الإخوان المسلمون في تونس.."النهضة" على طريق "إخوانهم" في مصر

الأحد 01/مارس/2020 - 12:15 م
طباعة الإخوان المسلمون هاني دانيال- هند الضوي- فاطمة عبدالغني
 

مدخل

من يبحث عن الإخوان المسلمين يجدهم في كل مكان في العالم متوغلين، باحثين عن أي ثغرة تمكين، ويتغيرون ويتلونون بل ويتكيفون حسب المكان المحيط بهم، وتتغير اسم حركتهم بل ومرتكزاتهم الفكرية، وأساليبهم حسب ذلك المكان، وجماعة الإخوان في تونس من الموضوعات الشائكة المهمة بمكان، ولها تأثير كبير في المنطقة، خاصة في ظل ثورات الربيع العربي التي أثرت على جماعة الإخوان المسلمين في مصر بانهيارها وإدراجها على قائمة الجماعات الإرهابية المحظورة، ليس في مصر فقط بل وفي بلدان أخرى، مما انعكس على تونس التي تأثرت أيضا بتلك الموجة من الثورات حيث تم الإشهار الرسمي لحزب النهضة- ذراع الإخوان في تونس- كحزب سياسي معترف به في 1 مارس 2011 بعد ثورة الياسمين، وسنتناول بالتفصيل تاريخ جماعة النهضة وأبرز مواقفها وأهم قياداتها ومرتكزاتها الفكرية.. على النحو التالي: 

النشأة والتاريخ

مناضلو حركة الاتجاه
مناضلو حركة الاتجاه الإسلامي في السجن بعد إلقاء القبض عليه في صيف 1981
حركة الاتجاه الإسلامي
في يونيه 1981 أعلنت "حركة الاتجاه الإسلامي" تأسيسها رسميًا؛ من أجل بعث الشخصية الإسلامية لتونس، حتى تستعيد مهمتها كقاعدة كبرى للحضارة الإسلامية بإفريقيا، ووضع حد لحالة التبعية والاغتراب والضلال، وتجديد الفكر الإسلامي على ضوء أصول الإسلام الثابتة ومقتضيات الحياة المتطورة، وتنقيته من رواسب عصور الانحطاط وآثار التغريب، وكذلك كي تستعيد الجماهير حقها المشروع في تقرير مصيرها، بعيدًا عن كل وصاية داخلية أو هيمنة خارجية، وإعادة بناء الحياة الاقتصادية على أسس إنسانية وتوزيع الثروة بالبلاد توزيعًا عادلًا على ضوء المبدأ الإسلامي "الرجل وحاجته"، أي من حق كل فرد أن يتمتع بثمار جهده في حدود مصلحة الجماعة، وأن يحصل على حاجته في كل الأحوال، حتى تتمكن الجماهير من حقها الشرعي المسلوب في العيش الكريم، بعيدًا عن كل ضروب الاستغلال والدوران في فلك القوى الاقتصادية الدولية.
وعبر الاتجاه الإسلامي من خلال نشاطه ومواقفه العديدة عن التحامه بذات أمته وتجسيده آمال شعبه وتطلعاته، فالتفت حوله قطاعات عريضة من المحرومين والشباب والمثقفين، وكان نموه السريع مجلبةً لاهتمام الملاحظين وترصد القوى والأنظمة السياسية في الداخل والخارج، ورغم سعيه الرصين المتعقل لتلمّس أنجع سبل التطوّر والتغيير فقد تعرّض هذا الاتجاه إلى سلسلة من التهم الباطلة والحملات الدعائيّة المغرضة نظمتها ضدّه السلطة الحاكمة ووسائل الإعلام الرسميّة وشبه الرسمية، بلغت هذه الحملات حد الاعتداء تعسفا على وسائل إعلامه قصد منعه من إبلاغ صوته وتطورت بعد ذلك إلى أشكال أشد قهرًا، فقدمت عناصره إلى المحاكمات وتكثفت ضد أفراده التتبعات والتحقيقات وفتحت أمام شبابه السجون والمعتقلات حيث الضرب والتعذيب والإهانة.
وأكدت الحركة  أن "حركة الاتجاه الإسلامي" لا تقدم نفسها ناطقًا رسميًا باسم الإسلام في تونس، ولا تطمع يومًا في أن ينسب هذا اللقب إليها، فهي مع إقرارها حق جميع التونسيين في التعامل الصادق المسئول مع الدين، ترى من حقها تبني تصور للإسلام يكون من الشمول، بحيث يشكل الأرضية العقائدية التي منها تنبثق مختلف الرؤى الفكرية والاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، التي تحدد هوية هذه الحركة وتضبط توجهاتها الاستراتيجية ومواقفها الظرفية.
حزب النهضة
استطاعت الحركة التواجد في المجتمع من خلال التجمع بالمساجد ومنها "الزيتونة"، لقراءة القرآن والحديث النبوي وتذاكر السيرة، ولم يعارض الحزب الدستوري الحاكم هذا النشاط، بل حاول استغلال حركة الاتجاه الإسلامي في الجامعة ضد التيارات اليسارية وفي القلب منها التيار الماركسى، وفي عام 1981 غيرت الحركة اسمها إلى "حزب النهضة"، استعدادًا للترخيص لها كحزب شرعي، واعترفت الحركة في بيانها التأسيسي بموقفها المؤيد للديمقراطية وتداول السلطة، وسمح لهم ببعض النشاط وإصدار مجلة "المعرفة" كمنبر لأفكار الحركة، ولكن لم يُسمح لهم بالتحول إلى حزب شرعي، وتمت الإطاحة بهم والقبض على قيادات الحركة، وعلى رأسهم مؤسسها الغنوشي وذلك بعد عقدهم مؤتمرهم الثاني بشكل سري في شهر أغسطس 1979 في سوسة، واتهام الحركة بالتحضير لانقلاب عسكري على السلطة.

راشد الغنوشي- بن
راشد الغنوشي- بن علي
"بن علي" والنهضة
بعد وصول "بن علي" إلى السلطة وإفراجه عن معظم قيادات الحركة بمن فيهم الشيخ راشد الغنوشي قامت الحركة بتأييد النظام الجديد والتوقيع على وثيقة الميثاق الوطني التي وضعها بن على، وبعد رفض النظام السماح بإعلان الحركة كحزب علني غادر الغنوشي البلاد الى ليبيا فالسودان وبعد ذلك إلى لندن، في رحلة نفي اضطراري طالت حوالي 22 سنة.
وبداية من 1990 اصطدمت الحركة بعنف مع السلطة، وبلغت المواجهة أوجها أثناء أزمة حرب الخليج، ففي مايو1991 أعلنت الحكومة إبطال مؤامرة لقلب نظام الحكم واغتيال الرئيس بن علي، وشنت الأجهزة الأمنية حملة شديدة على أعضاء الحركة ومؤيديها وبلغ عدد الموقوفين حسب بعض المصادر 8000 شخص. 

الحبيب اللور
الحبيب اللور
وأعلنت الحركة عام 1985 عن مكتبها التنفيذي الثالث برئاسة راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو أميناً عاماً، وعضوية السادة حمادي الجبالي والحبيب اللور والحبيب السويسي، واعتُرف بالحركة رسمياً عندما استقبلهم الوزير الأول محمد المزالي في قصر الحكومة، واعترفت كل الأطراف بالوجود السياسي الفعلي لحركة الاتجاه الإسلامي واضطرت للتعامل معها.
وكانت جريدة الرأي وسيلة النشر لمؤلفات بعض مفكري الحركة، مثل الدكتور عبد المجيد النجار ومحسن الميلي، وعندما تولى "ابن علي" السلطة، أفرج عن رموز الحركة في البداية واضطر قادتها في 8 فبراير 1989، أن يتقدموا بطلب تأشيرة للسماح للحركة بمزاولة نشاطها تحت اسم جديد هو "حزب النهضة" تمشياً مع قانون الأحزاب، لكن سرعان ما غيرت السلطة موقفها، وسارعت إلى القبض على الكثير من شباب الحزب وأودعتهم السجون، واضطُر الكثيرون من رموز الحركة إلى الفرار بدينهم إلى خارج البلاد بعد مصادرة نشاطها.

صلاح الجورشي
صلاح الجورشي
يقول الدكتور صلاح الجورشي أحد أعضاء الحركة بتونس، وهو يؤرخ لنشأة الجماعة الإسلامية في تونس في بداية السبعينيات الميلادية التي كان الغنُّوشي أميراً لها: 
 لم يكن خطاب "الجماعة" في البداية إخوانياً صرفاً، بل كان خليطاً من السلفية والتصوف، وشيئاً مما كتبه مالك بن نبي الذي التقت به عناصر من النواة الأولى للجماعة في مطلع السبعينيات، وتحاورت معه في بيته قبل أن يوافيه الأجل بحوالي سنة، وهذا التمازج بين مصادر متعددة للفكر الإسلامي، يفسر إلى حد ما المرونة التي ميزت العمل في الجانب التنظيمي، حيث سعت المجموعة في البداية إلى افتكاك موقع داخل جمعية المحافظة على القرآن الكريم لتتخذ منه غطاء قانونياً، ثم لما فشلت المحاولة، تبنت الجماعة طريقة " جماعة التبليغ " التي تتمحور حول الوعظ بالمساجد، وتحريض المتعاطفين إلى الخروج إلى الناس ودعوتهم إلى الإيمان والصلاة، غير أن هذا التنوع في عناصر الخطاب سرعان ما تراجع لصالح أدبيات حركة " الإخوان المسلمون "، التي كان يطلق عليها كبرى الحركات الإسلامية في منطقة الشرق الأوسط والعالم الإسلامي. 

سيد قطب
سيد قطب
أما فكر سيد قطب فيحتل المكان الأعلى في نظر أبناء الحركة الإسلامية في تونس خلال سنوات التكوين الأولى، يقول الدكتور صلاح عن هذا الفكر بأنه  كان المصدر الرئيسي لثقافة الجماعة، بل إن الغنُّوشي نفسه يعترف بهذا الارتباط بجماعة الإخوان المسلمين من البداية  بقوله" كنا ننظر لسيد قطب، البنا، المودودي .. هؤلاء شيوخنا، لأنهم حملوا اللواء لواء الإصلاح الإسلامي، ولكن ما الذي يجعلنا نحترم رموز الموروث الديني الموجودين في بلادنا؟ أنا أقرأ الظلال، ولكن ما الذي يجعلني أقرأ التحرير والتنوير؟ لم أكن أبحث عن العلم كعلم.. المكتبات مملوءة بالعلوم الدينية، كنت أبحث عن رمز، عن أداة نضالية، عن شخص أقتدي به كمُصلح يخوض المعركة ضد العلمنة وضد الفساد.. ويضيف " كنت أقرأ وأكاد أحفظ عن ظهر قلب الظلال لأنه عندما أقرؤه كان يملؤني حماساً، كنت أشعر بأنه يعطيني نظارات أنظر بها إلى هذا العالم، وأحلل به الواقع العالمي، ولكن ماذا يعطيني التحرير والتنوير غير ما يعطيني إياه الرازي وابن كثير؟ يعطيني مادة لغوية، يعطيني رؤية عن إسلام ليس هو الذي أعيشه.. هذا قرآن معلق وليس قرآناً يمشي على الأرض.

النهضة والإخوان المسلمون

النهضة والإخوان المسلمون
لم تولد "الجماعة الإسلامية بتونس" في السرية، كما حصل مع حزب التحرير الإسلامي فيما بعد، بدأت الخطوات الأولى علنية، تحت أنظار الجميع، من خلال خطب وحلقات في المساجد، مقالات في الصحافة، محاضرات في المدارس ونوادي الشباب، كما أن المؤسسين كانوا يتحركون دون تخف، يدعون لأفكارهم دون تقية، ويثيرون اهتمام الرأي العام المسجدي والشبابي بخطابهم الثقافي الجديد وأحياناً الغريب، خاصة عندما اختلط بمضمون وأشكال جماعة التبليغ، مشيرًا إلى أن هذا الخطاب في بدايته مزيجاً من العناصر الفكرية المتنوعة بتنوع تكوين العناصر المؤسسة، لكنه في عمومه كان يجنح إلى التفسير الأخلاقي للقضايا، أي تفسير الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بعناصر ثلاثة هي: فساد أخلاق الأفراد والأمة، ابتعاد التونسيين عن مرجعية الإسلام وقيمه وقوانينه، نقد الغرب والتصدي لتقليده والتشبه به. 
ويري باحثون أن الغريب أنه بقدر ما كان ذلك الخطاب سطحيًا في بعض أطروحاته وضعيفاً في بنائه الداخلي، فإن تأثيره في تلك المرحلة كان سريعاً وواسعاً، إن دل هذا على شيء فإنه يدل من جهة على تآكل الخطاب الرسمي وانعزاله عن الشباب والعامة، ومن جهة أخرى كشف عن عزلة النخبة و"الطبقة السياسية" عن الرأي المستبطن في الأعماق، فالخطاب الحركي لتلك الفترة كان يستمد " قوته " وتأثيره من تآكل شرعية الدولة، وتعاظم شعور الأفراد بأزمة نمط ما بعد الاستقلال، وفشل الخطاب المقابل في الوفاء بوعوده في الحرية والعدالة، سواء على المستوى الرسمي أو النخبوي، فلم يكن هناك سوى خطاب وحيد يملك بعض مقومات المواجهة، خاصة داخل الفضاء الجامعي، إنه الخطاب اليساري الماركسي، وهو يفسر حدة الصراع الذي انفجر منذ ظهور الإسلاميين في أروقة البيوت الجامعية والكليات والمعاهد العليا، التي كان يعتبرها اليساريون في مطلع السبعينات بمثابة معاقلهم المحررة. 
غير أن هذا التنوع في عناصر الخطاب، سرعان ما تراجع لصالح أدبيات حركة "الإخوان المسلمين"، التي كان يطلق عليها كبرى الحركات الإسلامية في منطقة الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، ويعود ذلك إلى اعتبارات متعددة، فإضافة إلى التأثير الشخصي لأدبيات الإخوان على بعض المؤسسين، كانت هناك جوانب أخرى  أبرزها كما يرى سليمان الخراشي الكاتب السعودي في عدة ملاحظات منها: 

الإخوان المسلمون
كان التدين في تونس عند مطلع السبعينيات متقلصًا ومتقوقعًا، فالمساجد مقفرة أو تكاد، والنشاط الديني منعدم أو محدود، وكان التدين يومها أنواعاً، منها الدين الرسمي المنحصر في شخص المفتي ونشاطه البروتوكولي والشكلي، إضافة إلى إدارة تابعة للوزارة الأولى تُعنى بشئون المساجد، ومن جهةٍ تديّن شعبي أغلبه طُرقي وخُرافي، وهناك تدين زيتوني أزيح من الحياة الثقافية، واعتزل مشايخه الحياة العامة بعد إحالتهم إلى المعاش، من هذين الوسطين انحدر أغلب العناصر المكونة للجماعة، الذين تكونوا في معاهد تعليم عصرية، أريد منها أن يكون خريجوها "علمانيين"، فإذا بهم يشتبكون مع الأوساط العلمانية والزيتونية والطرقية، ويبحثون عن زاد معرفي من خارج الدوائر التونسية 
شكَل "الإخوان المسلمون" تجربة اكتسبت إلى حد ما أهمية تاريخية، من حيث بنائها التنظيمي والأيديولوجي، وكانت في مرحلة سابقة تعتبر في مقدمة الحركات الإسلامية السنية التي رفعت شعار "شمولية الإسلام" وحاولت تجسيده في صيغة تنظيمية شمولية، خلافاً لدعوات أخرى ركزت جهودها على جانب دون آخر. 
كان الإخوان أيضاً أكثر الحركات التي ألحّت على القول بأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يجب أن يتم ضمن جماعة تجعل من الإسلام منهج حياة، وهو ما يقتضي تجاوز العمل الفردي المحكوم عليه بالفشل، أو الانحصار داخل دائرة التأثير المحدود، وخلق آليات العمل الجماعي، بما في ذلك من إعادة صياغة الأفراد وتربيتهم حسب متطلبات الحياة الجماعية الجديدة. 
زاد ذلك في دعم حضور الحركة بوجدان النواة الأولى المؤسسة، صورة البطولة والصمود والشهادة سواء في المعارك التي خاضتها كتائبهم عام 1948 ضد الصهيونية، أو كانت تحيط بالإخوان داخل سجونهم وفي مختلف محنهم وصراعاتهم، وهي صور كانت تنقل إلينا من خلال الشهادات التي ترويها بتفصيل مثير وفي مناسبات عديدة مجلة " الدعوة "، أوفي بعض الكتابات الذاتية التي طُبعت في هذا الشأن.
وهكذا اكتملت مقومات التأثير والاستقطاب الثلاثة، العامل الأيديولوجي في مرحلة صعود الأيديولوجيات الشمولية، والعامل التنظيمي ممثلًا في الانخراط في تجربة جاهزة وخبرة ترجع إلى أواخر العشرينيات، وعامل القدوة المحرضة على الالتزام الأخلاقي والشجاعة الأدبية والتضحية في سبيل فكرة والصمود عند المحنة. 

الحبيب بورقيبة
الحبيب بورقيبة
هذا الانتماء غير المدروس والمتعجل أسهم بشكل قوي في وقوع الجماعة  في نوع من الاغتراب المحلي، فالعناصر الأولى لم تتلق ثقافة أولية تربطها بالواقع الثقافي التونسي، وتحدد لها علاقتها بتاريخ تونس الحديث، بدءاً من الحركة الإصلاحية وصولاً إلى العهد البورقيبي، مما كان له التأثير السيئ على علاقة الأفراد المنتمين ببيئتهم الثقافية والسياسية، ومما دفع إلى ظهور عوامل الاختلاف والافتراق. 
أما الجانب الآخر الذي لا يقل أهمية أن النواة الأولى التي تولت استقطاب وتكوين العناصر الموالية لم تكن متسلحة بعقلية نقدية تمكنها من التعامل مع تراث الإخوان بموضوعية وحذر، كان الانبهار والاستهلاك السريعان غالبين في عملية استيعاب الأدب الإخواني وترويجه. 

حسن البنا
حسن البنا
وكان حسن البنا بمثابة الشخصية التاريخية في نظر سليمان الخراشي، التي استشهدت لأنها حاولت أن تعيد إحياء الإسلام، ونجحت في بناء نموذج جديد من العمل الإسلامي، في ظل رهانات وموازنات محلية ودولية لها خصائصها التاريخية المدهشة، كانت إلى جانب ذلك كتابات سيد قطب وشقيقه الأصغر محمد الأكثر تأثيراً على المجموعة الأولى التي شكلت قاعدة التنظيم في المستقبل، لم يكن الأمر من باب الصدفة، وإنما لارتباط ذلك بالصراع الأيديولوجي الذي بدأت تشهده الجماعة، خاصة الأساتذة والطلبة منهم، بالخصم الشرس ممثلاً في اليسار الماركسي، فالأيديولوجيا لا تواجه إلا بأيديولوجيا منافسة وقادرة على الرد "الحاسم"، وإذا كانت كتابات محمد قطب قد تناولت " الرد " على الشبهات المهددة للفكر الديني التي يروجها خصوم الحركة، مع محاولة بلورة ما اعتبر " بدائل إسلامية" .
وبعد انفصال الإسلاميين التقدميين عن جماعة الإخوان، استمرت الجماعة في خط سيرها دون أن تتأثر تنظيمياً بذلك الانفصال، وقام أميرها الشيخ راشد الغنُّوشي بقيادتها إلى بر الأمان – كما يقال - إلا أن ذلك الانفصال لم يمر دون أن يحدث هزة فكرية في بعض رموز حركة الاتجاه الإسلامي، وعلى رأسهم الغنُّوشي.
وفي هذا يقول الدكتور صلاح: "كانت قيادة  الجماعة الإسلامية تخشى أن يؤدي انسحاب التيار النقدي من صفوفها أواخر السبعينيات، إلى تصدع التنظيم برمته، وأن يتمكن المفارقون لخط "الجماعة " من التأثير على عدد كبير من الأعضاء، ولكنها عندما تأكدت من أن عدد المنسحبين لم يتجاوز العشرات أغلبيتهم من أبناء العاصمة، اطمأنت قليلاً، واكتفت في البداية باتخاذ سلسلة من الإجراءات التنظيمية الاحتياطية حتى تحول دون تسرب الأفكار التمردية داخل بقية الجسم، لكن رغم أن عملية الانشقاق حسم أمرها دون أن تحدث ارتباكاً يذكر على المستوى التنظيمي، إلا أن آثارها بقيت محل سجال ومناقشة، وبرغم الجهود التي بذلت يومها للتقليل من أهمية مجموعة "الإسلاميين التقدميين" وإحاطة أفكارهم وتوجهاتهم بالكثير من الغموض والشكوك والطعون في الأشخاص والمفاهيم إلا أن عملية الانشقاق المبكر مثلت استفزازاً هائلاً للصف الداخلي ولمستنداته الفكرية والأيديولوجية، ومنذ اللحظة ولد إحساس داخل "حركة الاتجاه الإسلامي" بأن أشياء كثيرة في حاجة إلى المراجعة، وأن الجسم لم يعد طيعاً كما كان الشأن من قبل، مما مهد السبيل لتكرر محاولات الإصلاح من الداخل، ومعظمها خلّف وراءه ضحايا وتوترات، إذ لم تمض سوى فترة وجيزة عن تنصيب قيادة جديدة في العاصمة حتى حصل تململ جديد انتهى إلى خلافات شديدة حول أسلوب العمل مع القيادة المركزية، إذ حاول الفريق الذي عين بطريقة تعسفية وانقلابية، لإدارة النشاط كبديل عن الهيئة القيادية التي تم عزلها، وأن يعمل بنوع من الحرية في إعادة تشكيل النشاط، فإذا به يواجه بنوع من الوصاية البيروقراطية حالت دون إحداث تطور فعلي في العقلية التنظيمية، ما جعل المسئول الجديد يعلن استقالته ويدرك بعض الأسباب الحقيقية للخلافات السابقة. 

الإخوان المسلمون
بعد ذلك تولت مجموعات طلابية ممارسة الضغط في مناسبتين على الأقل، الأولى كانت في عام 1981 والثانية عام 1983، ورغم النتائج المحدودة التي حققتها المحاولتان، إلا أن ذلك ساهم في تعميق الحيرة الفكرية والسياسية البناءة داخل الجسم العام، وأدى إلى توسع ظاهرة ما يسمى يومها بـ"الإسلاميين المستقلين " الذين انسحبوا بشكل فردي وحافظوا على بقائهم خارج التنظيمات، مشيرًا إلى أنه أمام هذا الغليان الفكري والروح النقدية المتحررة اللذين أخذا يتسعان ويخترقان جسم الحركة الإسلامية بمختلف مستوياتها، وجدت قيادة "حركة الاتجاه الإسلامي" نفسها مدعوة للتفاعل مع هذه الحالة الفكرية الجديدة، وذلك بانتهاج سياستين متعاكستين، من جهة التخلي التدريجي عن جزء هام من المنظومة الفكرية لحركة الإخوان المسلمين، وتم ذلك بنقد اطروحات سيد قطب، أو تبني شعارات المرحلة خاصة على المستوى السياسي مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان ومشاركة المرأة في العمل السياسي ونبذ العنف كوسيلة للتغيير والانفتاح على بقية الأحزاب السياسية بما في ذلك الحزب الشيوعي. لذلك وقعت المطالبة بأن "تستعيد الجماهير حقها المشروع في تقرير مصيرها، بعيداً عن كل وصاية داخلية أو هيمنة خارجية وذلك بإقرار حق كل القوى الشعبية في ممارسة حرية التعبير والتجمع وسائر الحقوق الشرعية "، كما اعتبر رئيس الحركة أن الاستبداد لم يأت عن طريق العملاء الغربيين، إنه عميق في تاريخنا وتفكيرنا وثقافتنا.. إن المسلم كان منسحقاً سياسياً أمام السلطات، وعقائدنا أمام الجبر، وإرادياً أمام رجال الصوفية، وفكرياً أمام رجال المذاهب. 

حركة النهضة - التنظيم

حركة النهضة -  التنظيم
النظام الأساسي للحركة ينص على أن حركة النهضة حزب سياسي وطني ذو مرجعية إسلامية، يعمل وفقا لأحكام المرسوم 87 لسنة 2011، وفي إطار النظام الجمهوري على الإسهام في بناء تونس الحديثة، لترسيخ قيم المواطنة والحرية والمسئولية والعدالة الاجتماعية والنضال من أجل تحقيق وحدة المغرب العربي .
يعتمد الحزب التداول على المسئولية والديمقراطية في اتخاذ القرارات والتكليف بالمسئوليات ووضع الرؤى والبرامج.
تعمل حركة النهضة على حماية الاستقلال الوطني، واستكمال أبعاده وتنمية مكتسباته وصيانة الوحدة الوطنية وتفعيل وحدة المغرب العربي ودعم التوجهات الوحدوية بين الشعوب العربية والإسلامية، والإسهام في ترسيخ ثقافة الوسطية والاعتدال وتجذير الهوية العربية الإسلامية، كذلك تكريس مبدأ سيادة الشعب عبر بناء الدولة الديمقراطية، المدنية، العادلة والعمل على تحقيق المساواة بين المواطنين وتطوير بنى المجتمع المدني وتحرير آلياته لأداء دوره الكامل في الإسهام في التنمية الشاملة.
تحقيق الحريات العامة والفردية والعدالة باعتبارها قيما محورية في تجسيد معنى تكريم الله للخلق وتحقيق انسانية الإنسان وتكريس حقوقه وتأكيد التعددية السياسية وحرية الإعلام والصحافة وإطلاق حرية الإبداع، كذلك النهوض بواقع المرأة وتفعيل دورها والعمل على حفظ كيان الأسرة ودعمه، وتوفير الظروف الملائمة لرعاية الطفولة والشباب تنمية وإعدادا للمستقبل.
المؤتمر العام هو أعلى سلطة في الحزب، ويتكون من نواب عن المنخرطين حسب نسب وتمثيلية يحددها مجلس الشورى يضاف إليهم رئيس الحزب ورئيس مجلس الشورى.

"النهضة" والتنظيم الدولي

مصطفى مشهور
مصطفى مشهور
العلاقات التنظيمية والفكرية بين حركة "النهضة" التونسية وجماعة الإخوان في مصر تعود إلى سنوات التأسيس الأولى، حين كانت تسمى الجماعة الإسلامية، ففي موسم الحج سنة 1973 توجه أحد قادة الجماعة، وبايع المرشد العام لجماعة الإخوان وكان حسن الهضيبي آنذاك.
ومع تأسيس التنظيم العالمي لجماعة الإخوان المسلمين رسمياً سنة 1982 على يد المرشد الخامس للجماعة مصطفي مشهور، انخرطت حركة الاتجاه الإسلامي عضواً ناشطاً في التنظيم يمثلها أميرها الشيخ راشد الغنوشي.
واضطلع الغنوشي بدور محوري في أوروبا والمغرب العربي لصالح التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، والذي بدا بشكل مبكر ومنذ بدايات نشأة الحركة الإسلامية في تونس، وفي شهادة قدمها الشيخ عبدالكريم مطيع الحمداوي، مؤسس الحركة الإسلامية بالمغرب الأقصى ونشرت في مارس الماضي، اتهم فيها الغنوشي "بالعمل على اختراق الحركة الإسلامية في المغرب بتكليف من جماعة الإخوان المسلمين نهاية السبعينيات، من القرن الماضي والتجسس لفائدة التنظيم العالمي للجماعة"، على حد قوله.

الشيخ عبدالكريم مطيع
الشيخ عبدالكريم مطيع الحمداوي
وقال الشيخ عبدالكريم مطيع الحمداوي في مقال له، نشرته يومية "هسبرس" المغربية ضمن سلسلة حول تاريخ الحركة الإسلامية بالمغرب الأقصى: "إن جماعة الإخوان المسلمين كانت ترسل الغنوشي في رحلات تفقدية من أجل استجلاء الأوضاع بكل من الجزائر والمغرب، واقتراح الحلول والخطط الخاصة بالتعرف على الفصائل الإسلامية القائمة بها ومحاولة استقطابها، وفي هذا الاتجاه أرسل راشد الغنوشي إلى الجزائر عقب اعتقال محفوظ النحناح، فأجرى عدداً من الاتصالات بالمجموعات الإسلامية على اختلاف مشاربها، ثم قدم للتنظيم تقريراً مكتوباً ومفصلاً لرحلته في أكثر من خمسين صفحة اقترح عليه فيه أسماء تخلف النحناح أثناء اعتقاله.
ويري باحثون أن العلاقات التنظيمية بين التنظيم العالمي لجماعة الإخوان المسلمين وحركة "النهضة" التونسية، هي "علاقة فرع بالأصل وقد سبقتها علاقات فكرية ومنهجية متينة، حيث لم تقلد النهضة في تونس الأدبيات النظرية الدينية للتنظيم الدولي للإخوان فحسب ولم تعتمد فحسب على أساليب مخطط تكوين الفرد والجماعة ونظام الأسرة المعتمد، ولكنها اعتمدت كذلك كل وسائل التنظيم الدولي في التمكين والوصولية والاندساس في أجهزة الدولة ومكونات المجتمع المدني والجامعات، فقد كان نفس الأسلوب متبعاً تقريباً في الجامعات المصرية والتونسية وفي أجهزة الدولة والإدارات، كانت كلمة السر في كل من تونس والقاهرة وعواصم عربية أخرى ينتشر فيها الإخوان هي الاندساس في شرايين الدولة".
وتعلم التنظيم الإخواني التونسي أساليب اختراق الأجهزة الأمنية من جماعته الأم في القاهرة، وساعد قادة التنظيم العالمي توابعهم في تونس على المضي قدماً في خطة اختراق المؤسسة الأمنية والعسكرية في منتصف الثمانينيات، والتي انتهت بفشل ذريع عقب أحداث انقلاب 8 نوفمبر 1987 الفاشل".

المرتكزات الفكرية

المرتكزات الفكرية
الإسلام والمرأة
يري راشد الغنوشي أن الإسلام يحمي حقوق المرأة ويرفض ممارسة العنف ضدها، معتبرا أن الإجراءات التي كان يقوم بها النظام التونسي بدعوى حماية حقوق المرأة  ثبت فشلها.
وإبان عهد "ابن علي" اعتبر الغنوشي أن المرأة تعرضت للعنف داخل المجتمع، ومن جانب الدولة التي تعتدت على حرية المرأة في ارتداء الحجاب، في الشارع وفي الدراسة وفي العمل، بل حتى داخل المستشفيات، حيث يتم التعامل مع المرأة المريضة المحجَّبة بعنف، مشيرًا إلى أن المرأة التونسية عانت  مشكلات اجتماعية، وفي مقدمتها قضايا التحرش الجنسي، والذي لا يعد جريمةً حتى الآن في نظر القانون التونسي، على الرغم من تزايده بصورة كبيرة، وتسبُّبه في إصابة النساء اللاتي يتعرضن له بأمراضٍ نفسية تتطلب إدخالهن المصحات لتلقي العلاج، كما تشير التقارير غير الحكومية والدولية إلى أن المرأة التونسية تتعرَّض للعنف والإهانة والإرغام على الطلاق.
الحرية في الإسلام
أوضح الغنوشي أن دستور المدينة يقدم سابقة مهمة لتأسيس الدولة على مبدأ المواطنة، إذ ميزت "الصحيفة" بين الدين والمواطنة، فاعتبرت "المهاجرين والأنصار ومن لحقهم أمة من دون الناس"، أمة العقيدة، واعتبرت اليهود بتعدد قبائلهم "أمة من دون الناس"، أمة العقيدة، ثم جمعت هؤلاء وأولئك ووصفتهم بـ"أنهم أمة من دون الناس" هي أمة السياسة، على أساس الاشتراك في المواطنة، فضلًا عن أن النموذج التاريخي للدولة الإسلامية الذي تأسس على شرعية الفتح قد انهار وحلت محله دول قطرية، على أساس الاشتراك بالتساوي في المواطنة.
المرأة والعمل العام
يري الغنوشي أن الأصل في نظرة الإسلام إلى الجنسين المساواة، والتفاضل ليس بالجنس ولا باللون وإنما بالتقوى والعمل الصالح والكفاءة، ولا يخل بمبدأ المساواة توزيع الأدوار وتكاملها، وإنما الحضارة الحديثة هي التي استحدثت بنظرتها المادية للإنسان خللًا بين الأدوار، فجعلت للإنتاج الاقتصادي المكانة والميزان الأرفع وحطت من الأدوار الأخرى مثل الرعاية الاجتماعية، رعاية البيت والطفولة.

أهم الشخصيات:

راشد الغنوشي
راشد الغنوشي
راشد الغنوشي
ولد المفكر راشد الغنوشي عام 1941 في تونس، وبعد دراسته الدينية عمل مدرسا لفترة " نفس طريق حسن البنا" بعدها سافر لمصر للدراسة، ثم الى سوريا وحصل على اجازة في الفلسفة وعاد الى تونس في ستينات القرن الماضي حيث كانت الدولة البورقيبية ثبتت أقدامها وترسخت علمانيتها، وفي السبعينيات بدأ تأثيره يظهر بقوة في أوساط الجامعات والطبقات الفقيرة المتدينة، حيث كانت خطبه النارية ضد إسرائيل ومطالبا بتطبيق الشريعة الإسلامية، وشكل مع بعض رفاقه منهم المفكر الإسلامي عبد الفتاح مورو مجموعة تحت اسم "الجماعة الإسلامية"، وعقدت أول اجتماعاتها الرسمية في أبريل 1972، ثم تغير اسمها إلى "حركة الاتجاه الإسلامي" التي سرعان ما شكلت خطرًا على النظام، ليتم القبض على الشيخ الغنوشي ويُحكم عليه بالسجن لمدة 11 عامًا، ثم بالأشغال الشاقة المؤبدة في 1987، وخلال وجوده بالسجن خاضت الحركة الانتخابات التشريعية في 1988، وحصلت على 13% من أصوات الناخبين.
"غنوشي" لندن في مواجهة "غنوشي " تونس!
ويري متابعون أن الغنوشي حاول خلال فترة وجوده بالخارج أن يظهر بشكل أكثر ليبرالية، وقدم مفرادات وخطابات تنافس الليبراليين، إلا انه حينما عاد لتونس قدم خطابات متشددة، معتبرين انها تكشف عن الوجه الحقيقي للغنوشي.
وجاء في تقرير موسع نشرته صحيفة "العرب" اللندنية، أن العديد من التّصريحات التي أدلى بها الغنوشي أوائل عام 2011، سعى فيها أن يوهم خصومه السياسيّين بأن سنوات المنفى الطويلة غيّرته إيجابيّا، وجعلته يتخلّى عن توجّهاته، وعن أفكاره المتشدّدة التي تميّز بها في الثمانينات والتّسعينات من القرن الماضي،  كما حاول أن يوهم الغرب بأن حركة النهضة التي يتزعّمها سوف تكون بعد "ثورات الربيع العربي" شبيهة بالأحزاب المسيحيّة الديمقراطيّة، أي أنها تقبل باللعبة الديمقراطيّة، وبالتداول على السلطة، وتلتزم بعدم النّيل من المكتسبات التي تحقّقت للمجتمع التونسي بعد الاستقلال، خصوصا ما يتعلّق بحقوق المرأة وبدورها في المجتمع، غير أن واقع الحال سرعان ما يأتي لنا بما يلغي هذه الصّورة الورديّة له ولحركته.
نوه التقرير إلى أنه طوال العقدين اللذين أمضاهما في لندن، لم يقم الغنوشي بأي شيء يدلّ على أنه كان يرغب في الاطلاع على تاريخ بريطانيا، ولا على الاستفادة من دساتيرها ومن مفكّريها وفلاسفتها ومثقّفيها، كما أنه لم يبذل أيّ جهد ليتعلّم لغة شكسبير، لذلك يمكن القول إنه عاش على هامش الحياة البريطانيّة، محشورا في "جيتو" لجوئه السياسي فلا يستهويه الحديث والعيش إلا مع الذين يشبهونه دينيّا وفكريّا الفارين مثله من أحكام قضائيّة ثقيلة صادرة في حقّهم، كما أن الصور التي أُخذت له في شوارع لندن تظهره مرتديًا ثيابًا قاتمة اللون تزيده تجهّما وعبوسًا وانغلاقًا على نفسه، بالرغم من أنه دأب قبل فراره إلى المنفى البريطاني على التهجم على الغرب وحضارته وعلى أنظمته الفكرية والفلسفيّة والسياسيّة.
إلا أن  الغنوشي في حواره مع قصي صالح درويش بلندن عام 1992 يتملّص من مواقفه العدائيّة تجاه الغرب مشيرا إلى أنّ الغرب ليس فقط غازيًا ومحتلا، أو مبشّرًا، أو مؤسسة إعلامية متحاملة أو مؤسسات اقتصادية تقوم على استغلال ثروات الشعوب الأخرى، وإنما هو "فكر تحرري وتجربة ثورية تحررية وتقدم علمي وتطوير للصحة، ولمعلومات الإنسان عن الكون وعن الأنفس"، ولم يكتف الغنوشي بهذا المديح، وهذا الإطراء لغرب كان يعتبره "شيطانا رجيما"، بل زاد فقال منقلبا على أفكاره السابقة من دون أن يرف له جفن: "لم يصدر عني موقف لا مكتوب، ولا منطوق فيه حرب وتشنيع على الفلسفة الغربية".
وفي الحوار نفسه مع قصي صالح درويش يواصل الغنوشي اللعب على الحبال، وتغيير الأقنعة والتقلب في المواقف ليدافع عن التعددية الفكرية، إلا أنه لا يلبث أن يتخلى عن موقفه المتفتح هذا ليعلن من دون تردد أو مواربة، وناطقًا بما يحاول إخفاءه خلف الأقنعة التي يتقن استعمالها بحسب الظروف، والمصالح: "يمكننا أن نُخرج من الأدب الإسلامي كثيرًا مما أنتجه مسلمون، فمعظم ما أنتجه الشعراء العرب في العصر الأموي، الفرزدق وجرير، لا يندرج ضمن الأدب الإسلامي لما فيه من تملّق وتهييج للغرائز البدائيّة ونفاق وتفاخر بالقبائل".
اختتم التقرير بقوله "المتتبع لمسيرة راشد الغنوشي، منذ ظهوره مطلع الثّمانينات من القرن الماضي، وحتى الآن سرعان ما يتبين أن هذا الرجل لا يثبت على موقف، وأنه يسرع في تغيير آرائه بحسب ما تقتضيه الظّروف والمناسبات والمصالح، كما أن الفيديو المسرب مطلع عام 2013، والذي حرض فيه أنصاره على ضرورة التمكن من الاستيلاء على أجهزة الدولة الحساسة  يكشف عن مخططه الحقيقي الذي لم يتخل عنه أبدا، ألا وهو تدمير المشروع الإصلاحي الحداثي الذي تميزت به تونس منذ منتصف القرن التاسع عشر، بهدف إقامة نظام ديني يتماشى مع أهوائه وأفكاره وأطروحاته الأصولية.
وفي حواره مع صحيفة الشرق الأوسط مؤخرا اعتبر الغنوشي بقوله " الغرب ينظر لـ"النهضة" على أنها عنصر استقرار، لأن الحركة احترمت العلاقة مع أوروبا، لأن أكثر من 85 في المائة من مبادلاتنا مع الاتحاد الأوروبي، كما أن العلاقة التاريخية قديمة بين ضفتي المتوسط، لذا رأت النهضة أنه يجب أن تستمر هذه العلاقة، ولذلك خلال السنتين الماضيتين لم تتأزم العلاقة مع أوروبا، بل تطورت من اتفاقية شراكة عادية في عهد بن علي إلى اتفاقية شراكة متقدمة خلال عهد الترويكا بقيادة "النهضة" العلاقة تطورت بسبب تقدم تونس على مسار الانتقال الديمقراطي، وبسبب أن نجاح هذا المسار هو مصلحة مشتركة لتونس وجيراننا الأوروبيين. 
نوه إلى أن الرؤساء والمسؤولون الأوروبيون الذين زاروا تونس خير شاهد على دعم أوروبا لتونس، كما ان  حكم النهضة كذب في الحقيقة الادعاءات التي كانت تتردد بأن حكم الإسلاميين حكم جامد، وبأنهم سيلغون الديمقراطية وسيفرضون نمطا من العيش المنغلق، ويفرضون الحجاب، ويمنعون دور اللهو والغناء والسينما والشواطئ، الذي حصل بعد سنتين كذّب كل هذا، فالإسلاميون برهنوا على أنهم ديمقراطيون، وأنهم أيضا مع التداول على السلطة وليسوا متشبثين بها، والدليل على ذلك أنهم خرجوا من السلطة دون حتى انتخابات، وذلك من أجل مصلحة البلاد، أيضًا حكموا وتحالفوا مع حزبين علمانيين، وبرهنوا على أن الإسلاميين والعلمانيين يمكن أن يحكموا مع بعضهم بدل التحارب والتقاتل، فالتونسيون لم يشعروا بأن هناك نمط عيش يفرض عليهم، فالمرأة تختار نمط حياتها، ودور اللهو لم يَجر إغلاقها، وما تغير فقط أن غطاء الرأس كان ممنوعا في عهد بن علي، وأصبح ممكنًا في عهد النهضة، وبقيت المرأة حرة في ملابسها، الشواطئ ظلت مفتوحة، واستقطبت تونس ستة ملايين سائح، والذي يريد كذلك أن يتعامل مع البنك الإسلامي له الحرية، كذلك الشأن مع البنك غير الإسلامي. 

الإخوان المسلمون
وعلق الغنوشي على خروج الإخوان من الحكم بقوله "قد يكون الإخوان ارتكبوا أخطاء في قراءاتهم للوضع، وفي قراءاتهم لموازين القوى وعدم مراعاتهم لدور الآخرين، لكن الأخطاء في الديمقراطية واردة، وإصلاحها لا يكون من خارج الديمقراطية وإنما من داخلها عبر الانتخابات، وفي كل الحالات، الأوضاع مختلفة بين تونس ومصر، في الموقع الجغرافي، الموقع الجغرافي المصري غير الموقع الجغرافي التونسي، مصر في منطقة حساسة، تونس موقعها مهم ولكن ليست بنفس الأهمية، أيضا الوضع السكاني، تركيبة السكان هنا في تونس دين واحد ومذهب واحد، فلا توجد طوائف، كما أنه في سوريا هناك طائفة موالية، لكن في تونس لا توجد كتلة صماء مع الحاكم، هنا التركيب السكاني ليس مهيكلًا، والنواب في البرلمان ينتقلون من حزب إلى حزب كسياحة، وصورة النهضة منذ سنة غير صورتها الآن، فقد تحسنت بسبب مواقفها، هذا هو المجتمع التونسي الذى تظهر فيه مرونة.  
الإخوان المسلمون
من أهم مؤلفاته 
مقالات: نشر دار الكروان بباريس 
الحركة الإسلامية والتحديث: بالاشتراك مع حسن الترابي، دار الجيل بيروت. 
المرأة المسلمة في تونس بين توجيهات القرآن وواقع المجتمع التونسي، دار القلم بالكويت. 
طبيعة المشروع الصهيوني وضرورة التصدي له، شركة الزاد، أسبانيا.
حقوق المواطنة: حقوق غير المسلم في المجتمع الإسلامي، نشر المعهد العالمي للفكر الإسلامي، بأمريكا.
الحريات العامة في الدولة الإسلامية.
من أفكار الشيخ التي صاغها في كتاباته وتصريحاته لوسائل الإعلام 
اليوم لم يعد الناس يخافون منّا، الحركة الآن تشهد إقبالًا من كلّ الفئات وسنفتح قريبا باب العضوية وتقديراتنا أنّه سيكون لنا مليون عضو، كلّ طبقات المجتمع مقبلة علينا، فلماذا نحتاج إلى تمويل من الخارج.
التنظيم لا مناص منه للحفاظ على المشروع ولكن مع الوقت حل التنظيم محل المشروع.
عالم السياسة ليس عالم الآراء الحرة ولكنه عالم الضروريات.
بمقدار قدرتنا على هدم الباطل بمقدار عجزنا عن إقامة الحق.
الأصنام تختفي إذا بزغت الفكرة. 

حمادي الجبالي
حمادي الجبالي
حمادي الجبالي
حمادي الجبالي ولد  في سوسة بتونس عام 1949، والتحق بكلية الهندسة في جامعة تونس ثم انتقل منها إلى جامعة باريس حتى بات مهندسا أولا في الطاقة الشمسية. 
والتحق بمؤسسات حركة النهضة التونسية وخاصة المؤتمر ومجلس الشورى منذ بداية الثمانينات، طالته حملة الاعتقالات التي شنها الحبيب بورقيبة ضد الإسلاميين في تونس، عُرف في الحياة السياسية التونسية بعد اعتقال القيادة التاريخية لـ"حركة الاتجاه الإسلامي" ومحاكمتها عام 1981. 
 انتخبه مجلس الشورى في سنة 1982 رئيسا للحركة، وتولى رئاسة تحرير جريدة الفجر - التي تعبر عن رأي حركة النهضة - قبل أن يحاكم إبان عهد الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي، بتهمة نشر مقالات تنال من الدولة وتحرض على العصيان والانتماء لجمعية غير مرخصة ومحاولة قلب نظام الحكم، فحكمت عليه المحكمة العسكرية سنة 1990 بالسجن ستة عشرًا عامًا نافذة، قضى منها عشر سنوات في السجن الانفرادي قبل أن يضرب عن الطعام سنة 2002 ثم أفرج عنه في فبراير 2006.
أثار الجبالي انتقادات العلمانيين وأحزاب تونسية أخرى عندما تحدث في خطاب جماهيري في سوسة عن "خلافة راشدة سادسة" وأوضح لاحقًا أنه يقصد البُعد الحضاري للخلافة وليس الخلافة بكل أبعادها، وقال "استعارة كلمة الخلافة الراشدة المقصود منه الاستلهام القيمي لتراثنا السياسي وحضارة المجتمع التونسي الذي ننتمي إليه ونعتز به والمشبع بمبادئ العدل والصدق والحرية والأمانة".
قال في خطابه: "يا إخوانى أنتم الآن أمام لحظة تاريخية، أمام لحظة ربانية في دورة حضارية جديدة إن شاء الله في الخلافة الراشدة السادسة إن شاء الله، مسئولية كبيرة أمامنا والشعب قدم لنا ثقته، ليس لنحكم لكن لنخدمه.

صالح كركر
صالح كركر
صالح كركر
 ولد في 22 أكتوبر 1948 في بوضر قرية في الساحل التونسي وتوفي في 18 أكتوبر 2012، هو سياسي تونسي.
أسس مع راشد الغنوشي في سنة 1981 حركة الاتجاه الإسلامي (التي أصبحت في 1989 حركة النهضة.
نفي الشيخ صالح كركر لمدة 18 سنة في فرنسا، وبقي فيها قيد الإقامة الجبرية ولكنه ترك حرا بسبب كونه لاجئا سياسيا.
رفع عليه قرار النفي والإقامة الجبرية في أكتوبر 2011 بعد شهرين من الثورة التونسية، ودخل تونس في 19 يونيه 2012 وشارك وقتها في المؤتمر التاسع لحركة النهضة. وانتخب بعد ذلك في 17 يوليه عضوا في مجلس شورى لحركة النهضة حيث توفي بعد ثلاثة أشهر من انضمامه للمجلس. يحمل درجة ثالثة من الدراسات المعمقة في الاقتصاد وشهادة الدكتوراة في الإحصاء.
من مؤلفاته "نظرية القيمة" و"النظام الاقتصادي في الإسلام".

علي العريّض
علي العريّض
علي الْعُرَيِّض
ولد في أغسطس  1955، عين وزير الداخلية في حكومة حمادي الجبالي من 2011 إلى  2013، ثم رئيس الوزراء في حكومته من 14 مارس 2013 إلى 29 يناير 2014 هو مهندس في الشحن البحري وصاحب خبرة في مجال النقل، ورئيس الهيئة التأسيسية وعضو المكتب التنفيذي لحركة النهضة، وشغل كل الوظائف القيادية بالحركة.
له إسهامات ومقالات في إطار هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات وعدد من المحاضرات في ملتقيات حقوقية وسياسية، وكان سجيناً سياسياً في عهد زين العابدين بن علي.
أمضى علي العريض 15 سنة في السجن منهم 10 سنوات في السجن الانفرادي، رشحته حركة النهضة رسمياً في 22 فبراير 2013 لرئاسة الحكومة خلفاً للوزير الأول المستقيل حمادي الجبالي.

المنصف بن سالم
المنصف بن سالم
المنصف بن سالم 
من مواليد 1 فبراير 1953، ترشح لانتخابات المجلس الوطني التأسيسي التونسي عن حركة النهضة، وفاز بذلك، ثم عين وزيرا للتعليم العالي في حكومة حمادي الجبالي ثم في حكومة علي العريض.

الإخوان المسلمون
صلاح الدين الجورشي
انتمى في السبعينيات إلى الجماعة الإسلامية وخرج عنها في نهاية السبعينيات، ليكون أحد مؤسسي تيار اليسار الإسلامي، انتمى إلى الهيئة المديرة للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وهو يتولى فيها خطة نائب الرئيس.
أسس عام 1989 منتدى الجاحظ وما زال يتولى رئاسته، والمنتدى مفتوح أمام رجال الفكر من العرب وغيرهم للنقاش حول مختلف القضايا الفكرية.
أسهم صلاح الدين الجورشي في عدد من الصحف التونسية بدءا من مجلة المعرفة الإسلامية في السبعينيات ثم عمل في الثمانينيات في جريدة الرأي فمجلة المغرب العربي المستقلتين.

الإخوان المسلمون
أحميدة النيفر 
ينحدر إلى إحدى أهم العائلات العلمية والدينية بتونس العاصمة (آل النيفر) النيفر الحسيني أصله مدينة صفاقس ونسبه إلى الحسين بن علي، حصل على شهادة الدكتوراه، ويدرس حاليا بالجامعة الزيتونية.
كان من مؤسسي الجماعة الإسلامية بتونس التي سميت عام 1981 بحركة الاتجاه الإسلامي، خرج في نهاية السبعينيات عن الجماعة الإسلامية ليكون أحد مؤسسي تيار الإسلاميين التقدميين.

رؤية نقدية لحركة "النهضة"

رؤية نقدية لحركة
بعد حصول "النهضة" على تأشيرة العمل القانوني بفضل ثورة 14 يناير 2011، لم تطرح حركة النهضة التونسية برنامجًا جديدًا بل اكتفت بإعادة إصدار برنامج "حركة الاتجاه الإسلامي" الصادر سنة 1981، والذي كانت قد تقدمت به في أوائل عهد بن علي من أجل العمل القانوني، ورفضت رغم إمضائها على الميثاق الوطني سنة 1988.
ويرى مراقبون إن إبقاء حركة النهضة على البيان التأسيسي- تريد تحقيق هدفين رئيسيين وهما الحفاظ على وحدتها التنظيمية بين جناحي المهجر والداخل، إذ أن من بقي في الداخل التونسي لم يشارك بصفة فعلية في الحياة الفكرية للحركة كما فعل جناح المهجر في لندن وأوروبا عامة، وإيهام الشعب التونسي بأنها كانت دائما - منذ تأسيسها- حركة معتدلة وديمقراطية بدليل أنها تحتفظ ببيانها التأسيسي القديم حتى بعد حصول الثورة في تونس، إلا أن هذه الوضعية من ناحية أولى دليل على ازدواج الخطاب الإسلامي السياسي الذي يحاول ركوب الثورة الديمقراطية التونسية من أجل الالتفاف عليها لاحقا، ومن ناحية ثانية الحبل الذي يمكن أن تشنق الحركة نفسها به فيؤدي بها إما إلى افتضاح نواياها الحقيقية المعادية للديمقراطية أو إلى الانقسام والتشرذم الداخلي إذا عرف الديمقراطيون كيف يناضلون ضدها.
ويري الكاتب التونسي بيرم ناجي، أن ما يؤكد هذا الازدواج هوما يتم منذ 23 أكتوبر 2011 واعتلاء الحركة سدة الحكم مع شريكيها، طوال هذه المرحلة حاولت النهضة الذهاب بعيدًا في تطبيق استراتيجيتها الإسلامية وفشلت جزئيا بفضل تصدي مجمل القوى الديمقراطية لها، بعد أن حاولت ذلك مع إعلان الشريعة مصدرًا أساسيا في التشريع وفشلت في فرض ذلك، وحتى في إقناع حلفائها في "الترويكا الحاكمة"، كما تحاول ذلك في مسألة المساواة بين المرأة والرجل، عبر طرح صيغة التكامل بدل المساواة وحقوق الأطفال عبر رفض التبني وتضييق حقوق الأطفال، كذلك تورطت الحركة في أعمال أو تسترت عليها أقل ما يقال عنها إنها منافية لأبسط الممارسات الديمقراطية، وذلك مثل الاعتداءات المتكررة على المثقفين والمبدعين (نوري بوزيد، محمد الطبيب، يوسف الصديق، لطفي بوشناق، لطفي العبدلي الخ) وعلى معارض فنية (العبدلية) وعلى تظاهرات سياسية وقادة سياسيين (نجيب الشابي وسمير القنطار وغيرهم) وعلى بعض رجال الدين من أئمة وخطباء مساجد وعلى محلات تجارية.

الترويكا
الترويكا
نوه ناجي إلى أنه يعد سقوط حكومة حركة النهضة - الترويكا، وبعد إعلان الدستور – وهو في عمومه ديمقراطي وتقدمي رغم النقائص- تحولا هاما في تاريخ تونس ما بعد ثورة 14 يناير2011، وأول ما يجب تسجيله هو أن النتيجة لم تكن بإرادة حزب النهضة الإسلامي والترويكا  كما يحاولون الترويج، ولا حتى بإرادة المعارضة الداخلية وحدها أيضًا، ولكن نتيجة ظروف وموازين قوى داخلية وخارجية متشابكة ومعقدة.
ورصد ناجي بعض العوامل التي أدت إلى خروج النهضة من الحكم، ومنها تعطّل المساندة المالية لحكومة النهضة والترويكا من قبل أصدقائها قبل أعدائها مما عمق الأزمة، وذلك بسبب ترقب المانحين هدوء الوضعية من أجل الإقراض والاستثمار وغيره، إلى جانب  بقاء الجيش والأمن خاصة والادارة ( بشكل أقل) بعيدين نسبيًا عن السيطرة المطلقة للنهضة والترويكا، وانعدام خبرة النهضة والترويكا في الإدارة والحكم، وأيضًا سوء علاقة النهضة بالإسلاميين الآخرين خاصة بعد انطلاق مسلسل الاغتيال بالشهيد شكري بلعيد ولكن كذلك لأسباب بنيوية مع حزب التحرير وبسبب تغير موقف الحركة السلفية خصوصًا بعد ما حدث في مصر، وأيضا سوء إدارة النهضة والترويكا للملف الأمني وتعاملها الوحشي مع الحراك الشعبي منذ انتفاضة سليانة خاصة، كذلك  ضعف تأثير حركة النهضة في اتحاد الأعراف، رغم تشكل شبكة أولى من رجال الأعمال الممولين لها، وفشل محاولاتها في ضرب اتحاد الشغل واحتوائه فشلا ذريعًا.
واعتبر بيرم ناجي في دراسته النقدية للحركة أن  الخروج من الحكومة لم يكن سوى نتيجة لكل هذا وليس خيارًا، وهو محاولة للتنصل من فشل أكثر قساوة في المستقبل والتقاطا للأنفاس من أجل المحافظة على النفس تحضيرا للانتخابات المقبلة وإيقافًا للمسار الكارثي الذي كان محتملًا، كما محتوى الدستور التونسي الجديد لم يكن سوى نتيجة الصراع وما أفرزته موازين القوى، بما في ذلك التأثيرات الدولية، ودليل ذلك مقارنة بسيطة بين النسخة القديمة للدستور والنسخة الحالية وكل المماحكات والصراعات التي تمت حول أهم الفصول التي تراجعت النهضة عن صياغاتها القديمة وقبلت الجديدة منها، وبالتالي فالدستور ليس دستورها بل دستور عكس حجم هزيمتها وحجم قدرتها على التنازل.
نوه إلى أن النتيجة العامة لما حصل هو تقليم أظافر النهضة كثيرًا، ما جعلها تبحث عن مغازلة من كانت تريد إقصاءهم تمامًا، مثل نداء تونس وذلك خاصة بعد اهتراء حلفائها في "الترويكا"، وضعف الإسلاميين الآخرين وعدم الثقة بهم ومعاداتهم المسار الانتخابي بطبيعتهم، وبسبب انعدام الأمل في تنسيق محتمل مع الجبهة الشعبية التونسية – وكل هذا من أجل العودة بأقل الأضرار لاحقًا، مما يستوجب انتباها شديدًا لهذه المسألة، بالإضافة إلى تجنب التحول إلى قوة سياسية ضعيفة جدًا وما يمكن أن ينتج عنه، من المرجح أن تسارع النهضة بخطوات حثيثة في الهرولة نحو نداء تونس، ليس فقط من أجل اقتسام الكعكة، ولكن من أجل توقي الانتقام وتحسبًا لعودة صقور التجمع عبر بوابة النداء، لذلك من المهم مواصلة الضغط على النهضة وتقييم سياستها ونتائجها الكارثية على الثورة والبلاد، ولكن من المهم القيام بذلك فكريًا وسياسيًا فقط، دون تشدد وتشنج ضدها لمنعها من لعب دور الضحية الدائم، وربما دفع بعض أجنحتها إلى القطع مع التصور التقليدي للإخوان المسلمين والاقتراب أكثر من الحياة السياسية التونسية 

حبيب الأسود
حبيب الأسود
وتحت عنوان "إلى رجال حركة النهضة وأتباعها" كتب "حبيب الأسود" السجين السياسي السابق عن حركة النهضة يقول "حركة النهضة حركة عريقة ولها تاريخ زاخر بالنضال ولها رجال وقادة، وهي اليوم شأن عام ولها تأثير مباشر بالسلب والإيجاب في الحياة العامة والسياسية في البلاد، ولذلك هي وقياداتها معرضة دائما لمحك التقييم والنقد والمساءلة والتعديل والتجريح، سواء من عامة الناس أومن أنصارها أومن معارضيها، ولا يستقيم أخلاقيا ولا دينيا ولا سياسيا أن يرفض أحد أتباعها تناول الأداء السياسي للحركة بالنقد والتجريح، ولا يجوز لأحد أن يرد على من يهمه شأن تونس ونقد النهضة بحكم أنها شأنه لأنها من الشأن العام التونسي، بالقول "إنك تكره النهضة" أو "إنك تحمل حقدًا نحو النهضة" أو "مالك ومال النهضة"، فهذا كلام ليس فيه شيء من الأخلاق وليس من الدين أو السياسة في شيء.
شدد على أن الادعاء بأن من يدافع عن النهضة بهذا الشكل يعد من أنصارها البررة، هو خطأ كبير، وحركة النهضة ليست في حاجة لمثل هؤلاء، وهم يمثلون عبئا عليها، وقد أساؤوا لها بهذا الأسلوب أكثر مما أحسنوا، بل إن الحركة استفادت كثيرًا من نقد اليساريين والليبراليين لها، ثم إن على أتباع الحركة ومنخرطيها، إن كانوا يرون أنفسهم من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم، أن لا يصطفوا وراء الخطأ إذا أخطأ قادتهم بتعلة الانضباط الحزبي.

وثيقة مسربة تشكك في تمويلات إخوان تونس

وثيقة مسربة تشكك
كشفت وثيقة مسربة تحقيقات السلطات التونسية في الحسابات البنكية لحزب حركة النهضة- ذراع إخوان تونس، للتأكد من مصادر تمويل الحزب وقياداته والناشطين فيه، وتأتي هذه الوثيقة في ظل الشكوك حول احتمال تلقيه تمويلات من الخارج بسبب اتهامات بتلقيها تمويلات مشبوهة من قطر وتركيا في عام 2011 من أجل تصدر المشهد السياسي وتنفيذ أجندتها، كما يحيط الغموض بمصدر ثروات قيادييها الكبار وطرق الحصول عليها وهوية الجهة المانحة.
ووفقًا للوثيقة الصادرة يوم 26 ديسمبر 2018، وجه محافظ البنك المركزي مراسلة لكل البنوك التونسية، طلب فيها معلومات مفصلة حول الحسابات المفتوحة لديها باسم حركة النهضة، وعددًا من الأشخاص الطبيعيين من بينهم قيادات من الحزب، وذلك بطلب من دائرة المحاسبات، وهي أعلى سلطة رقابية مالية في تونس.
وقد وُزعت الوثيقة على شكل مراسلة من البنك المركزي بتونس، إلى جميع البنوك الفرعية؛ لمطالبتهم بتتبع مصادر تمويلات حركة النهضة، من خلال مراجعة الحسابات المفتوحة كافة باسم قيادات الحركة؛ ما يوحي برغبة حكومية في معرفة مصادر الأموال المتدفقة لـ"النهضة" وعناصرها.  
الإخوان المسلمون
وبحسب تقارير صحفية فإن هذه الوثيقة تبيّن أن طلب البنك المركزي لهذه المعلومات التمويلية، جاء استجابة لدعوة وجهت للبنك المركزي من قبل دائرة المحاسبات التي تشرف على مراقبة تمويلات الأحزاب خلال الحملات الانتخابية.
خاصة أن دائرة الحسابات لم تستكمل إجراءات إعداد تقريرها المتعلق بالانتخابات البلدية التي جرت في مايو 2018؛ لأن حركة النهضة لم ترسل الحسابات المتعلقة بها؛ ومن ثم أعلنت دائرة الحسابات في  يوليو 2018، أنها لم تتلقَّ سوى حسابات 803 من القوائم الحزبية، من مجموع 2074 قائمة شاركت في الانتخابات البلدية، وبمقتضى ذلك قررت التمديد في آجال تلقي كشوفات الحسابات البنكية.
يأتي هذا الإجراء بالتزامن مع تعاقد حركة النهضة مع شركة بريطانية تسمى" BCW"، للتسويق والإعلام بمبلغ 18 مليون دولار، أي حوالي 54 مليون ديناراً تونسياً، لتمويل حملتها الانتخابية لسنة 2019، بحسب مجلة "جون افريك" الفرنسية.
وأوضحت "جون افريك" أن المؤسسة البريطانية شرعت في تنفيذ خطة عمل لتنظيم لقاءات إعلامية لقيادات النهضة و التعريف ببرنامجها للانتخابات القادمة.
كما أثار تصديق شورى حركة النهضة، على ميزانية الحزب للعام 2019 بقيمة 6.5 مليون دينار مقابل 6 مليون دينار في 2018 شكوكاً كثيرة أيضًا حول أموال الحركة ومصادر تمويلها نظرا للتهم التي تطارد الحركة بتلقي تمويلات مشبوهة من تركيا وقطر، واستفادتها من الهبات والمساعدات الكبيرة التي تلقتها تونس زمن حكم النهضة في الفترة الممتدة بين 2012 و2014.
من ناحية أخرى كشفت صحيفة الجارديان البريطانية، في يوليو 2018، الدور الذي لعبته تمويلات من أجهزة خفية ومنظمات المجتمع المدني البريطاني- بحسب الصحيفة-، بهدف تخفيف غضب الشباب التونسي من سياسة حركة النهضة التونسية، وإعادة تلميع صورة الإخوان التي شهدت تراجعًا كبيرًا في الشارع التونسي خاصة بعد ظهور قضية التنظيم السري للنهضة.
وبحسب المراقبون فرغم إنكار إخوان تونس لتلقيهم أموال من الخارج والاكتفاء بتمويلات أتت من انخراطات مريديهم وتبرعات مالية داخلية، إلا أن حججهم لا تقنع التونسيين الذين يعرفون مدى ارتباط الإخوان بالتحالف التركي القطري الذي يدعم استمرارهم في تونس ويساعدهم عبر ضخ الأموال للدفاع عن مصالحهم.
يشار إلى أنه سبق وأن كشفت رئيسة الحزب الحر الدستوري عبير موسى، عن تقديم حزبها لشكايات ضد الأذرع التي مولت "الإخوان"، وقالت "رفعنا التقارير لفتح تحقيق في تمويل قطر للإخوان الذين حكموا تونس منذ 2011".
وذكرت عبير موسى أن "بحوزة حزبها أدلة تثبت إدانة حركة النهضة بتلقي أموال أجنبية مشبوهة"، أوضحت أن "تمويل قطر لحركة النهضة لا يعنى بالضرورة بأنها مؤمنة بأفكار الحركة بل لأن لها أجندة معنية تعمل على تمريرها"، وتابعت أن "هناك معلومات حول تلقى رئيس الحركة راشد الغنوشي بعد أسبوع من فوز النهضة في انتخابات المجلس التأسيسي عام 2011 مبلغاً قيمته 150 مليون دولار من قطر".
وأكدت موسى أنها "تقدمت إلى رئاسة الحكومة بطلب تحقيق جاد حول التمويلات الأجنبية التي تتلقاها أحزاب سياسية بطرق مختلفة عبر جمعيات أو إدخال المال خلسة إلى البلاد"، كما دعت إلى "التحري في كل التصريحات والتقارير وغيرها من الشبهات التي تحوم حول الثراء الفاحش والإمكانيات الخارقة للعادة التي تتمتع بها أحزاب تونسية وعلى رأسها حزب النهضة".
وبحسب تقارير إعلامية تونسية تثير هذه المعلومات والتمويلات والصفقات المشبوهة اتهامات للحركة بتلقي تمويلات خارجية تتنافى مع ما ينص عليه القانون التونسي الذي يحظر تلقي أموال من جهات خارجية.
وفي هذا الإطار قال الخبير والمحلل السياسي سمير عبدالله أن "الوقت قد حان لفتح ملف التمويل القطري التركي لإخوان تونس"، داعياً الحكومة إلى المسارعة بفتح هذا الملف الذي وصفه "بالمريب"، معتبراً أن "قرائن عدة تدين الحركة وأن ما كشفه السفير الأمريكي السابق بتونس بقيم الدليل على تورط الحركة في اختلاسات وتلقى أموال خارجية مقابل خدمات قدمتها للحلف القطري التركي".

شارك

موضوعات ذات صلة