عودة الى الموقع عودة رئيسية الملف
في ذكرى التأسيس السابع والثمانين لجماعة الإخوان الإرهابية، والتي أعلن تأسيسها من مدينة الإسماعيلية في 22 مارس 1928، على يد مرشدها الأول حسن البنا، وما مرت به منذ التأسيس وحتى الآن من تاريخ طويل من الإرهاب والدماء التي أُريقت في سبيل تحقيق غايتها الأولى "الاستيلاء على السلطة" في مصر وانشاء دولة الخلافة، وفي سبيل تحقيق هذه الغاية تحالفوا مع الجميع وحاربوا الجميع ايضا فقد تحالفوا مع الملك والانجليز ووقفوا امام مظاهرات المصريون السلمية في 1946 و واجهوها مع اسماعيل صدقي وقالوا عن قاتل المصريين "واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صديقا"، ليس هذا فقط بل امتلئ سجل الاخوان الارهابي بقتل الخازندار والنقراشي ومحاولة اغتيال عبد الناصر بعدما تحالفوا معه ومع الثورة، ضد الملك الذين كانوا يريديون تنصيبه خليفة للمسلمين. وتعاونهم مع السادات لضرب اليسار والناصريين في الجامعة، والانقلاب عليه بعد ذلك واغتياله، ليس هذا فقط بل شهدت ايام مبارك تناقضات لا حصر لها في الموقف الإخواني ، إلى أن جاءت اللحظة الفارقة في عمر الجماعة لحظة وصولها للسلطة في مصر والتي اقتنصوها بعد ثورة 25 يناير الا ان تناقضاتهم وكذبهم على الشعب المصري وعلى المتحالفين معهم وفشلهم في ادارة شئون البلاد داخليا وخارجيا، قد قذفت بهم بعيدا فلم يعد يتقبلهم الشارع المصري مما دعاهم إلى إعلان الحرب على المصريين عموما بعمليات ارهابية هنا وهناك، في محاولة بائسة للعودة مرة اخرى للسلطة السياسية في مصر او على اقل تقدير الوصول الى صيغة يتواجدون بها في الحياة السياسية مرة اخرى.
سوف نعرض في هذا الملف تاريخ الجماعة من البداية في 22 مارس 1928 وحتى اللحظة الراهنة.
مدخل
حسن البنا.. 
اسم فرض نفسه على العالمين العربى والإسلامى، منذ نهاية الربع الأول من القرن العشرين. 
الإخوان المسلمون.. 
من الذى لا يعرفهم ؟! 
قد تتفق معهم أو تختلف، تتعاطف أو تعارض، تراهم حلما للخلاص أو كابوسا يقود إلى الهادية، لكن أحدا لا يملك أن ينكر وجودهم وقوتهم النسبية وقدرتهم على التأثير. 
حسن البنا.. والإخوان المسلمون 
الزعيم.. والجماعة 
التأسيس.. والتطور 
كيف تكون البداية ؟ 
أهى مع ميلاد الشيخ حسن أحمد عبد الرحمن البنا، الشهير بحسن البنا، فى الثانى عشر من أكتوبر سنه 1906؟ 
أم أن البداية الحقيقية تتطلب العودة إلى ما قبل ذلك التاريخ بربع قرن؟!. 
مصرعلى مشارف القرن العشرين...اسرة البنا
والد البنا
والد البنا
ولد الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا سنة 1882 ميلادية، التى توافق سنه 1300 هجرية، وكان مولده فى قرية “,”شمشيرة“,”، التابعة لمركز “,”فوة“,”، بمديرية الغربية. قرية عادية صغيرة لا تختلف عن مئات القرى فى الدلتا، لكنها تتميز بالوقوع على ضفة النيل مباشرة، كما أن المركز الذى تتبعه: “,”فوة“,”، ذو تاريخ عريق حافل. 
فى العام نفسه، كان الزعيم الوطنى أحمد عرابى قد تعرض لهزيمة قاسية، أفضت إلى الاحتلال الانجليزي لمصر، وتعرض عرابى للمحاكمة بتهمة الخيانة العظمى، و حُكم عليه بالإعدام، قبل أن يستبدل الحكم بالنفى ومصادرة الأملاك. 
هزيمة عرابى كانت نتيجة منطقية لمواجهة قوى لا قبل له بها: الإمبراطورية التى لا تغيب عنها الشمس، الخديو محمد توفيق الذى أعلن عصيانه، والسلطان العثمانى الذى أفتى بتمرده، والخونة الذين باعوه بالثمن البخس. 
لم تكن أسرة الشيخ أحمد البنا فى القاع، فهى تملك فدادين قليلة، يزرعها الأخ الأكبر محمد، الفلاح الماهر الذى يحسن الزراعة، ويجيد التعامل مع الأراضى البور. 
لماذا تحمل الأسرة الزراعية لقب “,”البنا“,” ؟!. 
هل كان الجد الأكبر يعمل بصناعة البناء؟ 
سؤال منطقى مبرر، لكن الإجابة الحاسمة عنه ليست متاحة، وإن كان الأبن الأصغر جمال البنا يرجح اشتغال أحد الجدود الأوائل للأسرة بصنعة البناء. 
حلم غير مسار أحمد البنا!. 
رأت أمه فى منامها، وهى حامل به، أنها ستلد ذكرا أسمه أحمد، وأن هذا الطفل سيحفظ القرآن الكريم. 
من هنا جاء إصرارها على أن يتعلم فى كتاب القرية، بدلا من مساعدة أخيه الأكبر محمد فى أعمال الزراعة، ووافق الأب. 
فى الرابعة من عمره، ذهب الطفل أحمد البنا إلى “,”سيدنا“,” فى الكتاب، وتلقى دروسه الأولى على يد الشيخ الكفيف محمد أبو رفاعى. 
ما المهنة التى تناسبه بعد أن ابتعد عن عالم الزراعة، الذى يمثل النشاط الرئيسى فى القرى المصرية؟
لقد تحولت هواية أحمد البنا فى إصلاح الساعات إلى مهنة، وساعده إمام مسجد القرية، الشيخ أحمد الجارم، الذى أرشده إلى محل كبير للساعات فى الإسكندرية، يملكه الحاج محمد سلطان. 
هناك، فى الإسكندرية، يستطيع أن يعمل، وأن يستكمل فى الوقت نفسه دراسته الدينية فى جامع الشيخ إبراهيم باشا، وهو مثل الأزهر فى القاهرة. 
توجه احمد البنا إلى الإسكندرية، والتقى بالحاج محمد سلطان، وأبلغه تحيات الشيخ الجارم وتوصيته. بعدها اندمج أحمد فى مجالين: إتقان إصلاح الساعات، ومواصلة الدروس الدينية فى جامع إبراهيم باشا. 
وهو على مشارف العشرين، عاد الشيخ أحمد إلى قريته، وسرعان ما ادى امتحان القرعة العسكرية، وتم إعفاؤه من التجنيد لأنه من حفظة القرآن الكريم. 
ولأن القرى الصغيرة لا متسع فيها لمهنة مثل إصلاح الساعات، فقد اتجهت أنظار الشيخ الشاب إلى المحمودية والتى زارها مع احد أصدقائه زيارة خاطفة فاعجب بها أيما إعجاب. 
المحطة التالية فى حياة الشيخ أحمد البنا هى الزواج، وهو ما تم فى الخامس والعشرين من إبريل سنه 1904. 
بوابة الحركات الاسلامية
أم السعد.. والدة حسن البنا. 
عروس فى الخامسة عشر من عمرها، هى الأبنة الصغرى لتاجر مواشى القرية إبراهيم صقر. 
جميلة، بيضاء البشرة، متناسبة الملامح، ذكية مدبرة واعية عنيدة، ولعل هذه الصفات جميعا قد انتقلت إلى ابنها البكر، حسن البنا. 
المحمودية.. 
أخذت اسمها من اسم السلطان محمود، سلطان تركيا، عندما شق محمد على باشا ترعة تبدأ منها، وأطلق عليها ترعة المحمودية، وهى الترعة التى تزود الإسكندرية بالماء العذب. 
لم تكن المحمودية قرية صغيرة، فهى بندر نشط ملئ بالحركة والحيوية. حيث كان للبنادر شأن وتأثير آنذاك، وكانت الحياة الاجتماعية نشيطة بفضل الطبقة الوسطى، ووقودها من صغار الملاك والتجار والموظفين. 
اشترى الشيخ أحمد البنا بيتا صغيراً فى المحمودية، واشترى دكانا لإصلاح وبيع الساعات، واتسع نشاطه أيضاً ليشمل بيع أجهزة الجراموفون والأسطوانات. 
الحياة الأسرية وتجارة الساعات والأسطوانات، لم تحل دون الشيخ الشاب ومواصلة القراءة والإطلاع وتحصيل العلوم الإسلامية، وهنا يبرز اسم الشيخ محمد زهران. شيخ كفيف موفور النشاط، يصدر مجلة عنوانها “,”الإسعاد“,”، يقوم بإدارتها وتحرير معظم مادتها العلمية. 
علاقة الأستاذ بالتلميذ، انتهت إلى صداقة حميمة. أتت أكلها مع الطفل حسن البنا 
12 أكتوبر سنه 1906م 
25 شعبان 1324هـ. 
ميلاد حسن البنا.. الأبن الأكبر للشيخ أحمد. 
كيف كانت مصر فى ذلك الوقت؟ 
كان حاكم مصر الرسمى آنذاك هو الخديو عباس حلمى الثانى، و لكن القوة الحقيقية كانت بيد اللورد كرومر، ممثل دولة الاحتلال الانجليزي، والشعب غائب عن الساحة، الساحة كانت مهيأة لظهور الأحزاب بعد عام واحد من ميلاد حسن البنا. 
زعيم وطنى شاب يتسم بالرومانسية، اسمه مصطفى كامل، واتجاه أخر عقلانى يرفض الانفعال العاطفى، يمثله أحمد لطفى السيد، وثمة اتجاه ثالث يدين بالولاء للجالس على العرش. 
أغلبية طاغية من الفقراء، وأقلية ضئيلة فاحشة الثراء. النشاط الزراعى هو المهيمن، وكبار ملاك الأراضى هم أصحاب المصلحة الحقيقية والتحكم الاقتصادى، والمرأة محجوبة غائبة عن الحياة الاجتماعية، والتعليم متدهور، والأمية متفشية، والثقافة تنحصر فى الشعر، الذى يحمل رايته شاعر الأمير: أحمد شوقى، ويزاحمه شاعر النيل: حافظ إبراهيم. 
الفن الغنائى هو الأكثر انتشارا، والمسرح الغنائى يحمله الشوام المهاجرون، ونجوم المرحلة منيرة المهدية وسلامة حجازى. 
المعاناة تشتد وتزداد حدتها كل يوم، وقبل شهور قليلة من ميلاد حسن البنا كانت مأساة دنشواى، تعبيرا عن الهوان الذى يعانيه المصريون فى ظل الاحتلال والقهر. 
كانت مصر تتهيأ للاستيقاظ من السبات الطويل الذى حل بها بعد صدمة الاحتلال، وكانت الجامعة الإسلامية حلما يراود الكثيرين، لكن معطيات الواقع تصدمهم فدولة الخلافة الإسلامية أضحت أشبه بالرجل المريض، الذى لا حول له ولا قوة فى مواجهة الغرب الاستعمارى، الذى ينهش فى جسد الإمبراطورية العثمانية ولا يبقى لها شيئاً. 
قبل عامين من ميلاد حسن البنا، رحل الإمام المجدد الشيخ محمد عبده، الرجل الذى حاول أن يبعث الحيوية والشباب فى الأزهر، لكن جحافل التقليديين والمحافظين من الشيوخ لم تتح له فرصة النجاح، ومات الإمام وهو يردد فى أسى: 
“,”ولكنه دين أردت صلاحه 
أحاذر أن تقضى عليه العمائم“,” 
كان الأزهر مؤسسة تقليدية محافظة، تقاوم التجديد فى شراسة، وتتحصن بالموروث والمحفوظ، وتتباعد كل يوم عن إيقاع الحياة المتجددة التى لا تعرف الركود. 
هكذا كانت مصر عند ميلاد حسن البنا. 
حسن البنا هو الأبن الأكبر للشيخ أحمد البنا، الذى توالى بعده قدوم الأخوة والأخوات تباعا: عبد الرحمن فى الثامن والعشرين من سبتمبر سنه 1908، وفاطمة فى الثالث من فبراير سنه 1911، ومحمد فى العاشر من فبراير سنه 1913، وعبد الباسط فى الخامس عشر من أغسطس سنه 1915، وزينب فى السادس عشر من يناير سنه 1919، وأحمد جمال الدين فى الخامس عشر من ديسمبر سنه 1920، واخيراً فوزية فى العاشر من مارس سنه 1923. 
وباستثناء زينب، التى ماتت قبل أن تتم العام، ترعرع الأبناء السبعة وشقوا طريقهم فى الحياة، وتباينت أقدارهم ومصائرهم. 
فى غضون ذلك، كان الشيخ أحمد البنا يواصل رحلته مع القراءة والكتابة الدينية، ويصلح الساعات، ويبيع الأسطوانات، ويعمل إماما وخطيباً لأحد مساجد المحمودية، وفضلاً عن ذلك كله عين الشيخ مأذونا للبلدة اعتبارا من عام 1913. 
فى المحمودية، أقام الشيخ أحمد البنا صداقات وثيقة مع كثير من أبنائها: الشيخ أحمد الطباخ، والشيخ محمود دريدة، وعوض الباسوس، وغيرهم. ولم تقتصر صداقات الشيخ على المحمودية، فقد امتدت إلى أماكن أبعد، وصولا إلى القاهرة والإسكندرية، ولعل أشهر وأهم هؤلاء الأصدقاء هو الكاتب والمفكر الإسلامى المعروف محمد فريد وجدى. 
فى القرن الثالث الهجرى، وضع الإمام أحمد بن حنبل الشيبانى مسنده، وقد طبع الكتاب فى ستة مجلدات كبيرة. الإنجاز الأهم للشيخ أحمد البنا يتمثل فى تصنيفه لكتاب “,”الفتح الربانى فى ترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيبانى“,”، وهو عمل ضخم اشتغرق من الشيخ عمرا كاملا، وينم عن البيئة الدينية التى وُلد فى أحضانها حسن البنا. 
إذا كان الشيخ محمد زهران هو الأستاذ الأول لأحمد البنا، فقد كان – أيضاً – الأستاذ الأول لابنه حسن، وفى مدرسة الرشاد الدينية، تلقى حسن البنا دروسه الدينية الأولى، وحفظ القرآن الكريم، وتهيأ لمواصلة طريق التعليم.
طفولة وصبا البنا
بوابة الحركات الاسلامية
ثمة مثل شائع يقول : من شب على شئ شاب عليه، وفى طفولة حسن البنا مشاهد تستدعى التأمل، وتومئ إلى ما سيئول إليه فى شبابه ورجولته. 

مثل كل الأطفال، كانت لحسن البنا ألعابه المفضلة، وقد كان مولعا بلعبة شعبية شهيرة، ينقسم فيها الأطفال اللاعبون إلى فريقين متصارعين: عسكر وحرامية، ولكن الطفل حسن البنا أثر أن يحولها إلى مؤمنون وكافرون. 

وكان هو دائما ما يقود فريق المؤمنين، ممسكا بسيف خشبى، ومندمجاً إلى درجة ينسى فيها أنه يلعب، فينهال بخشبة اللعب الخشبية على أقرانه، وكأنها حرب حقيقية جادة لا هزل فيها. 

قد تكون الحكاية بسيطة، لكنها تشير إلى ثلاثة ملامح مهمة، نمت مع الطفل ولازمته طوال حياته: 

الملمح الأول هو الاختيار الحاسم للمعسكر الذى يراه معبرا عن الإيمان من وجهة نظره، فى مواجهة الآخرين الذين يراهم معبرين عن الكفر والشر والضلال. 

الملمح الثانى هو الجدية المفرطة، فهو يندمج فى اللعب متناسيا أنه هزل وتمثيل، ومخالفا بذلك للأعراف التى تحكم عالم الصغار. 

أما الملمح الثالث فهو الميل المبكر إلى القيادة، والقدرة على فرض رؤيته ورؤاه على من يلعبون معه. هو الذى يقرر نوع اللعب، وهو الذى يقود المعسكر الذى ينحاز إليه. 

لقد قرر حسن البنا، فى مرحلة مبكرة من عمره، ان ينحاز إلى معسكر المؤمنين ضد الكفار، وثمة حكاية أخرى، تنتمى إلى المرحلة نفسها، تكشف عن الاتجاه المبكر للإنتقال من اللعب إلى الجد، ومن القناعات النظرية والفكرية إلى العمل والسلوك. 

مما يرويه البنا فى مذكراته، ولم يكن قد تجاوز الثامنة من عمره بعد، أنه مر ذات يوم على شاطئ النيل، فلاحظ أن أحد أصحاب السفن قد علق فى ساريتها تمثالا خشبيا عاريا، يتنافى مع التقاليد والآداب، وبخاصة أن هذا الجزء من الشاطئ تتردد عليه السيدات والفتيات لجلب الماء. 

هل يقنع الطفل حسن البنا بالاستنكار القلبى؟ 

هل يتجه إلى صاحب المركب لمناقشته ونصحه؟ 

هل يشكو إلى أبيه أو أحد الكبار القادرين على التصرف؟ 

لم يفعل البنا شيئا من هذا كله، فقد ذهب غاضباً إلى ضابط النقطة محتجا معترضاً، واستجاب الضابط له فتوجه إلى صاحب السفينة ونهره، فأنزل التمثال. 

وطبقاً لرواية البنا، فقد ذهب الضابط فى صباح اليوم التالى إلى المدرسة، وأخبر الناظر بما حدث فى إعجاب وسرور، سر الناظر بدوره وأذاع الخبر على التلاميذ فى طابور الصباح!. 

قد لا تخلو القصة من بعض مواطن الخلل والضعف، فكيف لطفل فى الثامنة أن ينتبه إلى ما يجسده التمثال الخشبى من تهديد للآداب، واى ضابط هذا الذى يستجيب لشكوى طفل فى الثامنة، ويتحرك معه بمثل هذه السرعة، ثم يتوجه بنفسه إلى المدرسة لإشاعة الخبر وإذاعته؟!. 

المسألة ليست فى تماسك القصة ومصداقيتها، لكنها فى الدلالات المستمدة منها: الثقة المبكرة بالنفس، المبادرة السريعة إلى الحركة، الولع بالدعاية والسرور بما يترتب عليها. 

هذا هو حسن البنا. 

ضاق الطفل حسن بنظام التعليم فى الكتاتيب، وصارح والده بأنه لم يعد يطيق الاستمرار، ولابد له من الذهاب إلى المدرسة الإعدادية. وعارض الأب الحريص على أن يحفظ ولده كتاب الله، لكنه وافق بعد أن تعهد الأبن بان يتم حفظ القرآن الكريم. 

وهكذا صار الغلام طالبا بالمدرسة الإعدادية وهى الشهادة المعادلة للابتدائية الآن، يدرس فيها نهارا، ويتعلم صناعة الساعات بعد الانصراف منها، ويذاكر دروسه من بعد صلاة العشاء إلى النوم. 

كان انصراف الشيخ محمد زهران عن الاهتمام بمدرسة الرشاد الدينية، أهم الأسباب التى دفعت الطفل حسن إلى الزهد فيها، ولم يكن من عهد إليهم بالإشراف على المدرسة فى مثل علمه وأدبه، ولم يصبر البنا على صحبتهم التى لم ترق له. 

من الثامنة إلى الثانية عشرة من عمره، أى بين عامى 1914 إلى 1918، ارتبط حسن البنا بالمدرسة التى اسهمت فى تشكيل شخصيته، وخلال الفترة نفسها، اشتعلت الحرب العالمية الأولى، التى تركت أعظم الأثر على خريطة العالم، وعلى مصر بالضرورة. 

الحرب العالمية الاولى:
مع اشتعال الحرب، فرضت انجلترا الحماية على مصر، وحالت بين الخديو عباس حلمى الثانى والعودة، وأصبح السلطان حسين كمال بديلا له، دفع المصريون ثمنا فادحا لحرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل. 

مشاعر المصريين مع التحالف الألمانى التركى، ومراهنتهم أن يؤدى الانتصار الألمانى إلى إزاحة الاحتلال الانجليزي، وعودة الخلافة الإسلامية إلى سابق عهدها. 

أزمات اقتصادية طاحنة، وقلق اجتماعى عاصف، وركود سياسى دام طوال سنوات الحرب، ولا جديد إلا وفاة السلطان حسين وصعود الأمير أحمد فؤاد مكانه. 

انتهت الحرب بما خيب الآمال المعقودة عليها: هزيمة الأتراك، وترسيخ النفوذ الإنجليزيى، ودعوة الرئيس الأمريكي ويلسون إلى مبادئ جديدة تحكم العالم، ومؤتمر للصلح أعاد ترتيب الخريطة الدولية، بمعزل عن مشاركة مصر. 

بعد إعلان الهدنة، وفى الثالث عشر من نوفمبر سنه 1918، توجه سعد زغلول وعلى شعراوى وعبد العزيز فهمى، وكلهم أعضاء فى الجمعية التشريعية، لمقابلة المندوب السامى الإنجليزي، ومطالبته بالسماح لوفد مصرى بالمشاركة فى مؤتمر الصلح. 

من هنا بدأ تشكيل الوفد، وجاء الاعتقال والنفى لتشتعل الثورة الشعبية فى مارس سنه 1919. 

وتبدأ مرحلة جديدة فى تاريخ مصر. 

عندما تحرك سعد زغلول وزميلاه لتحريك القضية المصرية، كان حسن البنا يبدأ رحلته مع التعليم الإعدادى. وإذا كان الشيخ محمد زهران هو الأستاذ المؤثر فى المرحلة السابقة، فقد التقى البنا فى مدرسته الجديدة بأستاذه الثانى، محمد أفندى عبد الخالق، وشرع معه فى تشكيل أول جماعة وهى “,”جماعة السلوك الاجتماعى“,”، التى تهدف إلى إلزام التلاميذ بالأخلاق الحميدة فى سلوكهم اليومى، والتعفف عن الشتائم ومخالفة تعاليم الدين. 

سرعان ما تولى حسن البنا رئاسة الجماعة، وانطلق منها إلى تأسيس جماعة جديدة للأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، هدفها فرض الالتزام بتعاليم الدين، وتوجيه خطابات تهديد إلى سكان المدينة، الذين لا يلتزمون بهذه التعاليم. 
حسن البنا على الطريقة الحصافية
ومن جماعة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، انتقل البنا إلى الطريقة الحصافية الصوفية، يحضر جلسات الذكر، ويلتقى بأحد أهم أصدقاء عمره: تؤأم روحه أحمد السكرى. 
وحول تأثره بالطريقة الحصافية وشيخها يروى حسن البنا “,” وفى هذه الأثناء وقع فى يدى كتاب المنهل الصافى فى مناقب حسنين الحصافى وهو شيخ الطريقة الأول والذى توفى ولم أره حيث كانت وفاته الخميس 17 من جمادى الآخره 1328 الهجرية، وكنت إذ ذاك فى سن الرابعة عشرة فلم اجتمع به على كثرة تردده على البلد فأقبلت على القراءة فيه وعرفت منه كيف كان السيد حسنين رحمه الله عالماً أزهرياً تفقه على مذهب الإمام الشافعى ودرس علوم الدين دراسة واسعة وامتلأ منها وتضلع فيها ثم تلقى بعد ذلك الطريق على كثير من شيوخ عصره ، وجد واجتهد فى العبادة والذكر والمداومة على الطاعات حتى إنه حج أكثر من مرة وكان يعتمر مع كل حجة أكثر من عمره . 
وكان رفقاؤه وأصحابه يقولون ما رأينا أقوى على طاعة الله وأداء الفرائض والمحافظة على السنن والنوافل منه – رحمه الله – حتى فى آخر أيام حياته وقد كبرت سنه ونيف الستين. ثم أخذ يدعو إلى الله بأسلوب أهل الطريق ، ولكن فى استنارة وإشراق وعلى قواعد سليمة قويمة، فكانت دعوته مؤسسة على العلم والتعليم، والفقه والعبادة والطاعة والذكر، ومحاربة البدع والخرافات الفاشية بين أبناء هذه الطرق والانتصار للكتاب والسنة على اية حال والتحرز من التأويلات الفاسدة والشطحات الضارة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وبذل النصيحة على كل حل حتى إنه غير كثيراً من الأوضاع التى اعتقد أنها تخالف الكتاب والسنة ، ومما كان عليه مشايخه أنفسهم. وكان أعظم ما أخذ بمجامع قلبى وملك على لبى من سيرته رضى الله عنه شدته فى الأمر بالمعروف والنهر عن المنكر وأنه كان لا يخشى فى ذلك لومة لائم ولا يدع الأمر والنهى مهما كان فى حضرة كبير أو عظيم . 
فى هذه المرحلة، حكاية مهمة تكشف بعدا جديدا من أبعاد شخصية حسن البنا، وتؤكد طموحه إلى الأفعال العملية المباشرة، دون إفراط فى الدعوة النظرية. 
كان حسن وزملاؤه فى المدرسة يصلون الظهر فى مسجد صغير يجاور المدرسة، وذات يوم مر إمام المسجد فرأى كثيرا من التلاميذ يؤدون الصلاة، فخشى الإسراف فى الماء والبلى للحصير. 
ما كان من الإمام إلا أن انتظر حتى أتم المصلون صلاتهم، ثم فرقهم بالقوة مهدداً منذراً متوعدا، فمنهم من فر ومنهم من ثبت. 
جاء رد الطفل حسن عمليا سريعا، وكتب إلى إمام المسجد خطابا لا يتضمن إلا الآية القرآنية الكريمة (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه ما عليك فى حسابهم من شئ وما من حسابك عليهم فى شئ فتطردهم فتكون من الظالمين). 
بعث الخطاب بالبريد، وعرف الشيخ مصدر الرسالة فقابل والد حسن شاكياً، وانتهى الأمر بمعاهدة تتضمن أن يملأ التلاميذ صهريج المسجد بالماء قبل انصرافهم، وأن يعاونوه فى جمع التبرعات!. 

بوابة الحركات الاسلامية
لم يسلم من خطابا البنا أحد حتى أستاذه الشيخ محمد زهران، فقد شاهده البنا يصلى بين السوارى فبعث إليه بخطاب يوضح له فيه أن الصلاة فى هذا المكان مكروه، وعندما رآه الشيخ استدعاه وأمره بفتح كتب الفقه واستخراج هذا النص، الذى لدقته فات على الشيخ المعلم. 
ميل مبكر إلى الحركة العملية، واستعداد للزعامة والقيادة، وإصرار على الرد السريع، وقدرة على الجدل والمناظرة للحصول على ما يراه الطفل حقاً دينيا أصيلا لا يقبل التنازل عنه. 
من ذكريات المرحلة نفسها، أن البنا كان يؤذن الظهر والعصر فى مصلى المدرسة، وكان يستأذن المدرس إذا كان وقت العصر يصادف حصة من الحصص، لأداء الأذان. 
بعض الأساتذة يسمح وهو مسرور، وبعضهم الآخر يريد المحافظة على النظام فيرفض، وعندها يتصدى له البنا لأنه لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق، ويناقشه فى إلحاح يدفع المدرس المعارض إلى الموافقة حتى يتخلص منه!. 
فى فترة وجيزة، أسس البنا الصغير جمعيات عدة، المشترك بينها واحد الدعوة إلى الفضيلة والدفاع عن الدين، وكان البنا فى الثالثة عشرة من عمره عندما تولى سكرتارية “,”جمعية الحصافية الخيرية“,”، التى ترأسها أحمد السكرى. زاولت الجمعية عملها فى ميدانين : الأول هو نشر الدعوة إلى الأخلاق الفاضلة، والثانى مقاومة الإرسالية الإنجيلية التبشيرية التى استقرت فى المحمودية، وأخذت تبشر بالمسيحية فى ظل التطبيب وتعليم التطريز وإيواء الصبية من بنين وبنات. 
دمنهور ومدرسة المعلمين الأولية.. 
محطة جديدة فى حياة حسن البنا 
استمرت من سنه 1920 إلى سنة 1923. 
كانت فترة استغراق فى التعبد والتصوف، ولم تخل من مشاركة فعلية فى الواجبات الوطنية. 
عندما اشتعلت ثورة 1919، كان البنا دون الثالثة عشرة من عمره، لكنه يشير فى مذكراته إلى المظاهرات الجامعة والأضراب الشامل الذى شهدته المحمودية، ولا ينسى منظر أعيان البلد ووجهائه وهم يتقدمون المظاهرات ويحملون اعلامها ويتنافسون فى ذلك.. ويعترف البنا بأنه كان يحفظ الأناشيد العذبة التى كان يرددها المتظاهرون فى قوة وحماس : 
حب الأوطان من الإيمان وروح الله تنادينا 
إن لم يجمعنا الاستقلال ففى الفردوس تلاقينا 
ويذكر البنا كذلك منظر الجنود الإنجليز الذين هبطوا القرية وعسكروا فى كثير من نواحيها، واحتك بعضهم ببعض الأهالى، فأخذ يعدو خلفه بحزامه الجلدى، حتى انفرد الوطنى بالانجليزي فأوسعه ضربا ورده على أعقابه خاسئا وهو حسير.
هل شارك حسن البنا فى ثورة 1919؟
سعد زغلول
سعد زغلول
الإجابة بالايجاب، فقد أضرب مع زملائه الطلاب، وشارك فى بعض المظاهرات، ولم يكن عمره يسمح باكثر من ذلك. 
سؤال يتكرر كثيرا، عبر عقود تالية، عن التداخل بين السياسي والدينى عند حسن البنا وجماعة الإخوان : أهم حزب سياسي أم جماعة دعوية؟ هل تنحصر أهدافهم فى الدعوة الدينية وحدها، أم أنها تمتد لتشمل طموحا سياسياً ؟!. 
واقعة مهمة فى حياة حسن البنا المبكرة، تكشف عن الارتباك الواضح الذى يترتب على الجمع بين القيم الدينية والقواعد السياسية. 
أضرب الطلاب فى يوم من أيام الثورة، وشارك البنا مع المضربين. اجتمعت اللجنة الثورية فى منزل الحاجة خضرة شعير بدمنهور، وداهم البوليس المجتمعين واقتحم البيت يسأل عنهم، وأجابت الحاجة : أنهم خرجوا منذ الصباح الباكر ولم يعودوا. 
إجابة سياسية منطقية للابتعاد عن الشبهة ومخاطر العقوبة، لكن الأمر لا يروق للبنا، فالإجابة غير الصادقة عنده تعنى الكذب، ولذلك خرج إلى الضباط مصارحا بالحقيقة، دون نظر إلى الحرج الذى أصاب صاحبة البيت، بل إن حسن البنا اندفع فى مناقشة حماسية مع الضابط، وقال له إن واجبه الوطنى يفرض عليه أن يكون معهم، وليس أن يعطل عملهم ويقبض عليهم!. 
وفقا لراوية البنا، فقد استجاب الضابط، وأمر المصاحبين له بالانصراف، وعاد الفتى الشجاع إلى أصدقائه المختبئين، ليباهى ببركة الصدق، ويؤكد لهم ضرورة أن يكونوا صادقين، وأن يتحملوا تبعة أعمالهم دون كذب! 
الكذب رذيلة دينية، لكن الأمر ليس كذلك فى العمل السياسي. أى جدوى فى شجاعة الاعتراف بالحقيقة، تجنبا للكذب، إذا ما ترتب عليها هلاك الطلاب الوطنيين؟ وما الضمان أن يكون الضابط قادراً على الاستجابة والتفهم؟!. 
هذا إذا لم يكن البنا يقصد من وراء إبلاغه الضابط أن يقبض على الطلاب المضربين لأن الدافع لم يكن دينياً محضاً. 
كانت أيام مدرسة المعلمين، فى سنواتها الثلاث، استغراقا فى التصوف والتعبد، كما أنها شهدت إقبالا من الفتى البنا على تحصيل العلوم والمعارف خارج حدود المناهج الدراسية. 
من أين استقى البنا هذه المعارف والعلوم؟! 
المصدر الأول هو مكتبة أبيه العامرة بالكتب، وكان الأب يشجعه على القراءة والدرس، ويهديه كتب يرى أنها مناسبة له. وفى هذا الإطار، قرأ البنا كتب تركت أعظم الأثر فى نفسه، مثل “,”الأنوار المحمدية“,” للنبهانى، و“,”مختصر المواهب اللدنية“,” للقسطلانى، و “,”نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين“,” للشيخ الخضرى. 
المصدر الثانى يتمثل فى مكتبة كونها حسن لنفسه، وتضم كتبا متنوعة ومجلات قيمة. يوم السوق، كان يترقب وصول الشيخ حسن الكتبى بفارغ الصبر، ليستأجر منه كتب بالأسبوع، لقاء مليمات زهيدة، ثم يردها إليه ليأخذ غيرها. واللافت للنظر، أن البنا قد تأثر كثيرا بقصة “,”الأميرة ذات الهمة“,”، ورأى فيها دروساً فى الحماسة والشجاعة والذود عن الوطن. 
أما المصدر الثالث فهو أساتذته فى المدرسة، ومنهم عبد العزيز عطية وفرحات سليم وعبد الفتاح أبو علام وعلى سليمان والشيخ البسيونى. كانوا جميعاً يشجعون البنا ويعجبون بنشاطه، فاندفع يقرأ كتب لا علاقة لها بالمناهج المقررة، وبعضها يفوق مرحلته السنية، ومع ذلك، على سبيل المثال “,”ملحةالإعراب“,” للحريرى، و“,”الألفية“,” لابن مالك، و“,”الياقوتية فى المصطلح“,”، و“,” الجوهرة فى التوحيد“,”، و “,”الرجعية فى الميراث“,”. 

الشيخ صاوى دراز وفكرة الإخوان
فى هذه الفترة التقى البنا بالشيخ دراز الذى سيوحى له من خلال حكايته عن السيد البدوي بفكرة جماعة الإخوان المسلمون وأهدافها يقول البنا: “,”كنا نتحدث عن الأولياء والعلم، وتطرق بنا الحديث إلى سيدى إبراهيم الدسوقى المجاور لبلدهم “,”يقصد الشيخ دراز“,” ، ثم إلى سيدى احمد البدوى بطنطا فقال: أتدري ما نبأ سيدى أحمد البدوي؟ فقلت له: لقد كان ولياً كريماً وتقياً صالحاً وعالماً فاضلاً. فقال: ذلك فقط؟ .. فقلت هذا ما نعلم، فقال : اسمع وأنا أحدثك“,”. 
جاء السيد البدوي إلى مصر من مهجره من مكة وكان أهله من المغرب، ولما نزل مصر كانت محكومة بالمماليك، مع أن ولايتهم لا تصح لأنهم ليسوا أحراراً وهو سيد علوى اجتمع له النسب والعلم والولاية، واهل البيت يرون الخلافة حقاً لهم، وقد انقرضت الخلافة العباسية وانتهى أمرها فى بغداد، وتفرقت أمم الإسلام دويلات صغيرة يحكمها أمراء تغلبوا عليها بالقوة، ومنهم المماليك هؤلاء. فهناك أمران يجب على السيد أن يجاهد فى سبيلها: إعادة الخلافة وتخليص الحكم من أيدى المماليك الذين لا تصح ولايتهم. كيف يفعل هذا؟ 
لابد من ترتيب خاص. فجمع بعض خواصه ومستشاريه – ومنهم سيدى مجاهد وسيدى عبد العال وأمثالهما – واتفقوا على نشر الدعوة وجمع الناس على الذكر والتلاوة وجعلوا إشارات هذا الذكر السيف الخشبي أو العصا الغليظة لتقوم مقام السيف والطبل يجتمعون عليه، والبيرق ليكون علماً لهم والدرقة – وهذه شعائر الأحمدية – فإذا اجتمع الناس على ذكر الله وتعلموا أحكام الدين استطاعوا بعد ذلك أن يشعروا وأن يدركوا ما عليه مجتمعهم من فساد فى الحكم وضياع فى الخلافة فدفعتهم النخوة الدينية، واعتقاد واجب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، إلى الجهاد فى سبيل تصحيح هذه الأوضاع وكان هؤلاء الأتباع يجتمعون فى كل سنة. واختار السيد طنطا مركزاً لحركته – لتوسطها فى البلدان العامرة فى مصر، ولبعدها عن مقر الحكم – فإذا اجتمع الأتباع سنوياً على هيئة “,”مولد“,” استطاع هو أن يدرك إلى أى مدى تأثر الناس بالدعوة. ولكنه لا يكشف لهم عن نفسه بل يعتكف فوق السطح ويضرب اللثام مضاعفاً ليكون ذلك أهيب فى نفوسهم، وهذا عرف ذاك الزمان، حتى كان أتباعه يشيعون أن النظرة بموتة، فمن أراد أن ينظر إلى القطب فليستغن عن حياته فى سبيل هذه النظرة. وهكذا انتشرت هذه الدعوة حتى اجتمع عليها خلق كثر. 
ولكن الظروف لم تكن مواتية لتنجح هذه الحركة، فقد تولى مصر الظاهر بيبرس البندقدارى، فانتصر على الصليبين مرات، وانتصر على التتار مع المظفر قطز . ولمع اسمه وارتفع نجمه وأحبه العامة، ولم يكتف بذلك بل استقدم أحد أبناء العباسيين وبايعه بالخلافة فعلاً، فقضى على المشروع من أساسه، ولم يقف عند هذا الحد، بل أحسن السياسة مع السيد واتصل به ورفع من منزلته، وكلفه بأن يكون القيم على توزيع الأرس حين تخليصهم من بلاد العداء لأهليهم لما فى ذلك من تكيم وإعزاز، وكل ذلك قبل تمام هذا المشروع الخطير، واستمر الملك والحكم فعلياً فى المماليك، وإسمياً لهذا الخليفة الصوري حيناً من الدهر. 
وقد ظلت هذه الحكاية تداعب خيال البنا حتى أسس جماعة الإخوان لتأخذ كثيراً من سمات ما فعله السيد البدوى له ، الحكاية المذكورة بدون أن يخفى البنا وجهه عن الناس . 
فى المرحلة نفسها، توثقت صداقة حسن البنا مع الأقرب إلى روحه وعقله من أقران الصبا، أحمد السكرى. 
كان الأسبوع الدراسى فى دمنهور ينتهى يوم الخميس، وظهر هذا اليوم يعود حسن إلى المحمودية ليقضى ليلة الجمعة وليلة السبت. أجازة قصيرة يزور فيها الأهل ويقضى الوقت معهم، ويسعد بلقائهم ثم يعود صباح السبت إلى دمنهور حيث صديقه أحمد أفندى السكرى، والذى توثقت أواصر الصداقة بينهما إلى درجة أن أحدا منهما لم يكن يصبر أن يغيب عن صديقه أسبوعا كاملاً دون لقاء. 

البنا فى القاهرة
صحت نية حسن على التقدم إلى دار العلوم، وتم إخطاره بالموعد المحدد للكشف الطبى والامتحان. كان عليه أن يسافر إلى القاهرة، وصادف ذلك شهر رمضان، أراد أبوه أن يصحبه فلم ير لذلك موجبا، واكتفى بدعائه وخطاب إلى صديق من كبار تجار الكتب الميسورين بالقاهرة. 
رأى القاهرة للمرة الأولى بعد أن تجاوز السادسة عشرة بشهور. نزل فى باب الحديد عصرا، وركب الترام إلى العتبة، ثم ركب السوارس إلى حى الحسين، متوجها إلى التاجر صديق أبيه. لم يكترث الرجل به لكنه صادق عاملاً أهتم لأمره واستضافه حتى الصباح، وفى اليوم التالى اتخذ طريقه إلى دار العلوم.
دار العلوم.. 
أنشئت عام 1873، كأول محاولة مصرية لتقديم تعليم جديد يتسم بالعصرية، دون إهمال العلوم الدينية التقليدية. لقد أصبحت دار العلوم، من الوجهة الأساسية، مدرسة عليا للمعلمين، لكنها اصطبغت أكثر فأكثر، مع تطور نظام التعليم المدنى للجامعة المصرية، بالصبغة التقليدية السلفية. 
اتيحت للبنا فرصة أن يعمل مدرسا، بمؤهله المتوسط، فى قرية قريبة تتيح له أن يعاون أباه ويساند أسرته، لكن الفتى الطموح، بعد تفكير عميق، قرر أن ينبذ الوظيفة المتاحة، فى سبيل الالتحاق بمدرسة عليا تشبع نهمه إلى المزيد من العلم والتفوق. 
كيف كانت القاهرة التى سافر إليها البنا؟! 
لم تكد الحرب العالمية الأولى تنتهى، حتى اشتد ساعد الحركة القومية المطالبة بحقوق البلاد، على أساس المبادئ التى بشر بها الرئيس الأمريكى ولسن، وكان حزب الوفد هو بطل المرحلة الجديدة. 
لقد تغيرت معالم وجه المسألة المصرية، بعد ثورة سنه 1919، تغييرا جوهرياً عميقا. بعد أن كان الاستقلال رهينا بأمر وإرادة الغرب، أصبح للمصريين كلمتهم وطموحهم. وبعد أن كانت غاية الحزب الوطنى لا تتجاوز الاستقلال تحت الراية العثمانية، أصبح الاستقلال التام، عن تركيا وبريطانيا معا، عقيدة راسخة يؤمن بها المصريون من مختلف الطبقات والثقافات. وبعد أن كان العمل السياسي احتكار لمثقفى المدن، أصبح الجميع يتحدثون فى السياسة، ويحلمون بالسيادة والاستقلال والدستور. 
لم تكن ثورة 1919 ذات توجه إسلامى، وقد شاركت فيها جميع طوائف الأمة، وترددت شعارات جديدة مثل “,”الوحدة الوطنية“,” و “,”الاستقلال التام“,” و “,”الدستور“,”. 
ثورة 1919، بكل شعاراتها الليبرالية العصرية، لم تحقق الأهداف المأمولة، فقد اشتعل الصراع الحزبى بعد إقرار دستور سنه 1923، وانقسمت الأمة بين أغلبية تؤيد الوفد، وأقلية تنتمى إلى أحزاب أخرى. وكان منطقيا أن يزداد القلق والتوتر عند أصحاب الأفكار والتوجهات الإسلامية، بعد أن سقطت دولة الخلافة فى تركيا، وانتشرت الأفكار الليبرالية والعلمانية، التى تدعو إلى الفصل بين الدين والدولة. 
توافق وصول البنا إلى القاهرة مع فترة الغليان الفكرى والسياسى التى ميزت العشرينيات، وبعينى ريفى متدين، استطاع حسن البنا أن يميز المشكلات الأكثر خطورة من وجهة نظره : الصراع المحتدم بين الوفد والأحرار الدستوريين على حكم مصر من ناحية، والمجادلات السياسية الصاخبة التى أسفرت عن الانقسام فى أعقاب ثورة 1919 من ناحية أخرى. كان المناخ الجديد يهيئ لبعث الأفكار الإسلامية فى أشكال شتى، ولم تكن جماعة الإخوان المسلمين، التى أسسها البنا بعد سنوات قليلة، إلا أحد هذه الأشكال. 
قاهرة العشرينيات.. 

مصطفى كمال اتاتورك
مصطفى كمال اتاتورك
حراك سياسى وثقافى وفكرى واجتماعى 
أفكار جديدة تصطدم مع القديم الراسخ 
مصطفى كمال أتاتورك يعلن عن سقوط الخلافة، والشيخ على عبد الرازق يفجر قنبلة فى كتابه الصغير الخطير “,”الإسلام وأصول الحكم“,”، ويعلن أن الخلافة ليست فريضة دينية، لكنها اجتهاد بشرى. 
الأزهر يعجز عن التجدد والتطور، والأزهرى القديم المتمرد الدكتور طه حسين، يلقى قنبلة أخرى من خلال كتابه “,”فى الشعر الجاهلى“,”، حيث يبشر بمذهب جديد غير مسبوق فى الثقافة التقليدية، قواعد الشك فيما يظن أنه من الثوابت التى تعلو فوق الشكوك. 
فكر جديد ينطلق من قاعات الجامعة المصرية، ومفكرون جدد يتحمسون لكل ما هو عصرى غربى، وانعكاسات اجتماعية وأخلاقية تترتب على هذا المناخ. 
المقيمون فى الأقاليم البعيدة عن العاصمة، مثل المحمودية ودمنهور، لا يشعرون بما يحدث من حراك، فهم متقوقعون داخل شرنقة الحياة التقليدية التى اعتادوها وألفوها، ولا تتجلى صدمة التغيير العاصف إلا عند الاحتكاك بالعاصمة، وهذا ما حدث مع حسن البنا عندما هبط إلى القاهرة ليلتحق بدار العلوم. 
كان من نتيجة الظروف السياسية الجديدة، بعد ثورة 1919، وما تبعها من صراخ فكرى بين التيار التحديثى والتيار المحافظ، أثر واضح على الحياة الاجتماعية، والمقارنة بين الحياة العامة فى المدن المصرية، قبل الحرب العالمية الأولى وبعدها، تكشف عن بعض أبعاد هذا التغيير. 
كان منطقيا أن يسعى التيار المحافظ لنشر أفكاره الدينية والمحافظة عليها، وتوالى ظهور الجماعات والجمعيات الإسلامية، تمثل أهمها فى جمعية “,”الشبان المسلمين“,”، التى ترأسها صالح باشا حرب قرب نهاية سنة 1927، والتى مهدت لظهور جماعة الإخوان المسلمين، التى أسسها البنا فى مدينة الإسماعيلية سنه 1928. 
لم يكن البنا سلبيا عند إقامته فى القاهرة، وقادته بوصلته الفكرية الدينية إلى التجمعات التى تناسب أفكاره وتوجهاته، ولذلك ساند جمعية الشبان المسلمين، وعمل مندوبا لمجلة “,”الفتح“,” المعبرة عن الخط الإسلامى المحافظ، وهى المجلة التى أشرف على تحريرها محى الدين الخطيب، مدير المكتبة السلفية وأحد مؤسسى الشبان المسلمين. 
كانت القاهرة شيئاً مختلفا عن المحمودية ودمنهور.
بذور ميلاد الداعية
وتوقف حسن البنا عند تنامى ما يسميه موجة التحلل فى النفوس وفى الآراء والأفكار باسم التحرر العقلى، ورصد فى استياء انعكاس ذلك على المسالك والأخلاق والأعمال باسم التحرر الشخصى، ورأى أن الخريطة الجديدة تمهد لمزيد من الإلحاد والإباحية، وأن الطوفان من القوة بحيث يكتسح كل شئ. 
بمزيج من الحسرة والأسى والغضب، راقب البنا انقلاب مصطفى كمال أتاتورك على دولة الخلافة، وقيامه بالفصل بين الدين والدولة، فى أمة كانت مقر أمين المؤمنين والقلبة التى تتوجه إليها عقول وقلوب المسلمين فى كل مكان. 
ولاحظ البنا أن الجامعة المصرية، بعد تحولها من معهد أهلى إلى جامعة حكومية تديرها الدولة، أصبحت تصطدم مع الكثير من الثوابت المقدسة، وترسخ عند ابنائها شعور بأن الجامعة لن تكون جامعة علمانية إلا إذا ثارت على الدين، وحاربت التقاليد الاجتماعية المستمدة منه، واندفعت وراء التفكير المادى المنقول عن الغرب بحذافيره، وعرف أساتذتها وطلابها بالتحلل والانطلاق من كل القيود. 
الحيرة تعصف بالشاب القادم من مجتمع تقليدى محافظ، إلى عاصمة تزدحم بكل ما هو بعيد عما اعتاده وآمن به. 
وبحكم طبيعته العملية، كان عليه أن يفكر فى وسيلة عملية يسهم بها فى إيقاف التدهور والانهيار. 
القاهرة، على اتساعها، لم تكن تضم من الجمعيات الإسلامية، عند وصول البنا، إلا جمعية “,” مكارم الأخلاق الإسلامية “,”، التى يرأسها الشيخ محمد محمود، ويتركز نشاطها على إلقاء المحاضرات الإسلامية فى مقرها ببركة الفيل. 
واظب حسن البنا على المشاركة فى أنشطة الجمعية، وانضم إلى عضويتها لكنه كان يعتزم أمراً آخر. بعد ما شاهدة فى القاهرة من مظاهر بدت له على أنها تحلل وبعد عن الأخلاق الإسلامية، وبعد ما قرأ فى الصحف والمجلات عن أمور تتنافى من وجهة نظره مع التعاليم الإسلامية، وبعد أن لاحظ الجهل المتفشى بين العامة بأحكام الدين، آمن الشاب أن المساجد وحدها لا تكفى لإيصال التعاليم الإسلامية إلى الناس. لا يكفى أن يذهب الناس إلى المساجد، فلابد للأئمة والوعاظ والحريصين على تعاليم دينهم أن يذهبوا إلى الناس. 
وكانت هذه بذور ميلاد الداعية حسن البنا. 
هل كان يعلم بما يفوق طاقته وقدرته ؟!. 
ربما كان كذلك، فالحلم من سمات وملامح شخصيته. 
يؤكد البنا، فى مذكراته، أنه ليلة امتحان النحو والصرف للالتحاق بدار العلوم، رأى فيما يرى النائم أنه يركب زورقاً مع بعض الأفاضل من العلماء، وتقدم أحدهم إليه وقال : 
- أين شرح الألفية لابن عقيل ؟ 
وبادر البنا بالرد : 
- ها هو ذا.. 
وعندها، قال له العالم فى المنام : 
- تعال نراجع فيه بعض الموضوعات.. 
وطلب منه صفحات بعينها، وأخذ يراجع معه موضوعاتها. 
وفى الصباح، فوجئ حسن البنا أن الكثير من أسئلة الامتحان قد جاءت من هذه الموضوعات !. 
ويعلق البنا على هذا الحلم بقوله إن الرؤيا الصالحة بشرى للمؤمن تستأهل حمد الله رب العالمين. 
ما أكثر الحالمين، وما أكثر الذين يصدقون أحلامهم، وما أقل الذين تصدق أحلامهم.. 
كان البنا حالماً، ومؤمناً بأنه صاحب رسالة. وإذا كانت الأماكن الصغيرة النائية المحدودة لا تتسع لطاقته الكبيرة فى الحلم والعمل، فقد آن له أن يمارس فى العاصمة ما يناسب قدراته. 
كان انتقال الأسرة كلها إلى القاهرة أمراً ضرورياً، فالابن الأكبر حسن البنا فى دار العلوم، وعبد الرحمن الذى يليه أتم الدراسة الابتدائية ولابد له من الالتحاق بالمدرسة الثانوية، أما محمد فقد أتم الأولية، وكان أبوه راغباً فى إلحاقه بالأزهر، والأخوة الآخرون لا بد لهم من مواصلة رحلة التعليم، ومعاهد العلم ليست متوفرة فى المحمودية. 
لابد إذن من القاهرة، ولا بديل لها. 
سافر الأب إلى القاهرة بحثاً عن العمل والمسكن، وسرعان ما انتقلت الأسرة إلى العاصمة، فالتحق عبد الرحمن بمدرسة التجارة، وانتسب محمد إلى الأزهر، والتحق الأخوة الباقون بالمدارس المناسبة. 
مما ساعد على اتخاذ القرار، أن الشيخ أحمد البنا قد فقد والديه سنة 1924، فانقطع بذلك أكبر خيط كان يربطه بالبلد. وفضلاً عن ذلك، فقد تعرض حسن البنا لاعتداء من أحد زملائه، وهو ما أثار مخاوف الأم، فأصرت على الإنتقال إلى القاهرة لتراعى أكبر أبنائها. 
الاعتداء الذى تعرض له حسن من أحد زملائه، لا تفسير له عند المعتدى عليه إلا الحسد والحقد. 
وفقاً لرواية البنا، فقد انتهز الزميل الحقود فرصة نوم جميع الطلاب، وأخذ يصب زجاجة من صبغة اليود المركزة على وجهه وعنقه، قبل أن يعود إلى التظاهر بالنوم، لكن المؤامرة فشلت لاستيقاظ حسن واسراعة إلى دورة المياه ليغسل وجهه وعنقة. 
ووفقاً لرواية البنا أيضاً، فقد عفا عن زميله المعتدى وسامحه، وأبى أن يقوم الزملاء بتبليغ النيابة وإدارة المدرسة. اللافت للانتباه، أن البنا يختتم حكاية الاعتداء بقوله إن هذه الحادثة كانت خيراً وبركة وسبباً لانتقال الأسرة كلها من المحمودية إلى القاهرة. 
كان فى اعماقه إذن حنين للارتباط بالقاهرة، والتخلص من عالمه القديم الذى ضاق بأحلامه. 
من بلكونات قاهرة العشرينيات، تتدلى يافطات كثيرة مكتوب عليها “,”شقة للإيجار“,”، وكان ملاك البيوت يبذلون كل الجهد الممكن للظفر بمستأجر، وفى سبيل ذلك يقدمون التسهيلات والإغراءات ويتفننون فى جذب الزبائن والعمل على الاحتفاظ بهم. 
وفرة المساكن لا تبرر انتقال أسرة الشيخ أحمد بين شقق مختلفة فى فترة وجيزة. 
كانت البداية فى بيت بشارع ممتاز بالسيدة زينت، وبعد شهرين غادرته الأسرة إلى مسكن جديد ن وبعد شهر واحد كان الانتقال إلى بيت عطفة مندور بشارع سلامة، وبعد ثلاثة شهور منزل جديد فى درب صبيح بقسم الخليفة، ومنه – بعد شهرين – إلى حارة العسل، حيث لم يطل المقام إلا شهران، وانتقل الأب وأبناؤه إلى طالون، ومن طالون، بعد شهر واحد، إلى حارة العبيد، ثم إلى عطفة عطايا. 
القائمة طويلة تضم كثيراً من المنازل والبيوت، فى أحياء شعبية متقاربة، ولا تفسير لكثرة الانتقال إلا عجز الأسرة الريفية عن التوافق مع حياة العاصمة. 
كان الأب الشيخ قد تعود على مجتمع المحمودية المألوف الأليف، ولم يكن ميسوراً أن يتأقلم سريعاً مع القاهرة. 
أزمة نفسية تترتب على الإنتقال، وازمة أخرى مادية يواجهها الشيخ، بعد أن كبر الأبناء وتضاعفت مصاريفهم. 
لم يكن الشيخ مستعداً لتخصيص وقت كبير لكسب المال، فقد كان تركيزه منصباً على إنجاز مشروع “,” الفتح الربانى “,”، وهو مشروع يحتاج بدورة إلى نفقات طائلة. 
كان الاب هو رب الأسرة والمسئول وحده عن توجيهها وإرشادها، وهو ما يتجلى بوضوح فى الاتجاه الذى سلكه الابنان الكبيران حسن وعبد الرحمن، لكن الجانب الأكبر من المسئولية انتقل إلى الأم فى مرحلة القاهرة، وهو ما أدى إلى تنوع ملحوظ فى مسارات الأبناء الآخرين، فقد التحق عبد الباسط، المولود سنة 1915، بمدرسة البوليس، وأصبح ضابطاً قبل أن يستقيل ويعمل بالسعودية فى الخمسينات، أما الابن الأصغر أحمد جمال الدين، جمال البنا، فقد اتخذ طريقاً لا يتناقض أو يتصادم وأخيه، لكنه يختلف عنهما بالضرورة. 
الدعوة على المقاهي 
آمن حسن أن توجه الناس إلى المساجد لا يكفى، فلابد للدعاة والوعاظ أن ينتقلوا من المساجد إلى حيث ينفق العاديون من الناس أوقاتهم، فى الشوارع والقهاوى. وهؤلاء الدعاة مطالبون بالإنتشار فى القرى والريف والمدن لنشر الدعوة الإسلامية. 
دعا البنا لفيفاً من اصدقائه للمشاركة فى مشروعة الدعوى الجديد، وكان منهم محمد مدكور وحامد عسكرية وأحمد عبد الحميد، وغيرهم يجتمعون فى مسكن الطلاب فى مسجد شيخون بالصليبة، ويتباحثون عما تستلزمه هذه المهمة من استعداد علمى وعملى. 
خصص حسن جزءاً من كتبه لتكون مكتبه دورية خاصة بإخوانه، يستعيرونها ويحضرون موضوعات الخطب والمحاضرات منها. 
لا يقنع حسن البنا بهذا الإطار النظرى، فيعرض على اصدقائة الخروج للوعظ فى المقاهى، وهو ما استغربوه وعجبوا منه. كان منطقهم ينطلق من ان أصحاب المقاهى لن يسمحوا بذلك الوعظ لأنه يعطل أشغالهم، وأن المترددين على مثل هذه الأماكن لن يرحبوا بالوعظ وهم الغارقون فى اللهو. 
للبنا رأى آخر يعارض به إجماعهم، فهو يؤمن أن هذا الجمهور أكثر استعداداً لسماع العظات من أى جمهور آخر، حتى جمهور المسجد نفسه، لأن الفكرة جديدة وطريفة، المهم أن يتم اختيار الموضوع بعناية، وألا يكون فى الوعظ ما يجرح شعورهم أو يعرضهم لنوع من الحرج، وأن يكون الأسلوب شائقاً جذاباً ومختصراً حتى لا يحط عليهم الملل. 
لم ينجحوا فى اقناعه، ولم ينجح بدوره فى التأثير عليهم، فاقترح عليهم أن تكون التجربة هى الحد الفاصل فى الأمر. 
بدأت الجولة فى المقاهى الواقعة بميدان صلاح الدين وأول السيدة عائشة، ومنها إلى المقاهى المنتشرة فى طولون، وصولاً إلى شارع سلامة والسيدة زينب. القى حسن أكثر من عشرين خطبة فى هذه المقاهى، وكانت الخطبة الواحدة تستغرق ما يتراوح بين خمسة دقائق إلى عشرة. 
يؤكد البنا أن التجربة نجحت، ولاقت القبول والاستحسان من أصحاب المقاهى وزبائنها، وقرر أن يواصل المسيرة. 
فى السنة الدراسية الأخيرة بدار العلوم، طلب الشيخ أحمد يوسف نجاتى من طلابه كتابة موضوع مضمونه : “,” اشرح أعظم آمالك بعد إتمام دراستك “,” وبين الوسائل التى تعدها لتحقيقها “,”. 
استهل البنا موضوعه بالتأكيد على أن خير النفوس هى تلك النفوس الطيبة التى ترى سعادتها فى سعادة الناس، وأن أجل غاية يجب أن يرى الإنسان إليها هى أن يحوز رضا الله. لا سبيل إلى ذلك عنه “,” إلا بسلوك طريقين : أولهما طريقة التصوف الصادق، وثانيهما طريقة التعليم والإرشاد. 
الأمر الخاص للبنا هو اسعاد أسرته، أما الهدف العام فهو أن يكون مرشداً معلماً، يقضى فى تعليم الأبناء سحابة النهار، وينفق الليل فى تعليم الآباء. 
لقد اختار طريقة : ان يكون مرشداً. 
تخرج البنا فى دار العلوم وجاء تعيينه فى مدينة الإسماعيلية، المدينة التى لا يعرف أين تقع على وجه الدقه، وتقترن فى ذهنه، مثل الغالبية العظمى من المصريين، بقناة السويس والشركة الأجنبية التى تديرها. 
يوم الاثنين، السادس عشر من سبتمبر سنة 1927، اجتمع أصدقاء حسن البنا لتوديع زميلهم المسافر لاستلام عمله فى الإسماعيلية، مدرساً بمدرسة الإسماعيلية الابتدائية الأميرية. 
لم يكن حسن يعرف شيئاً ذا بال عن المدينة، فهى عنده بلد ناء بعيد شرق الدلتا، يفصله عن القاهرة فضاء فسيح من رمال الصحراء الشرقية، وتقع على بحيرة التمساح المتصلة بقناة السويس. 
فى لقاء الوداع هذا، قال محمد افندى الشرنوبى إن الرجل الصالح يترك اثراً صالحاً فى كل مكان ينزل فيه، 
وتمنى لصديقة المسافر ان يترك اثراً صالحاً فى البلد الجديد عليه. 
واستقرت الكلمات فى اعماق حسن البنا. 
قبل سفره باسابيع قليلة، ودعت مصر زعيمها سعد زغلول، وبدا أنها تتهيأ لمرحلة جديدة، تتوارى فيها الزعامات التى صنعت أمجاد الثورة واساطيرها، وبدت الساحة مهيأة لمتغيرات جديدة.
الاسماعيلية...مولد الجماعة ابريل 1928
بوابة الحركات الاسلامية
وصل القطار إلى محطة الإسماعيلية، وكان الانطباع الأول عن المدينة إيجابياً عند الوافد الجديد. كانت نية البنا أن يقيم فى فندق، لكنه لم ير مانعاً فى مشاركة صديقة القديم إبراهيم البنهاوى غرفة فى بنسيون السيدة “,”أم جيمى“,” الإنجليزيى، ثم انتقلا معاً إلى منزل مدام ببيتا الإيطالية. 
لم يستغرق وقتا طويلاً للإندماج فى عالم المدينة، وكانت كلمات الشرنوبى تسيطر عليه : الرجل الصالح يترك أثراً صالحاً فى كل مكان ينزل فيه. 
عن طريق المسجد، استطاع البنا أن يعرف الكثير عن طبيعة المدينة وظروفها الاجتماعية والاقتصادية. أدرك أن النزعة الأوروبية مهيمنة، بفضل المعسكرات البريطانية من ناحية، وبسبب وجود إدارة شركة قناة السويس من ناحية أخرى، لا عمل لأهل الإسماعيلية إلا فى هذين المجالين، ولا مهرب لهم من الاتصال عن قرب بالحياة الاوروبية. 
وعلى الرغم من هذا كله، فقد شعر المدرس الشاب أن المشاعر الدينية قوية وحية فى النفوس، وأن الطريق إلى الدعوة لا ينبغى أن ينطلق من المسجد، فالمقاهى أولى بدعوته. 
اختمرت الفكرة فى رأسه، وبدأ فى تنفيذها. 
اختار ثلاث مقاه كبيرة، ورتب فى كل منها درسين فى الأسبوع، وواظب على التدريس والوعظ بلا كلل. للوهلة الأولى بدا الأمر غريباً فى نظر الناس، لكنهم ما لبثوا أن ألفوه وأقبلوا عليه. 
كان خطته أن يكون وعظه عاماً لا قسوة فيه، وأن يكون الأسلوب سهلاً جذاباً مشوقاً، لا يخلو من مفردات عامية لتبسيط وتقريب المفاهيم. ولم تكن الخطبة تزيد عن عشرة دقائق، فإن طالت فإنها لا تتجاوز ربع الساعة. 
وكم كان البنا سعيداً وهو يرصد بوادر النجاح، لكن الدرس الذى نظمة فى المسجد أثار غضب بعض رجال الدين، وكانت للبنا مع واحد منهم حكاية مهمة، تكشف عن التطور الذى لحق بشخصيته، وقدرته على تجنب الصدام. 
واحد من قدامى المشايخ، المولعين بالجدل والحواشى وإحراج الوعاظ، حاول إحراج الداعية الشاب ذات مرة. كان البنا يقص قصة ابى الأنبياء الخليل إبراهيم عليه السلام، فسأله الشيخ – كأنه يتحداه ويمتحنه – عن اسم أبى إبراهيم !. 
واستمر الشيخ فى استخدام أسلوبه الاستفزازى فى كل درس، وخاف البنا أن يهرب المستمعون. 
فكر فى أسلوب عملى لعلاج المشكلة، فدعى الشيخ إلى منزلة، واكرمه، وأهداه كتابين، فسر الشيخ بالتكريم والهدية، فإذا به يواظب على الدرس، ويكف عن الجدال، ويدعو الناس إلى الحضور. 
تجنب الصدام والجدال، وأثر أن يقترب من خصمه ويحتويه، ولم يكن ذلك شاقاً أو صعباً!. 
كان من أثر محاضرات ودروس البنا أن حضر إليه من الذين تأثروا بها من أهالى الإسماعيلية : حافظ عبد الحميد، نجار، أحمد الحصرى، حلاق، فؤاد إبراهيم، مكوجى، وعبد الرحمن حسب الله، سائق، إسماعيل عز، جناينى، زكى المغربى، عجلاتى. 
وكان ذلك فى أبريل 1928. 
حدثوه عن الطريق العملى الذى ينبغى ان يسلكوه، لعزة الإسلام وخير المسلمين، وعرضوا عليه ما يملكون من مال بسيط، وحملوه تبعية أمرهم، فكان القسم والبيعة. 
أى اسم يحمله التنظيم الوليد ؟! 
قال لهم البنا : نحن اخوة فى خدمة الإسلام، فنحن إذن الإخوان المسلمون. 
وهكذا ولدت الجماعة