مجلة "الفيصل" السعودية تناقش احتجاجات النساء ضد الملالي

الثلاثاء 08/نوفمبر/2022 - 11:19 ص
طباعة مجلة الفيصل السعودية روبير الفارس
 
ما تشهده إيران اليوم هو نتيجة طبيعية وعود على بدء، ففي بداية العهد خرجت التظاهرات منددة بإلزامية الحجاب وعادت بخفي حنين، واليوم وبعد أكثر من أربعين عامًا تخرج من جديد في ظل سيطرة أمنية واسعة على البلاد، وهيمنة دينية لم تتغير، ووجوه في السلطة رافقت النشوء وما زالت صاحبة القرار، ومناخ إقليمي ودولي ينذر بحروب ستعيد ترتيب التحالفات؛ لذا ربما ستكون هذه التظاهرات دونما جدوى وربما لا، والأكيد أن العامل الأهم في تغيير هذا القانون والخضوع لرغبة الأكثرية سيكون فقط عن طريق المؤسسة التي فرضته، بناء على رأي الأكثرية آنذاك عند بداية الثورة. وهذا أمر مستبعد إلا إذا ازدادت الأصوات من داخل هذه المؤسسة، مطالبة بإيجاد حل نهائي وجذري لهذه المعضلة، التي تعد واحدة من أهم المعضلات التي حظيت بمساحة كبيرة من الاهتمام محليًّا ودوليًّا. وفي سياق الاهتمام بالاوضاع في ايران نشرت مجلة الفيصل السعودية في عددها الاخير " نوفمبر 2022 "ملفا بعنوان "وفاة مهسا أميني تطلق موجة واسعة من السخط على النظام. الجدل يتجدد بعد 40 عامًا حول الحجاب في إيران" حيث كتبت فاطمة صفا  تقول 

تعود مسألة الحجاب من جديد لتطرح بقوة، مع وفاة مهسا أميني على يد شرطة الأخلاق في العاصمة الإيرانية طهران. ولم ينتظر الشارع الإيراني تفسيرًا أو تبريرًا للكشف عن ملابسات الحادثة، فاندلعت التظاهرات في كل أنحاء البلاد رفضًا لما حدث، في حين عبرت النساء عن غضبهن بكشف شعورهن وإحراق الحجاب وإطلاق هتافات معادية للدولة والحكومة، وداعية لتحرر النساء من قيد كبلهن أربعين عامًا.من النساء اللواتي خلعن الحجاب «كتايون رياحي» الممثلة الإيرانية، وكان هذا تعبيرًا عن رفضها لما حدث مع مهسا أميني، وكتبت تحت صورتها «في عزاء النساء الإيرانيات» وسبقتها وتبعتها كثيرات بالتعبير عن رفضهن للحجاب. وعبرت ممثلات أخريات عن رفضهن لما حدث من مثل «مهتاب کرامتي» سفیرة النوايا الحسنة لدى الأمم المتحدة التي أدانت على صفحتها على إنستغرام العنف ضد النساء. وأعرب كثير من الشخصيات النسائية العالمية عن تضامنهن مع النساء داخل إيران، من مثل شاكير عبر صفحتها على توتير، وجولييت بينوش عبر صفحتها على إنستغرام؛ حيث شاركت صورة وهي تقوم بقص شعرها تضامنًا مع الداخل الإيراني… والحديث يطول عن التضامن النسائي المحلي والعالمي مع نظيراتهن الإيرانيات.واضافت فاطمة قائلة من المسلم به تاريخيًّا أن الأمة الإيرانية تأثرت بالدين في الحياة المدنية والسياسية والاجتماعية، وفي الحقب الإسلامية والسلالات التي حكمت البلاد من غزنويين وصفوين وقاجاريين حتى الحكم الملكي الشاهنشاهي خير دليل على ذلك، فكان الدين المسوغ لتأكيد شرعية الحاكم بوصفه المنتخب من قبل الله ليحكم أو لتبرير القوانين والممارسات الظالمة، أو لسحق الخصوم السياسيين أو المهددين لوجود الحاكم، ولم يكن ليُلحَظ تشدد في تطبيق القواعد الإسلامية فيما عدا ذلك. أما الآن وفي ظل الحكومة الإسلامية بات الأمر مختلفًا فقد هيمن الدين شيئًا فشيئًا على كل تفاصيل الحياة وأدق الخصوصيات، وأُلزِمَ الجميع بمبادئ بصرف النظر عن اعتقادهم بها أو عدمه، فقد صُبغ المجتمع كله بلون واحد لم يعتد عليه. بل إن رغبة الشاه في صبغهم بلونه الخاص الذي ارتآه لهم كان سببًا من الأسباب التي أشعلت الثورة، فكيف الآن وقد تغير حال الأمة من جبر نحو العلمانية إلى جبر نحو الأسلمة. هذا الأمر في كلا العهدين الشهنشاهي والإسلامي يستثنى منه أنصار ومؤيدو العهدين، من جديد هذا الجبر جعل الأمة تشعر بالانتزاع والانفصال عن هويتها وكينونتها، وأجج رغبتها في التحرر.لم تكن يومًا مشكلة النساء الإيرانيات مع الحجاب مشكلة مع الدين وتعاليمه، فالحجاب وإسدال غطاء الوجه يعود إلى زمن الهخامنشيين إلى ما قبل الإسلام، بل كانت رفضًا لسياسة الإجبار وتهميش رأي الآخر أقلية كان أم أكثرية. أيام الشاه فرض خلع الحجاب فثرن وانتفضن ليس رغبة في الحجاب أو كرهًا بل رفضًا للإكراه. ومنذ سنوات يعلين الصوت أنهن لا يرغبن في ارتداء الحجاب ليس نفورًا منه ولكن كرهًا في الممارسات الجبرية التي تفرض عليهن. فلم تعتد المرأة الإيرانية أن تكون أسيرة لدين أو قانون يفصلها عن داخلها الحر، فجل ما أرادته وتريده هو ألا تكون في مجتمع يشعرها أنها أسيرة جسدها ومهانة بسببه، ألا تشعر أن الموت أو التعذيب أرحم لها مما تحياه. هي تريد أن تكون مخيرة في تقرير ما تريد أيًّا كان هذا، بما لا يقلل من احترامها ولا يقلل من احترام رغبات الطرف الآخر، الذي يرى الحياة برؤية روحانية مغايرة.لقد رأى كثير من المثقفين أن الحجاب لا يمنع فاحشة ولا يضيف أخلاقًا للمرء هو لا يمتلكها والعكس بالعكس، كما أن السفور ليس دليلًا على قلة الحياء والعفة، ففي العهود التي كان فيها الحجاب متعارفًا بين الناس أو مفروضًا من قبل السلطة الحاكمة، لم يكن يمكن التمييز بين المرأة العفيفة والمرأة السيئة، بل تساوى الجميع تحت العباءة.كما نشرت المجلة ترجمة فصلا من كتاب "تجارب النسويات الإسلاميات في الجمهورية الإسلامية الإيرانية معارضة مُحطمة وآمال مُجهضة" للباحثة الالمانية  "روزويثا بادري " من  ترجمة السوري " أزدشير سليمان " والذى اكدت فيه علي ان الحضور الهائل للنساء في الاحتجاجات التي أعقبت انتخاب أحمدي نجاد مرة أخرى أظهر أن 30 عامًا من الثيوقراطية الأبوية لا يمكن أن تمنع النساء الإيرانيات من النضال من أجل الحرية والمساواة؛ بسبب خيبة الأمل المستمرة من الوعود الكاذبة، تعلم بعض النشطاء على الأقل، نساءً ورجالًا، التعبير عن مطالبهم بشكل أكثر وضوحًا. ويمكن الادعاء إلى حد ما بأن النشاط الجديد للمرأة في جماعات المجتمع المدني والحملات المتبادلة قد أسفر عن حركة اجتماعية بلغت ذروتها في الحركة الخضراء. ومن ثم فإن الجهود والإستراتيجيات المتعددة الأوجه للناشطين في مجال حقوق المرأة كان لها فعليًّا تأثير كبير في وعي المواطنين بحالات عدم المساواة القائمة في العلاقات بين الجنسين، وكذلك المظالم الاجتماعية. يبدو أنهم تمكنوا من إقناع العديد من الإيرانيين بحقيقة أن التمييز ضد المرأة واضطهادها لا علاقة له بالدين بحد ذاته، وإنما بالنظام الأبوي (هيكل النظام والتقاليد الأبوية) الذي أُسِّسَ على أساس تفسير انتقائي جدًّا للمصادر المعيارية.في مواجهة الاحتياجات الأكثر إلحاحًا والقمع المستمر، يبدو أن الاهتمام السابق بإعادة قراءة النصوص الإسلامية على نحو عادل بين الجنسين قد تضاءل قبل أن يتطور إلى لاهوت نسوي إسلامي. قد يتساءل المرء: لماذا يجب عَدّ ظهور اللاهوت النسوي الإسلامي ضروريًّا؟ أتفق مع «النسويات الإسلاميات» الأخريات، من بينهن رفعت حسن وأسماء بارلاس، على أنه طالما بقي الدين هو المرجع الرئيس لهوية الناس، وطالما استمر كثير من المسلمين في قراءة عدم المساواة والنظام الأبوي في القرآن الكريم والنصوص الدينية الأخرى من أجل إرساء مسوّغ إلهي للتمييز ضد المرأة، سيظل تفكيك هذه الروايات وانتشار المنظور النسوي بشأن المصادر التأسيسية أمرًا مهمًّا.

شارك