دولة الخلافة التقدّم إلى الماضي

الأحد 29/سبتمبر/2019 - 01:26 م
طباعة دولة الخلافة التقدّم حسام الحداد
 
كتاب "دولة الخلافة التقدم إلى الماضي" مؤلف جماعي تضافر فيه  البحث الميداني والمقاربة التحليليّة والنقديّة اعتمادا على مناهج علم الاجتماع. 
وأهمية الكتاب لا تتمثّل في مجرّد اطلاع صاحبه على ما أُلّف حول «داعش» بالعربيّة وبغيرها من اللغات، وإنّما في اعتماده بحوثا ميدانيّة ضمّت فريقا من الباحثين الذين قدّموا نتائج دقيقة من الناحية العلميّة لاعتمادها على أحاكم من داخل التنظيم وليس من خارجه. فقد تسبّبت المواقف الإيديولوجيّة المختلفة في غلبة الأحكام المسبقة على الدراسات العلميّة. وقد تأثّرت وسائل الإعلام بتلك النزاعات، وانخرطت بدورها في أحكام تخدم أطرافا معيّنة، فتحوّلت بعض التقارير الصحفيّة إلى هجاء أو مدح سياسيّين.
يُقسَّم الكتاب إلى مقدّمة وعشرة فصول، مع خاتمة وملحق وتقارير ووثائق وصور. وينطلق المؤلّف في المقدّمة بدراسة مخيال المجتمع العراقيّ تحت سيطرة «داعش» في العراق تحديدا، وهو يدحض الرأي السائد الذي يسلّم بوجود حاضنة شعبيّة. ويحيل الظاهرة إلى إطارين أساسيين: الأوّل "هو إخفاق الدولة في بناء مجتمع تعدّدي وفي قبولها الفعلي- المؤسساتي بالتعدّد، والثاني هو وجود تيّار اجتماعيّ يحمل إيديولوجيا الخلافة في المجتمعات العربيّة الإسلاميّة –ومنها العراق- منذ أمد بعيد، بل إنّ انتقال التيّار التكفيريّ من لحظة العنف إلى لحظة إعلان "الدولة"/ "الخلافة" مرهون بإخفاق الدولة العراقيّة في سياق احتجاج المجتمع المحلّي عنها."
إنّ صعود «داعش» بحسب هذه المقاربة هو نتيجة طبيعيّة لوجود عاملين متعاضدين: إخفاق الدولة وانتشار تيّار تكفيريّ يؤمن بفكرة دولة الخلافة. ونتيجة لهذين العاملين، فقد خُصِّص الفصل الأوّل لدراسة الدولة الفاشلة التي أسهمت في انتشار الحركات التكفيريّة ووهبتها الشرعيّة من خلال فشلها في ضمّ شتات المختلفين وترسيخ سلوك المواطنة. أمّا الفصلان الثاني والثالث، فيتناول المؤلّف فيهما إيديولوجيا التيّار التكفيريّ وتحوّلها من التنظير إلى التطبيق، ويفسّر أسباب انتقال الظاهرة من فكرة تاريخيّة إلى فكرة صار لها رواجها في الجماعات التكفيريّة. وتهتمّ سائر الفصول بدراسة مخيال المجتمع المحلّي وتفاعلاته مع الدولة الفاشلة وإزاء الحركة التكفيريّة قبل إعلان "دولة الخلافة" وبعده.

ويتناول المؤلّف في الفصل الرابع مخيال المجتمع المحلّي السنيّ قبل استيلاء "الدولة الإسلاميّة" على المدن السنيّة الكبرى وبعده. وقد أطلق فالح عبد الجبّار على هذه الفترة فترة "تقلّبات المخيال"، وقد مثّلت حقبة انقلاب في الرؤى تدحض الرأي السائد بثبات المواقف والتصوّرات، وهو ما تؤكّده الفصول اللاحقة.
في الفصل الخامس، يدرس المؤلّف مخيال المجتمع المحلّي في علاقته بالدولة الفاشلة، ويركّز على فترة "نوري المالكي"، فقد تشكّل مخيال سنيّ باحث عن المخلّص نتيجة الحكم الطائفيّ.
في الفصول الباقية، يقوم المؤلّف بمعاينات ميدانيّة ووثائقيّة للمجتمع المحلّي الذي مثّل حاضنة «داعش» وأطلق عليها تسمية "مستعمرة العقاب" ووسمها "بدونيّة المرأة"، وبيّن قيام حكمها على خلافة ريعيّة أساسها "حَلْب الموارد"، وهي سياسة أضرّت بمصالح الطبقة الوسطى ورجال الأعمال على حدّ سواء، ثمّ بحث تواتر دولة الخلافة مع المجتمع المحليّ العراقي، مثل شيوخ العشائر ورجال الدين وتواترها مع المجتمع الحديث أفرادا ومؤسسات. وأخيرا، يتناول موضوع إحياء "دار الإسلام" و"دار الحرب". ومقولة "أهل الكفر" و"أهل الذمّة" إزاء المسيحيين والإيزيديين.
أمّا في الخاتمة، فيعرض المؤلّف تحوّلات المخيال المحلّي في إطار الحرب الدوليّة على الإرهاب، وتدخّل القوى العظمى والقوى الإقليميّة مثل إيران وتركيا؛ فقد تعلّقت بهذه القوى مخاوف فئات وآمال فئات أخرى.
ليس العمل في حقيقته مجرّد جهد فردي بذله المؤلّف، وإن كانت المواقف التي احتواها ملزمة له دون سواه، وإنّما هو نتيجة بحث جماعي اشترك فيه فريق عمل لإجراء المقابلات، بل إنّ بعض فصول الكتاب كانت من تأليف غيره مثل الفصل المتعلّق بدار الإسلام ودار الحرب أو المتّصل بأهل الكفر وأهل الذمة.

شارك