المعتزلة.. قضايا العقل والتنوير في الفكر العربي الجزء الأول

السبت 10/يناير/2015 - 09:24 م
طباعة المعتزلة.. قضايا
 
محتويات الجزء الأول:
      1- النشأة والتسمية
      2- السبب السياسي لظهور المعتزلة
      3- مذهب المعتزلة
      4- ما اتفقت عليه المعتزلة
      5- نظرية الحكم عند المعتزلة
      6- شروط الخروج على الإمام والثورة عليه
      7- المعتزلة والفلسفة اليونانية
      8- دفاع المعتزلة عن الإسلام
      9- طريقة المعتزلة في الاستدلال على العقائد
      10- مناصرة بني العباس لهم
      11- محنة خلق القرآن
المعتزلة.. قضايا
على الرغم من نشأة المعتزلة في العصر الأُموي، غير أنهم شغلوا الفكر الإسلامي في العصر العباسي وقتًا طويلًا، ويختلف العلماء في وقت ظهورهم، فبعضهم يرى بداياتهم أيام علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – حيث اعتزل بعض الصحابة السياسة وانصرفوا إلى العقائد والعبادات عندما تنازل الحسن عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان، وفي ذلك يقول الحسين الطرائفي في كتابه (أهل الأهواء والبدع): وهم سموا أنفسهم معتزلة، وذلك عندما بايع الحسن معاوية وسلم الأمر إليه، اعتزلوا الحسن ومعاوية وجميع الناس، ولزموا منازلهم ومساجدهم، وقالوا نشتغل بالعلم والعبادة.
واصل بن عطاء
واصل بن عطاء
والكثير من العلماء يؤكد على أن رأس المعتزلة هو واصل بن عطاء، وقد كان ممن يحضرون مجلس الحسن البصري العلمي. فثارت تلك المسألة التي شغلت الأذهان في ذلك العصر، وهي مسألة مرتكب الكبيرة، فقال واصل مخالفا الحسن: أنا أقول: إن صاحب الكبيرة ليس بمؤمن على الإطلاق، ولا هو كافر على الإطلاق، بل هو في منزلة بين المنزلتين، ثم اعتزل مجلس الحسن، واتخذ له مجلسًا آخر في المسجد.
والمعتزلة في كتبهم يرون أن مذهبهم أقدم في نشأته من واصل بن عطاء فيعدون من رجال مذهبهم كثيرين من آل البيت، ويعدون من مذهبهم أيضا الحسن البصري، فقد كان يقول في أفعال الإنسان مقالة القدرية، وهي مقالتهم، ويقول كلامًا في مرتكب الكبيرة يقارب كلامهم وليس مناقضا له، إذ أنه يقول إنه منافق.
وبذلك لا يتباعد منهم، إذ أن المنافق مخلد في النار، ولا يعد من أهل الإيمان.
المنية والامل
المنية والامل
وقد ذكر طبقاتهم "المرتضى" في كتابه "المنية والأمل" والذي يؤكده الكثير من العلماء الثقات أن المذهب أقدم من "واصل" وأن الكثيرين من آل البيت قد نهجوا مثل نهجه، كيزيد بن علي الذي كان صديقا لواصل، وأن واصلا من أبرز الدعاة، فكان عند الأكثرين رأس المذهب لأنه أبرز من دعا له.
وحول التسمية والاختلاف فيها يقول الشهرستاني: إن تسمية المعتزلة بهذا الاسم إنما ترجع لعبارة أطلقها الحسن إبان خلافهما "اعتزلنا واصل" فسمي وجماعته بالمعتزلة 
المعتزلة.. قضايا
أما البغدادي فيرى أن هذه التسمية جاءتهم لأنهم اعتزلوا إجماع الأمة، والمسعودي من جانبه رأى أن تسميتهم بالمعتزلة لأن قولهم بالمنزلة بين المنزلتين إنما يعني عزل مرتكب الكبيرة عن المؤمنين والكافرين فسمي أصحاب هذا القول أي المنزلة بين المنزلتين بالمعتزلة، بينما يرى المرتضى المعتزلي أنهم من أطلق التسمية على أنفسهم لاعتزالهم الأقوال المحدثة والمبتدعة (المنية والأمل- ص4 ) بينما يذهب المستشرق نيللينو أنهم استعاروا التسمية ممن وقفوا موقفهم السياسي الشهير في اعتزال الفتنة الكبرى وهو رأي ساقه أيضا النوبختي "لما قتل عثمان افترق الناس ثلاث فرق ..... وفرقة اعتزلت مع سعد بن أبي وقاص وعبدالله بن عمر ومحمد بن مسلمة وأسامة بن زيد، فسموا المعتزلة وصاروا أسلاف المعتزلة إلى آخر الأبد" ويرجحه ما ذكره السبكي من أنه وقع على كتب للمعتزلة يصنف عبدالله بن مسعود المعلوم اعتزاله القتال بين علي ومعاوية كأحد روادهم. 
المعتزلة.. قضايا
ويقول الدكتور أحمد أمين في كتابه فجر الإسلام: "ولنا فرض آخر في تسميتهم المعتزلة لفتنا إليه ما قرآناه في خطط المقريزي من أن بين الفرق اليهودية التي كانت منتشرة في ذلك العصر وما قبله طائفة يقال لها "الفروشيم" وقال: إن معناها المعتزلة، وذكر بعضهم هذه الفرقة أنها كانت تتكلم في القدر، وتقول ليس الأفعال كلها خلقها الله. فلا يبعد أن يكون هذا اللفظ قد أطلقه على المعتزلة قوم أسلموا من اليهود لما رآوه بين الفرقتين من الشبه" وأن التشابه كبير بين "معتزلة اليهود" و"معتزلة الإسلام" فمعتزلة اليهود يفسرون التوراة على مقتضى منطق الفلاسفة، والمعتزلون يتأولون كل ما في القرآن من أوصاف على مقتضى منطق الفلاسفة أيضا، وقد قال المقريزي في "الفروشيم" الذين سماهم المعتزلة "يأخذون بما في التوراة على معنى ما فسره الحكماء من أسلافهم" (الخطط المقريزية).

السبب السياسي لظهور المعتزلة

هناك سبب سياسي ينحاز له كثير من الباحثين في تاريخ الفكر، حيث يقولون إن الداعي لظهور هذه الفرقة الكلامية ظرف تاريخي وحضاري لأن الإسلام عند نهاية القرن الاول كان قد توسع ودخلت أمم عديدة وشعوب كثيرة في الإسلام ودخلت معها ثقافات مختلفة ودخلت الفلسفة ولم يعد المنهج النصي التقليدي النقلي يفي حاجات المسلمين الفعلية في جدالهم، وأن المنهج الذي يصلح لذلك هو المنهج الطبيعي العقلي والذي سيصبح من أهم المذاهب الكلامية من الناحية الخالصة فهو أكثر المذاهب إغراقا وتعلقًا بالمذهب العقلي.
وأصحاب هذا الاتجاه يؤكدون أن الخلاف الذي اعتزل بسببه واصل بن عطاء حلقة استاذه الحسن هو الخلاف حول مرتكب الكبيرة، وأن هذا الخلاف يمتد إلى بداية نشأة حركة الخوارج، وإن أطلقوا عليه "الإمام الجائر" لا "مرتكب الكبيرة" ولقد كان الخوارج واضحين ومتسقين مع نزوعهم الثوري، فذهبوا إلى تكفير كل من خالفهم، وذهبوا إلى ضرورة الخروج على الإمام الجائر ومحاربته بالسيف، وفي الجانب الآخر كان المرجئة يحكمون على مرتكب الكبيرة "بالإيمان" وذلك تأسيسًا على تعريفهم للإيمان وقد انشغل الشيعة، الغالية منهم والإمامية، بقضية الإمامة دون غيرها من القضايا.
الحسن البصري
الحسن البصري
أما الحسن البصري فقد تحرج في تكفير من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، كما أنه من جانب آخر لم يكن يستطيع أن يفصل الإيمان عن العمل كما فعلت المرجئة، ولذلك انتهى إلى أن مرتكب الكبيرة منافق، ليس كافرًا وليس مؤمنًا.
ومما يرتبط بهذا الخلاف أن الحكم على عثمان وعلي وطلحة والزبير كان جزءًا من الخلاف بين الفرق والاتجاهات المختلفة، ولقد امتحن الخوارج عبد الله بن الزبير وحين خالفهم لم يحاربوا معه، وكذلك امتحن زيد بن علي اصحابه في هذه القضية، وانفضوا عنه حين رفض الخوض في ابي بكر وعمر. وليس ببعيد عنا امتحان الحجاج بن يوسف للحسن البصري حين سأله عن عثمان وعلي.
فالخلاف حول قضايا مرتكب الكبيرة والحكم على المتنازعين لم يكن مجرد خلاف فقهي وان بدا كذلك على يد الحسن وتلميذه واصل، ومرد ذلك إلى الضغوط التي تعرض لها الحسن على يد الحجاج، وهي ضغوط جعلته في كثير من الأحيان يلجأ للتقية والمداراة.
وإذا كان واصل قد ذهب إلى أن مرتكب الكبيرة فاسق في منزلة بين المنزلتين فإنه لم يخرج على الإجماع كما ذهب خصوم المعتزلة، فـ"واصل" يتفق مع الخوارج في خلود مرتكب الكبيرة في النار، ويشترط عدم التوبة، وهو شرط لا يجعله مخالفا لهم وسلوك الخوارج العملي في استتابة مخالفيهم يؤكد الاتفاق بينهم وبين واصل في هذه النقطة. وهو لم يتفق مع المرجئة الذين يجعلونه مؤمنا ويفتحون أمامه باب الأمل في رحمة الله الواسعة وأن الخلاف مع أستاذه هو فقط خلاف في التسمية.
ولم يكن واصل بن عطاء بعيدا عن جو الخلاف الشيعي حيث تؤكد مصادر كثيرة أن "واصل" و"عمرو" أخذا عن عبد الله بن محمد، وعبد الله أخذ عن أبيه محمد ابن الحنفية (النكت في إعجاز القرآن ص 81) ويبدو أن واصل بن عطاء كان على رأي زيد بن علي في الخروج مع عبد الله بن الزبير حتى اتهمه جعفر بن محمد الصادق بأنه أتى أمر يفرق الكلمة ويطعن به على الأئمة. وكان رد واصل على هذا الاتهام في حضور زيد بن علي وغيره من آل البيت: "يا جعفر يا ابن الأئمة شَغلك حب الدنيا فأصبحت بها كلفا" (السابق) ونستنبط من الاتهام والرد معا أن الخلاف بين واصل وبين جعفر لم يكن حول قضية من قضايا الفكر الاعتزالي الشهير، وأغلب الظن أن هذا الخلاف كان حول مشروعية الخروج وشهر السيف ضد الخليفة الأموي، وهو أمر لم يكن يراه جعفر بن محمد، وكان يراه زيد بن علي والذي أيده واصل. وإذا كانت ثورة زيد بن علي قد أمكن القضاء عليها، فإن العلاقة بين المعتزلة والثورات الزيدية التالية ظلت قائمة، حتى مع انتهاء الخلافة الأموية وقيام دولة بني العباس.

مذهب المعتزلة

مذهب المعتزلة
حين العودة إلى كتب المعتزلة نجدهم يُجمعون على القول بأصول خمسة وهذه الأصول هي:
  1- التوحيد
  2- العدل
  3- الوعد والوعيد
  4- المنزلة بين المنزلتين
  5- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
والقارئ لكتب المعتزلة يلاحظ أن الأصلين الرئيسين هما (التوحيد، والعدل)؛ ولهذا فإن القاضي عبد الجبار في كتابه "المغني في أصول الدين" جعلهما أصول الدين. ولكنه في "مختصر الحسنى" قال: "إن أصول الدين أربعة: التوحيد والعدل والنبوات والشرائع، وجعل ما عدا ذلك من الوعد والوعيد والأسماء والأحكام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دخلا في الشرائع"؛ ذلك أنه في "المُغني" أرجع النبوات والشرائع إلى أصل العدل "لأنه كلام في أنه تعالى إذا علم أن إصلاحنا في بعثه للرسل، وأن نتعبد بالشريعة- وجب أن يبعث ونتعبد، وكذلك "الوعد والوعيد" داخل في العدل؛ لأنه كلام في أنه تعالى إذا وعد المطيعين بالثواب وتوعد العصاة بالعقاب، فلا بد أن يفعل ولا يخلف في وعده ولا في وعيده، ومن العدل أن لا يخلف ولا يكذب، وكذلك "المنزلة بين المنزلتين" داخل في باب العدل، لأنه كلام في أن الله تعالى إذا علم أن صلاحنا في أن يتعبدنا بإجراء أسماء وأحكام على المكلفين وجب أن يتعبدنا به، وكذا الكلام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر". (شرح الأصول الخمسة).
القاضي عبد الجبار
القاضي عبد الجبار
وقد تساءل القاضي عبد الجبار عن السبب في الاقتصار على الأصول الخمسة، وأجاب بأن قال: "لا خلاف أن المخالفين لنا لا يعدون أحد هذه الأصول. ألا ترى أن خلاف الملحدة والمعطلة، والدهرية، والمشبهة – قد دخل في التوحيد – وخلاف المجبرة بأسرهم دخل في باب العدل – وخلاف المرجئة داخل في باب الوعد والوعيد – وخلاف الخوارج داخل تحت المنزلة بين المنزلتين وخلاف الإمامية داخل في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".
ويرى القاضي عبد الجبار – وهو رأي المعتزلة بعامة – أن المخالف في هذه الأصول الخمسة إما كافر، أو فاسق، أو مخطئ: "فمن خالف التوحيد، ونفى عن الله تعالى ما يجب إثباته، وأثبت ما يجب نفيه عنه فإنه يكون كافر، وأما من خالف العدل، وأضاف إلى الله تعالى القبائح كلها: من الظلم، والكذب، وإظهار المعجزات على الكاذبين، وتعذيب أطفال المشركين بذنوب آبائهم، والإخلال بالواجب، فإنه يكفر أيضا، وأما من خالف الوعد والوعيد، وقال إنه سبحانه وتعالى ما وعد المطيعين بالثواب، ولا توعد العاصين بالعقاب البتة، فإنه يكون كافرا، لأنه رد ما هو معلوم ضرورة من دين النبي صلى الله عليه وسلم، والراد لما هذا حاله يكون كافرا. وكذلك لو قال إنه تعالى وعد وتوعد، لكن يجوز أن يخلف في وعيده لأن الخلف في الوعيد كرم، فإنه يكون كافرا، لإضافة القبيح إلى الله تعالى، فإن قال: إن الله تعالى وعد وتوعد، ولا يجوز أن يخلف وعده ووعيده، ولكن يجوز أن يكون في عمومات الوعيد شرط أو استثناء ولم يبينه الله تعالي، فإنه يكون مخطئا. وأما من خالف في المنزلة بين المنزلتين فقال: أن حكم صاحب الكبيرة حكم عبدة الأوثان والمجوس وغيرهم فإنه يكون كافرا؛ لأنا نعلم خلافه من دين محمد صلى الله عليه وسلم ضرورة، فإن قال: حكمه حكم المؤمنين في التعظيم والموالاة في الله تعالى، فإنه يكون فاسقا؛ لأنه خرق إجماعا مصرحا به، على معنى أنه أنكر ما يعلم بالضرورة من دين الأمة. فإن قال: ليس حكمه حكم المؤمن ولا حكم الكافر ولكن أسميه مؤمنا، فإنه يكون مخطئا.
وأما من خالف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصلا، وقال: إن الله تعالى لم يكلف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصلا، فإنه كافر؛ لأنه رد ما هو معلوم ضرورة من دين محمد صلى الله عليه وسلم. فإن قال: إن ذلك مما ورد التكليف، ولكنه مشروط بوجود الإمام، فإنه يكون مخطئا".

ما اتفق عليه المعتزلة

ما اتفق عليه المعتزلة
كثيرة هي النقاط التي اتفق عليها المعتزلة في تاريخهم الطويل وطبقاتهم الكثيرة، وتورد كتب الفرق بيانا لما اتفقت فيه المعتزلة ولنأخذ مثالا الشهرستاني في كتابه الملل والنحل حيث يقول: والذي يعم طائفة المعتزلة عن الاعتقاد:
1- القول بأن الله تعالى قديم، والقدم أخص وصف ذاته، ونفوا الصفات القديمة أصلا، فقالوا: هو عالم بذاته، حي بذاته – لا بعلم وقدرة وحياة هو عالم بذاته، ومعان قائمة؛ لأنه لو شاركته الصفات في القدم – الذي هو أخص الوصف – لشاركته في الإلهية.
2- واتفقوا على كلامه محدث مخلوق في محل، وهو حرف وصوت كتب أمثاله في المصاحف حكاية عنه. فأيما وجد في المحل عرض فقد فني في الحال.
3- واتفقوا على أن الإرادة والسمع والبصر ليست معاني قائمة بذاته، لكن اختلفوا في وجوه وجودها ومحامل معانيها.
4- واتفقوا على نفس رؤية الله تعالى بالإبصار في دار القرار، ونفي التشبيه عنه من كل وجه: جهة ومكانا وصورة وتحيزا وانتقالا وزوالا، وأوجبوا تأويل الآيات المتشابهة فيها، وسموا هذا النمط توحيدا.
5- اتفقوا على أن العبد قادر خالق لأفعاله: خيرها وشرها، مستحق على ما يفعله ثوابا وعقابا في الدار الآخرة، والرب تعالى منزه أن يضاف إليه شر وظلم وفعل هو كفر ومعصية؛ لأنه لو خلق الظلم كان ظالما، كما لو خلق العدل كان عادلا.
6- واتفقوا على أن الحكيم لا يفعل إلا الصلاح والخير، ويجب من حيث الحكمة رعاية مصالح العباد، وأما الأصلح واللطف ففي وجوبه خلاف عندهم، وسموا هذا النمط عدلا.
7- واتفقوا على أن المؤمن إذا خرج من الدنيا على طاعة وتوبة استحق الثواب والعوض، والتفضل معنى آخر وراء الثواب. وإذا خرج من غير توبة عن كبيرة ارتكبها استحق الخلود في النار، لكن يكون عقابه أخف من عقاب الكافر، وسموا هذا النمط وعدا ووعيدا.
8- واتفقوا على أن أصول المعرفة وشكر النعمة واجب قبل ورود السمع، والحسن والقبيح يجب معرفتهما بالعقل، واعتناق الحسن واجتناب القبيح واجب كذلك، وورود التكاليف ألطاف للباري تعالى أرسلها إلى العباد بتوسط الأنبياء- عليهم السلام- امتحانا واختبارا.
9- واختلفوا في الأمانة والقول فيها نصا، واختيارا.
يتفق مع قول الشهرستاني الكثير من العلماء الذين تحدثوا عن الفرق بين الفرق كالبغدادي وابن حزم. ويلخص أحمد بن يحيى بن المرتضى في كتابه "المنية والأمل" في شرح كتاب الملل والنحل ما أجمعت عليه المعتزلة فيقول: "أجمعت المعتزلة على أن للعالم محدثا قديما قادرا عالميا حيا لمعان، ليس بجسم ولا عرض ولا جوهر، غنيا واحدا لا يدرك بحاسة، عدلا حكيما، ولا يفعل القبيح ولا يريده، كلف تعويضا للثواب، ومكن من الفعل وأزاح العلة، ولا بد من الجزاء، وعلى وجوب البعثة حيث حسنت، ولا بد للرسول (صلى الله عليه وسلم) من شرع جديد، أو فائدة لم تحصل من غيره، وأن آخر الأنبياء محمد (صلى الله عليه وسلم) والقرآن معجزة له، وأن الإيمان قول ومعرفة وعمل، وأن المؤمن من أهل الجنة. وأجمعوا على المنزلة بين المنزلتين وهو أن الفاسق لا يسمى مؤمنا ولا كافرا، إلا من يقول بالإرجاء: فإنه يخالف في تفسير الإيمان، وفي المنزلة فيقول: الفاسق يسمى مؤمنا. وأجمعوا أن فعل العبد غير مخلوق فيه، وأجمعوا على تولي الصحابة، واختلفوا في عثمان بعد الأحداث التي أحدثها، فأكثرهم تولاه وتأول له، وأكثرهم على البراءة من معاوية وعمرو بن العاص، وأجمعوا على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

نظرية الحكم عند المعتزلة

نظرية الحكم عند المعتزلة
إن المعادلة السياسية عند المعتزلة ترتبط ارتباطا وثيقا بأصولهم الفكرية الخمسة بقدر ما تنطوي أيضا على محاولة العودة للقواعد التأسيسية لنموذج الدولة في الإسلام من حيث اختيار الإمام، وطبيعة العلاقة بين الإمام والرعية، وحق هذه الرعية في عزله ومحاسبته أو الثورة عليه أن أحدث أمرا أو حدث له أمر لتطهير ما آمنوا به، مما طرأ عليه من ثغرات خرجت به عن أصوله الأولى. فكانت تلك المعادلة السياسية عند المعتزلة:
1- وجوب الإمامة: حيث اتفق المعتزلة على وجوب الإمامة في المجتمع الإنساني لأن الإنسان في رأيهم كائن اجتماعي مدني، ونتيجة لذلك فإنه عرضة للمطامع والاهواء ونوازع الشر مما يجعله في حاجة إلى الحكام لإقامة العدل بين الناس (رسائل الجاحظ – تحقيق عبد السلام هارون ج 1 ص 161)، إلا أن وجوب قيام الإمام في رأي المعتزلة ليس وجوبا شرعيا إذا ما امتنعت الأمة عن إنفاذه استحقت اللوم أو العقاب. بل إن وجوبه نابع من حاجة المجتمع إليه وتحقيقا للمصلحة المدنية بحكم ضرورة هذه السلطة لإقامة العدل، وذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك عندما قالوا: إن قيام العدل بين الناس وتناصفهم وانتفاء المظالم بينهم ينفي ضرورة ودواعي قيام السلطة الحاكمة.. (الشهرستاني – الملل والنحل ج 4 ص 87).
المعتزلة.. قضايا
2- اختيار الإمام: يتفق المعتزلة على أن اختيار الإمام وتنصيبه يكون بالاختيار والعقد والبيعة له من الأمة، وبذلك فإنهم يمنحون الأمة (أو يعيدون إليها) حقها في اختيار أئمتها ولا يعترفون بطريق آخر غير الاختيار والبيعة لتنصيب الإمام، وانطلاقا من تبنيهم لمبدأ الشورى والاختيار، أعلن المعتزلة معارضتهم لفكرة تنصيب الإمام بـ (النص أو الوصية أو التعيين) بنفس القدر الذي رفضوا به وعارضوا آراء من (أجازوا إمامة المتغلب على السلطة أو المغتصب لمنصب الإمام) (محمد عمارة – المعتزلة ومشكلة الحرية الإنسانية ص 190)، وتأسيسا على ذلك اتفقوا على رفض (الميراث) كسبب وأسلوب لتولي الإمامة؛ لأن الميراث إنما يستند إلى عامل القرابة الذي لا يمنح لمن يجوزه حقا يميزه عن غيره من المسلمين فيجعله جديرا بالإمامة دونهم (القاضي عبد الجبار – المغني – ج20 ص 191)، وبذلك يكون المعتزلة، ما بينهم من اختلافات في بعض التفاصيل، قد اتفقوا على تبني مبدأ الشورى والاختيار الحر العام للإمام ورفض مبادئ الوصية أو التعيين أو الغلبة أو الميراث كطرق للوصول إلى الإمامة، معتبرين أن الأساليب التي ترفض الشورى والاختيار أساسا لتعيين الإمام هي محاولة لسلب حرية الإنسان وامتهان لدوره في واحدة من أهم شئون حياته، واعتبر المعتزلة أن اختيار الإمام ذو الكفاءة والأهلية لإشغال هذا المنصب، إنما هو واجب الخاصة دون العامة، وما يميز الخاصة هنا هو جملة من شروط تتصل بالفكر والرأي والمعرفة والسلوك، أي أن الخاصة هم من يحسنون معرفة الإمامة ومهامها، والإمام وشروطه والاختيار ومداخله، وهؤلاء الخاصة هم الذين يسمون أيضا أهل الاختيار أو أهل الحل والعقد (محمد عمارة – المعتزلة وأصول الحكم ط بيروت، المؤسسة العربية للدراسات 1984 ص 123-145) وهم يرون أن اختيار الإمام ومبايعته وتنصيبه إنما هو تعاقد بين طرفين، الأول منهما هو أهل الحل والعقد بوصفهم ممثلين للأمة أو نواب عنها وناطقين باسمها ولمصلحتها، أما الثاني فهو الإمام، وبذلك تكتمل لهذه المهمة مقومات العقد بين طرفين متساويين متكافئين (القاضي عبد الجبار- مصدر سابق ص 251-270) وبحكم طبيعة هذا العقد، فقد أقر المعتزلة للأمة بحقها الدائم في الرقابة على الإمام والأخذ على يده تنبيها له وردا على باطله.
3- الثورة على الحاكم (الإمام): يرتبط الموقف من الثورة في فكر المعتزلة بواحد من أصولهم العقائدية وهو (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، فما دامت الأمة عندهم هي التي اختارت الإمام وتعاقدت معه عبر ممثليها أو نوابها من أهل الحل والعقد. فهي وحدها إذا صاحبة الحق في خلع الإمام إذا ما أحدث أمرا أو حدث له أمر يوجب خلعه، وبذلك فقد جعل المعتزلة خلع الإمام حقا من حقوق الأمة؛ لأن اختياره يستند إلى إجماعها الذي يكسبها الحق في خلعه كما كان لها الحق في تنصيبه.
فالإمامة عند المعتزلة عقد يجوز فسخه إذا ما فقد أطرافه شرطا أو عنصرا من شروطه أو عناصره الأساسية أو أخل أحد الأطراف بشروط التعاقد وخرج عنها، واعتبروا (فسق) الإمام سببا كافيا يجيز للأمة خلعه، بل إنهم جعلوا الخروج على أئمة الضلال وولاة الجور أمرا واجبا، ورأوا وجوب نصرة الخارجين عليهم فلا يحل لمسلم أن يخلي أئمة الجور إذا ما وجد أعوانا وغلب في ظنه أنه يتمكن من منعهم من الجور (القاضي عبد الجبار- سابق ص 574،575)، يعكس هذا الموقف وجهة نظر المعتزلة المتفقة خطوطها العامة على حرية الإنسان وقدرته على اختيار أفعاله ومن ثم مسئوليته عنها وتحمله لعواقبها خيرا وشرا، ويستتبع ذلك أن يكون الإمام قادرا على أفعاله متحملا لمسئوليتها والرعية قادرة على أفعالها مسئولة عنها.
وقد رأى المعتزلة أن الخروج على الإمام الظالم ومقاتلته أمر واجب على المسلمين واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى}، وقوله: {وقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله}. 

شروط الخروج على الإمام والثورة عليه

تتمثل شروط الثورة على الإمام عند المعتزلة في:
  1- بغي الإمام (الخليفة/الملك) وطغيانه وظلمه.
  2- وجود جماعة تجد في نفسها القدرة على قتال الإمام الباغي .
  3- عقد الجماعة البيعة لامام ترتضيه.
  4- مقاتلة الجماعة للإمام الباغي بقصد إزالته وأخذ الناس بالانقياد لقولهم.
بذلك فإنهم لم يوجبوا فقط القيام بثورة ضد الإمام الباغي بل حددوا أيضا الأساليب والأسباب والشروط الموجبة لثورتهم.

المعتزلة والفلسفة اليونانية

في آخر العصر الأموي وبداية العصر العباسي تواردت على العقل العربي الفلسفة الهندية والفلسفة اليونانية، عن طريق الفرس؛ لأن الثقافة الفارسية قبيل الإسلام كانت متأثرة بالفلسفة اليونانية، كما جاءت عن طريق السريان، لأنهم قد ورثوا الفلسفة اليونانية، وألبسوها لباسهم الديني، ومسوحهم اللاهوتية، عن طريق اليونانيين أنفسهم؛ لأن بعض الموالي من المسلمين كان يجيد اليونانية.
وقد تأثر المعتزلة بهذه الفلسفة في آرائهم، وأخذوا عنها كثيرا في استدلالهم فظهرت في أدلتهم ومقدمات أقيستهم.
وقد دفعهم إلى دراسة هذه الفلسفة أمران:
1- أنهم وجدوا فيها ما يرضي نهمهم العقلي وشغفهم الفكري، وجعلوا فيها مرانا عقليا جعلهم يلحنون بالحجة في القوة.
2- أن الفلاسفة وغيرهم لما هاجموا بعض المبادئ الإسلامية، تصدى للرد عليهم، واستخدموا بعض طرقهم في النظر والجدل، وتعلموا كثيرا منها ليستطيعوا أن ينالوا الفوز عليهم، فكانوا بحق فلاسفة المسلمين.

دفاع المعتزلة عن الإسلام

دخل الإسلام طوائف كثيرة من المجوس واليهود والنصارى وغير هؤلاء، ورءوسهم ممتلئة بكل ما في هذه الأديان من تعاليم جرت في نفوسهم مجرى الدم، ومنهم من كان يظهر الإسلام ويبطن غيره، إما خوفا ورهبة، أو رجاء نفع دنيوي، وإما بقصد الفساد والإفساد، وتضليل المسلمين، وقد أخذ ذلك الفريق ينشر بين المسلمين ما يشككهم في عقائدهم، وظهر ثمار غرسهم في فرق هادمة للإسلام تحمل اسمه ظاهرا وهي معاول هدمه في الحقيقة، فظهرت "المجسمة" و"الرافضة" التي تقول بحلول الإله في جسم بعض الأئمة، و"الزنادقة". وقد تصدى للدفاع عن الإسلام أمام هؤلاء فرقة درست المعقول وفهمت المنقول، فكانت المعتزلة، تجردوا للدفاع عن الدين، وما كانت الأصول الخمسة التي تضافروا على تأييدها، وتأزروا على نصرها إلا وليدة المناقشات الحادة التي كانت تقوم بينهم وبين مخالفيهم. والتوحيد الذي اعتقدوه على الشكل الذي أسلفنا كان للرد على المشبهة والمجسمة، والعدل كان للرد على الجهمية. والوعد كان للرد على المرجئة، والمنزلة بين المنزلتين ردوا بها على المرجئة والخوارج.
وفي عهد المهدي ظهر "المقنع الخراساني" وكان يقول بتناسخ الأرواح واستغوى طائفة من الناس وسار إلى ما وراء النهر. فلاقى "المهدي" عناء في التغلب عليه. ولذلك أغوى بالزندقة والزنادقة، فكان يتعقبهم ليقضي عليهم بسيف السلطان، ولكن السيف لا يقضي على رأي، ولا يميت مذهبا؛ ولذلك شجع المعتزلة وغيرهم للرد على الزنادقة وأخذهم بالحجة، وكشف شبهاتهم وفضح ضلالاتهم، فمضوا في ذلك.
يمكننا أن نلخّص الخدمات التي قدّمها المعتزلة إلى الفكر والحضارة الإسلامية، والتأثيرات التي تركوها بالنقاط التالية:
١- أنّهم أسهموا بشكل فاعل في نقل التراث والثقافة اليونانية في جانبها الفلسفي والعقلي إلى الحضارة الإسلامية، وذلك من خلال اطلاعهم على تلك الثقافة، وتمثّلهم لمعطياتها العقلية والفلسفية .
٢- وكان لهم الفضل الأكبر في الجمع بين الدين والفلسفة، بينما كان معارضوهم يرون في النزعة الفلسفية نوعاً من الزندقة والإلحاد والخروج عن قواعد الدين.
٣- وبفضل تسلّح المعتزلة بسلاح الفلسفة، والمنطق، وعلم الكلام، وأساليب الجدال والمناظرة فإنهم قد أدّوا دوراً كبيراً وبارزاً في الدفاع عن العقيدة الإسلامية إزاء المعتقدات والديانات الأخرى السماوية المحرّفة منها كالمسيحية واليهودية، والمشركة والإلحادية كالمجوسية، والثنوية، والمانويّة، وقد تمثّل هذا الدور إما في مناقشة وإبطال حجج أصحاب تلك المعتقدات والديانات أو في دعوة غير المسلمين الطالبين للحقيقة إلى الإيمان بالعقيدة الإسلامية.
٤- وأخيراً، فقد أرسى المعتزلة دعائم حركة عقليّة واسعة كان لها أكبر الأثر في صياغة الحضارة الإسلامية؛ نظراً إلى أن مذهبهم كان يقوم في الأساس على احترام العقل وتمجيده، والتعويل عليه في استنباط واستنتاج الكثير من الأحكام الشرعية من جهة، وأساليب التفكير السليم من جهة أخرى.
المعتزلة.. قضايا
يقول جولد تسيهر في هذا الصدد: "نحن لا نستطيع نكران أنه كان لنشاط المعتزلة نتيجة نافعة، فقد ساعدوا في جعل العقل ذا قيمة حتى في مسألة الإيمان، وهذا هو الفضل الذي لا يجحد والذي له اعتباره وقيمته، والذي جعل لهم مكاناً في تاريخ الدين والثقافة الإسلامية" .
وعلى أثر اعتماد المعتزلة على العقل كمرجع أساس في استنباطاتهم، وتقريراتهم، ونتيجة لعدم جمودهم على النصوص، وتعبّدهم بها بشكل مبالغ فيه، فقد كان لهم دور كبير في إشاعة أجواء حريّة التفكير، والعقل، ونحن نلاحظ هذا الاتجاه بشكل واضح في عصر المأمون، وفي القرن الرابع الهجري.
وقد بلغت هذه النهضة العقلية الجديدة التي أرسى المعتزلة دعائمه أحداً من العمق والتأثير والاتّساع بحيث أنها تركت آثارها حتى على أهل الحديث أنفسهم، وتجلّى هذا التأثير بشكل خاص لدى الأشاعرة رغم عدائهم للمعتزلة، وحربهم الفكرية ضدّهم، وانضمام الكثير من أهل الحديث إلى صفوفهم، فقد آمنوا مع المعتزلة بأنّ البرهان المؤسس على العناصر النقلية لا يعطينا أيّ يقين، وكانوا في بحوثهم الكلامية متأثرين بالمعتزلة إلى حدّ كبير.
لعبت المعتزلة دورا رئيسيا ومهما في رحلة تطور الفكر الإسلامي على مر التاريخ. ونظرة سريعة إلى معتقدات الفرق والمدارس المختلفة في مجال العقيدة ترينا الآثار والبصمات التي تركها عظماء المعتزلة على معظم هذه الفرق والمدارس. وقد لاحظ ذلك نيكلسون في كتابه عن تاريخ الآداب العربية، حيث يقول: "إن المعتزلة قد رفعت بطريقة غير مباشرة الفكر الإسلامي إلى درجة تستحق الاعتبار". وامتدح دورهم الإمام أبو زهرة في كتابه تاريخ المذاهب الإسلامية، حيث يقول: "إن هؤلاء ( المعتزلة) يعدون فلاسفة الإسلام حقا". وحتى جولد تسيهر قد اعترف في كتابه العقيدة والشريعة بتأثير المعتزلة العظيم على الفكر العربي، قائلا: "نحن لا نستطيع نكران أنه كان لنشاط المعتزلة نتيجة نافعة. فقد ساعدوا في جعل العقل ذا قيمة، حتى في مسألة الإيمان. وهذا هو الفضل الذي لا يجحد، والذي له اعتباره وقيمته، والذي جعل لهم مكانا في تاريخ الدين والثقافة الإسلامية. ثم إنه برغم كل الصعوبات التي أثارها مذهبهم، وكل ما أنكروه على خصومهم، فإن حق العقل قد انتصر على إثر كفاحهم بنسبة صغيرة أو كبيرة، حتى في الإسلام السني، ولم يكن هينا بعد هذا إبعاده تماما". أما العالم المصري أحمد أمين، فيقول: "وكان للمعتزلة الفضل الأكبر في علم الكلام، لأنهم كانوا أكبر المدافعين عن الإسلام ضد ما كان يثيره اليهود والنصارى من هبوب. حتى لقد كانوا فيما روي يرسلون أتباعهم الكثيرين إلى البلدان الأخرى لرد هذا الهجوم ردا عقليا". وهو يأسف على زوال المعتزلة، حيث يقول: "في رأيي أن من أكبر مصائب المسلمين موت المعتزلة، وعلى أنفسهم جنوا".
وحتى الذين هاجموا المعتزلة بشدة، وكفروهم، ونسبوهم إلى الزندقة والإلحاد، فإنهم مدينون للمعتزلة بشهرتهم؛ لأن المعتزلة هم الذين وضعوا أسس علم الكلام، وبحثوا في موضوعات ومسائل لم يسبقهم إليها أحد؛ فلولا أنهم أبدعوا وألفوا المصنفات المختلفة، وبحثوا في مسائل علم الكلام، لما وجد من هاجمهم شيئا يبحث فيه، وينقده. ومن ينكر أنه لولا ظهور المعتزلة، لما سمعنا عن شخصيات كبيرة في الإسلام اليوم، مثل أحمد بن حنبل، والأشعري، والباقلاني، والبغدادي، والجويني، والغزالي، بل وابن الريوندي. 
إن موقف كل هذه الشخصيات المعروفة في تاريخ الإسلام من المعتزلة هو موقف الناقد من الكاتب المبدع. لقد أبدع مفكرو المعتزلة، وأثروا الثقافة الإسلامية بكتاباتهم، وتصانيفهم العديدة، وأخطأوا قليلا، ولكنهم أصابوا كثيرا فيما ذهبوا إليه. أما ابن حنبل، والأشعري، والباقلاني، والبغدادي، والجويني، والغزالي، وابن الريوندي، فقد كانوا نقادا أكثر منهم كتابا مبدعين. وليس يشك أحد في أن مرتبة الأصالة والإبداع أرفع وأسمى من مرتبة النقد والتجريح. يقول المستشرق السويدي نيبرج: "… ولو لم تكن المعتزلة مهدت الطريق، لما كان لأهل السنة تقدم في هذا الفن، مثل تقدمهم. ثم نريد أن نشير إلى شيء آخر، وهو أن قوما هذا شأنهم وموقفهم إزاء أعداء كثيرين، ونحل مختلفة متدربة على المناظرة به، لا بد وأن يكون في أسلوبهم شيء من الضعف والتردد، والعدول عن سواء السبيل. إذ من نازل عدوا عظيما في معركته، فهو مربوط به، مقيد بشروط القتال، وتقلب أحواله، ويلزم أن يلاحق عدوه في حركاته وسكناته، وقيامه وقعوده، وربما تؤثر فيه روح العدو وحيلته. كذلك في معركة الأفكار أيضا".

طريقة المعتزلة في الاستدلال على العقائد

طريقة المعتزلة في
كانوا يعتمدون – في الاستدلال لإثبات العقائد – على القضايا العقلية إلا فيما يعرف إلا بالعقل، وكانت ثقتهم بالعقل، لا يحدها إلا احترامهم لأوامر الشرع. فكل مسألة من مسائلهم يعرضونها على العقل، فما قبله أقروه وما رفضه رفضوه، وقد سرى إليهم ذلك النحو من البحث العقلي:
1- وجودهم في العراق وفارس، وقد كانت تتجاوب فيهما أصداء لمدنيات وحضارات قديمة.
2- سلالتهم غير العربية إذ كان أكثرهم من الموالي.
3- سريان كثير من آراء الفلاسفة الأقدمين إليهم لاختلاطهم بكثير من اليهود والنصارى وغيرهم، ممن كانوا حملة هذه الأفكار ونقلها إلى العربية.
وكان من آثار اعتمادهم المطلق على العقل أنهم كانوا يحكمون بحسن الأشياء وقبحها عقلا، وكانوا يقولون: "المعارف كلها معقولة بالعقل واجبة بنظر العقل، وشكر المنعم واجب قبل ورود السمع، والحسن والقبح صفتان ذاتيتان للحسن والقبح" (الملل والنحل للشهرستاني، ج1 ص38 دار الكتب العلمية بيروت).
ولقد قال الجبائي من شيوخ المعتزلة: "كل معصية كان يجوز أن يأمر الله – سبحانه – بها فهي قبيحة للنهي، وكل معصية لا يجوز أن يبيحها الله – سبحانه – فهي قبيحة لنفسها كالجهل به والاعتقاد بخلافه، وكذلك كل ما جاز إلا أن يأمر الله – سبحانه – به فهو حسن للأمر به، وكل ما لم يجز إلا أن يأمر الله به فهو حسن لنفسه" (مقالات الإسلاميين)، وقد بنوا على هذا ما قرروه من أن فعل الصلاح والأصلح واجب لله – تعالى – إذ أنه ما دام في الاشياء حسن ذاتي وقبح ذاتي، فمستحيل أن يأمر الله – سبحانه وتعالي – بفعل ما هو قبيح لذاته، وينهي عن فعل ما هو حسن لذاته، وأن الله – سبحانه – لا يترك الأمر الحسن لذاته، وأن ذلك ما يسمى فعل الصلاح، وقد قرر ذلك المبدأ جمهورهم، فالصلاح واجب له، ولا شيء يفعله جلت قدرته إلا وهو صالح، ويستحيل عليه – سبحانه – أن يفعل غير الصالح.

مناصرة بني العباس لهم

كما تقدم فقد ظهر المعتزلة في أواخر العصر الأموي ولم يجدوا منهم معارضة؛ لأن المعتزلة لم يثيروا شغبا عليهم ولا حربا، إذ إنهم كانوا فرقة لا عمل لها إلا الفكر وقرع الحجة بالحجة، ووزن الأمور بمقاييسها الصحيحة، ومع أن الأمويون لم يعارضوهم فهم أيضا لم يعاونوهم.
ولما جاءت الدولة العباسية قد كثر الإلحاد والزندقة فوجد خلفاء بني العباس في المعتزلة سيفا مسلولا على الزندقة، فشجعوهم على الاستمرار في نهجهم، فلما جاء المأمون، (وقد كان يعتبر نفسه معتزليا) شايعهم وقربهم منه، وجعل منهم حجابه ووزراءه، وكان يعقد المناظرات بينهم وبين الفقهاء لينتهوا إلى رأي متفق، واستمر على ذلك حتى سنة 218 هـ وهي السنة التي توفي فيها، انتقل من المناظرات العلمية إلى التهديد وإنزال العقاب، وذلك براي وتدبير وزيره وكاتبه أحمد بن أبي دؤاد المعتزلي، وإنها لسقطة ما كان لمثل المأمون أن يرضى بأن تقع في عهده، فقد كانت فيه المحاولة بالقوة لحمل الفقهاء والمحدثين على رأي المعتزلة. وما كانت قوة الحكم لنصر الآراء وحمل الناس على غير ما يعتقدون، وإذا كان من المحرم الإكراه في الدين، فكيف يحمل الناس على عقيدة ليس في مخالفتها انحراف على الدين، لقد حاول أن يحمل الفقهاء على القول بأن القرآن مخلوق، فأجابه البعض إلى رغبته تقية ورهبا لا ايمانا واعتقادا. وتحمل آخرون العنت والإرهاق والسجن الطويل، ولم يقولوا غير ما يعتقدون، واستمرت تلك الفتنة طول مدة المعتصم والواثق، وذلك لوصية المأمون بذلك، وزاد الواثق، الإكراه على نفي الرؤية كرأي المعتزلة. ولما جاء المتوكل رفع هذه المحنة، وترك الأمور تأخذ سيرها، والآراء تجري في مجاريها، بل إنه اضطهد المعتزلة ولم ينظر إليهم نظرة راضية.

محنة خلق القرآن

كانت محاولة الخليفة العباسي المأمون في عام 218 هجري في هذه الحقبة لفرض آرائه الفلسفية حول المواضيع. وكانت تتلخص في سؤال واختبار أشخاصا بعينهم، فيما يرونه من وجهة نظرهم، حول ما إذا كان القرآن مخلوقا أم لا. وكل الطوائف أجابت أن القرآن هو الكلمة التي لم تمسها شائبة منسوبة إلى الله العلي، بما يعني أن القرآن كلام الله ولم يخلق. وكانت المسألة هل القرآن مخلوق (هذا هو موقف ورأى المأمون) أم أن القرآن هو كلام الله. وكان هذا الجواب الأخير لا يخلو من العواقب من قبل المحققين واتخذت ذرائع ضد من رفض الزعم بخلق القرآن، بما فيها الفصل من الوظيفة العمومية، والسجن، وحتى الجلد. واستمرت المحنة بعد وفاة المأمون وفي عهد خلفه المعتصم والواثق وانتهت عام 861 م بوصول حفيد المأمون، المتوكل.

الغموض وراء المحنة

وقد عدت المحنة حدثا محيرا، في التاريخ الإسلامي، وبخاصة أنها بدأت في العهد، الذي اعتبر، وكان ذو سمعة إنفتاحية للعقل، وطغيان العقلانية ,عهد الخليفة المأمون . وإن كان من المعتقد على نطاق واسع إلى أن المأمون بادر بإبراز هذا الأمر تحت تأثير شديد الارتباط بالمعتزلة إن دراسة متأنية للأحداث التاريخية, تساعد في تكشف أكثر الدوافع تعقيدا وراء الحدث. ومع دراسة التفسيرات المقترحة لدوافع المأمون للمحنة نخلص إلى أن المحنة كانت في الغالب محاولة من المأمون لتأمين كامل السيطرة من جانب الخلافة فوق المؤسسة الدينية كما فعلت بسيطرتها على السلطة العلمانية , وتلك هي النقاط الرئيسية لتلافى تأكيد أثر المعتزلة:
(1)  إن المذهب القائل بخلق القرآن ليس على سبيل الحصر معتزلي. إن الإسلام الشيعي على العموم كانوا يعتنقونه, قبل المعتزلة بوقت طويل . أيضا فإن الجهمية اعتقدوا به إضافة إلى أنهم بالتالي لجأوا إلى الدفاع عن حقوق المعتزلة الحرة، وكان ذلك على طرفي نقيض .
(2)  شملت محكمة المأمون بعضا من المعتزلة ولكن أيضا بعضا من المناوئين لهم والمفكرين والبحاث مثل بشر-المريسي , وهو جهمي. ولم يكن أي من المعتزلة يشارك بصورة مباشرة في الاستجواب عدا أحمد بن أبى دؤاد الذي حسب مصادر المعتزلة لم يظهر كونه مساهما في النظام المذهبي لمدرسة المعتزلة.
(3)  شملت محكمة المأمون علماء عدوا من "أهل السنة والجماعة " — وهو اصطلاح يستخدم للتعريف بالمسلمين ذوي المعتقد التقليدي وفيما بعد فإن عالما من مسلمي الإسلام السنة أمثال يحيى بن أختم الذي حث المأمون بالعدول عن إجازة زواج المتعة (زواج المتعة) وعن لعن الخليفة معاوية رضى الله عنه, أول خليفة أموي, على المنابر سواء الأعمال التي ترتبط بقوة بالشيعة. وفي الحالة الأخيرة، وتفيد التقارير أن يحيى قد أقنع المأمون عن طريق التأكيد على أنه، بوصفه خليفة، ينبغي أن يكون فوق المذاهب والمدارس.
(4)  أظهر المأمون نفسه، أنه في حال وضعت الدلائل التاريخية في الاعتبار، ليكون انتقائي في معتقداته. فإن بعض المعتزلة قد اتهموه بالاعتقاد في القدر المحتم غير المشروط. وهي حجة من التي يقول بها الجهمية .
(5)  مثل أعضاء مختلف المدارس، فإن علماء المعتزلة قد قسموا إلى فريقين: فريق مساهم في النظام السياسي (للمساعدة في الإصلاح أو الحد من الشرور، ناهيك عن المصالح الشخصية)، وفريق قائم على رفض الظلم ورفض إضفاء الشرعية على النظام السياسي الفاسد. ويدعو فريق فرعي ضمن المجموعة الأخيرة "المعتزلة الصوفية" الذين "رفضوا ليس فقط الدولة كحكومة مركزية، ولكن أيضا رفضوا العالم بما تعنيه، التجارة أو أي نوع من النشاط المدر للمال والربح ."
(6)  في رسائله إلى والى بغداد من أجل الشروع في أمر المحنة، عمد المأمون مقدما نفسه بوصفه ممثل الله على الأرض، ورثة نبي الإسلام، والقيم والحارس للمعتقد الإسلامي . هذا لا يعني أن المأمون قد اعتبر نفسه حائزا على السلطة التشريعية التي تحل محل المصادر الروحية الإسلامية. وذكر أنه لا يوجد أي سجل أو تقرير يشير إلى أن المأمون وضع نفسه فوق القرآن، وجميع الآيات القرآنية التي استشهد بها في أمر المحنة كان قد فسرها بمنطق غريب مع التزامه بالنص . بالإضافة إلى أنه، ليس بالضرورة أن يكون المأمون قد أراد أمرا سيكون وحده الذي يحدد العقيدة الإسلامية الصحيحة. وتقول بأن المأمون كان يفكر في طبقة النخبة من العلماء والمفكرين، وبرئاسته، لتحديد المعتقدات الإسلامية.
النقاط المذكورة أعلاه مجتمعة تثبت أن المعتزلة لم يكونوا هم المهيمنون خلال المحنة، كما هي عقيدة الدولة الرسمية . فإذا كانت المحنة لدى المأمون تعبر عن محاولته لإثبات سيطرته على السلطة الدينية والقانونية على المدى الفقهي والثقافي، وخاصة التحدي لدى الظروف التقليدية والتقليديين.
اتكأ المعتزلة على قوله تعالى: {ليس كمثله شيء} في نفي صفات الله عز وجل، فقولنا أن له سمعاً يعني مشابهة سمعه لسمع المخلوقين وهكذا في بقية الصفات.. مع أن الله تعالى يقول: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}
وبناء على ذلك . . فقولنا: إن القرآن كلام الله وليس مخلوقاً. فإننا نُشبه كلام الله بكلام المخلوقين.
وبداية الفتنة كانت مع المأمون، الذي أمر بحمل كل من لا يقول أن القرآن مخلوق، فحُمل إليه محمد بن نوح وأحمد بن حنبل، مات محمد بن نوح في الطريق، وجاء الخبر في الطريق أيضاً أن المأمون مات . .
لكن المأمون أوصى المعتصم بعدة وصايا منها، أن يسير على هذا الأمر، فحمل الإمام أحمد إلى المعتصم، وهناك جرت له مناظرات مع رجال المعتصم، فلما أعجزهم أمر المعتصم بجلد الإمام أحمد. 
استمرت المحنة إلى توفي المعتصم وجاء الواثق، لم يجلد الإمام أحمد، لكن ضيق عليه وأمر ألا يسكن في بلدة الواثق فيها، فاختفى الإمام أحمد حتى توفي الواثق .
كلف تبني الدولة العباسية قضية خلق القرآن الكثير، فكم عزل من قاض بسببها ؟ وكم حبس من محدث جراءها؟ حتى كان البعض يشي إلى الدولة بأن فلان يقول القرآن ليس مخلوقاً، أدى ذلك إلى توتر العلاقة بين الدولة وجمهور العلماء من محدثين وفقهاء ومفسرين ومن ورائهم أكثر الأمة .
إلى أن جاء المتوكل، ورفعت المحنة وأكرم الأمام أحمد، عادت الأمور إلى ما كانت عليه قبل .

• يتبع المعتزلة الجزء الثاني وفيه
• من هم المعتزلة الجدد؟
• المصطلح واستعماله
• مبررات إحياء فكر المعتزلة
• أشهر المعتزلة الجدد

شارك