدو بها حناجر أعضاء الفرق الإسلامية إلى توزيعات موسيقية جديدة، غَيَّرت لونها الحماسي إلى لون رومانسي مختلف، مثلما فعلت فرقة «كنوز»، التي أعادت غناء نشيد «رددي يا جبال» الكلاسيكي الثوري، ولكن بصوت هادئ تصاحبه الموسيقى بطريقة رومانسية.

«تمام»، يقول: إنه تكفي مقارنة سريعة بين الإصدار السبعيني القديم والتوزيع الجديد لأغنية مثل «ثوار»، لنعلم كيف خفتت النبرة والنغمة الجهادية الثورية، حتى في كلاسيكيات النشيد الإسلامي، الذي تقلصت فيه مساحة الثوري الجهادي، إلى أدنى حدودها؛ لتفسح المجال واسعًا أمام الأغنية (الإسلامية) ذات الطابع الترفيهي، وربما الساخر، وتَغيَّر «إسلام البطولة» وصار هناك إسلام آخر «جميل» يتمثل في أغنية «إسلامنا ده حلو وجميل»، وإسلام آخر «حلم»، مثل كلمات «بحلم لو عاد الإسلام يحكم من تاني» بنغمتها الرومانسية الهادئة.

وكان من الطبيعي في ظل هذا التطور الذي مر به النشيد الجهادي، أن يظهر لون جديد من أناشيد الأفراح الإخوانية، التي تتناسب مع جو البهجة والفرح، بدلًا من الحماسية والجهاد، فأطلقت فرقة «الوعد» ألبومًا اسمه «جَوِّزناه وخلصنا منه»، بينما غنت فرقة «كنوز» مقطعًا يقول: «يا جماله يا جماله يا جماله.. عريسنا تايه في دلاله».
«سندس» تُحيي الأفراح الإخوانية

وظل أهم ما يُميز هذه الفرق الإسلامية أنها فرق جميع أعضائها من الرجال، حتى ظهرت أول فرقة نسائية في عام 1996، وهي فرقة «سندس»، التي أصدرت ألبومها الأول عام 2002، بعنوان «زي البنات»، وهي ألحان الأغنية نفسها التي غَنَّتها فنانة الإغراء مها صبري، وهي تقوم بدور راقصة في ثلاثية نجيب محفوظ، ولحنها الموسيقار سيد درويش، ويقول مطلعها: «يا ورد على فل وياسمين يا تمر حنة»، والتي استبدلوها بكلمات «زي البنات أنا من صغري بحلم بعشي»، بنفس لحن الأغنية الأصلية، وكان أعضاء الفرقة الذين غنوا هذا الألبوم فتيات في سن الطفولة، وأعلنت هذه الفرقة مؤخرًا عن انضمام المطربة شاهيناز لها بعد ارتدائها الحجاب.

ونشأت هذه الفرق الإخوانية النسائية في البداية تطوعية، في بعض الأحياء؛ حيث تذهب مجموعة من النساء (أعضاء الفرقة)، إلى بيت العروس، لإحياء ليلة عرسها على طريقتهن، فيستبدلن بكلمات أغانٍ مشهورة كلمات أخرى، مع الاحتفاظ باللحن نفسه، كنوع من المحاكاة والتقليد، مثل الأغنية المشهورة للمطربة المصرية ليلى نظمي، التي تقول: «حماتي يا نينة دلوعة عليا»، والتي استبدلوها بكلمات أخرى، هي: «حماتي يا نينة مؤمنة تقية».

والأغرب من ذلك كله فقرة الرقص الهادئ «slow» حيث تقوم العروس بالرقص مع إحدى صديقاتها، رقصةً هادئةً على أنغام الموسيقى، ويسمح لبقية «الأخوات» الرقص معًا بشرط التزام الهدوء والتناغم مع الموسيقى.

شارك