من السيطرة المؤقتة إلى الاغتيالات: استراتيجية القاعدة الجديدة في النيجر
الإثنين 05/يناير/2026 - 05:35 م
طباعة
علي رجب
غتيال محافظ تورودي: رسالة دموية جديدة من “نصرة الإسلام والمسلمين” إلى الدولة في النيجر
أفادت تقارير ميدانية وأمنية غير رسمية، صباح اليوم الاثنين، بمقتل محافظ مقاطعة تورودي التابعة لمنطقة تيلابيري غرب النيجر، في هجوم مسلح واسع يعتقد أن عناصر من “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” (JNIM)، المرتبطة بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، تقف خلفه.
ويعد هذا الهجوم من أخطر الضربات التي تستهدف مسؤولا إداريا رفيع المستوى منذ بداية عام 2026، لما يحمله من دلالات سياسية وأمنية عميقة تتجاوز حدود بلدة تورودي الصغيرة.
تفاصيل الهجوم: عملية محسوبة بعناية
بحسب مصادر عسكرية محلية ونشطاء أمنيين، بدأ الهجوم في تمام الساعة الثانية فجرا، عندما شنت مجموعة مسلحة هجوما مباشرا على المقر الإقامي الخاص بالمحافظ داخل بلدة تورودي، الواقعة على بعد نحو 60 كيلومترا فقط جنوب غرب العاصمة نيامي.
هذا القرب الجغرافي من العاصمة يضفي على العملية بعدا رمزيا خطيرا، إذ يوجه رسالة بأن الجماعات المسلحة باتت قادرة على الضرب في “العمق الآمن” للدولة، وفقا لموقع المنشر الاخباري
وتشير المعلومات الأولية إلى مقتل سبعة أشخاص على الأقل، بينهم المحافظ، إضافة إلى عدد من عناصر الحراسة.
كما أفاد شهود عيان بأن المسلحين فرضوا سيطرة مؤقتة على البلدة استمرت قرابة ثلاث ساعات، من الثانية وحتى الخامسة صباحا، قبل انسحابهم المنظم، وهو نمط يتكرر في عمليات الجماعة لإظهار التفوق الميداني دون الانخراط في مواجهة طويلة مع الجيش.
تيلابيري: الخاصرة الرخوة للدولة النيجرية
يأتي الهجوم في سياق أمني شديد الهشاشة تعيشه منطقة تيلابيري منذ عامين على الأقل. فالمنطقة، المحاذية لمالي وبوركينا فاسو، تحولت إلى إحدى أكثر بؤر العنف نشاطا في الساحل الإفريقي، مستفيدة من الفراغ الأمني الذي خلفه انسحاب القوات الدولية والغربية، ولا سيما الفرنسية.
وتنشط “نصرة الإسلام والمسلمين” بقوة على محوري تورودي–ساي وتورودي–نيامي، مستعملة تكتيكات حرب العصابات، مثل الكمائن، والعبوات الناسفة، والاغتيالات، وعمليات الخطف.
ويشير مراقبون إلى أن اختطاف مسؤول رفيع في منظمة OPVN مطلع عام 2025 كان مقدمة لتصعيد نوعي يستهدف اليوم رأس الهرم الإداري المحلي.
استهداف الإداريين: استراتيجية لكسر الدولة من الداخل
يمثل اغتيال محافظ تورودي تصعيدا نوعيا في استراتيجية الجماعات الجهادية، التي باتت تركز على ضرب السلطة المدنية لا العسكرية فقط. فاستهداف المحافظين ورؤساء البلديات والوجهاء المحليين يهدف إلى إضعاف هيبة الدولة وإظهار عجزها عن حماية ممثليها.
وتفريغ الإدارة المحلية من الكوادر، عبر بث الخوف ودفع المسؤولين للاستقالة أو الفرار، وفرض سلطة أمر واقع عبر ملء الفراغ الإداري بشبكات تابعة للتنظيم، سواء عبر الترهيب أو التحالفات القبلية.
وفي هذا السياق، تصبح السيطرة المؤقتة على بلدة مثل تورودي أكثر من مجرد عرض قوة؛ إنها رسالة سياسية تقول إن “الدولة غائبة ونحن الحاضرون”.
البعد القبلي: ساحة تنافس واستقطاب
لا يمكن فهم ما يجري في تيلابيري بمعزل عن النسيج القبلي المعقد، حيث تعيش قبائل الفولاني والطوارق والزرما. وتعمل “نصرة الإسلام والمسلمين” على استثمار المظالم المحلية، سواء المرتبطة بالنزاعات على الأراضي أو التهميش الاقتصادي، لتوسيع حاضنتها الاجتماعية.
ويرى محللون أن التنظيم يسعى إلى تقديم نفسه كـ“حكم” أو “حام” لبعض المجتمعات، في مقابل الدولة التي تتهم بالعجز أو الانحياز. هذا التداخل بين الأمني والقبلي يجعل المواجهة أكثر تعقيدا، ويمنح الجماعة قدرة على الصمود رغم الضربات العسكرية.
صمت رسمي مقلق
حتى لحظة إعداد هذا التقرير، لم يصدر أي بيان رسمي عن المجلس الوطني لحماية الوطن (السلطة الحاكمة) أو عن وزارة الدفاع النيجرية. كما لم تعلن “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” مسؤوليتها عن الهجوم، وهو أسلوب معتاد لديها، إذ تميل إلى التريث قبل تبني العمليات الكبرى، إما لأسباب دعائية أو أمنية.
غير أن هذا الصمت الرسمي يزيد من حالة القلق الشعبي، ويطرح تساؤلات حول قدرة الدولة على احتواء تداعيات الهجوم، خاصة مع تصاعد الاستهداف المباشر للمسؤولين.
ما بعد الاغتيال: سيناريوهات مفتوحة
تشهد المنطقة حاليا استنفارا أمنيا واسعا، مع توقعات بإطلاق قوات الدفاع والأمن النيجرية (FDS) عمليات تمشيط واسعة في الغابات والمناطق الريفية المحيطة بتورودي. لكن التجربة السابقة تشير إلى أن الردود العسكرية وحدها قد لا تكون كافية.
فالخطر الحقيقي يكمن في أن يتحول اغتيال محافظ تورودي إلى سابقة تشجع على استهداف المزيد من المسؤولين، ما لم تعالج جذور الأزمة عبر مزيج من الأمن، والتنمية، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمعات المحلية.
اغتيال محافظ تورودي ليس حادثا معزولا، بل حلقة جديدة في صراع مفتوح على السلطة والنفوذ في الساحل الإفريقي. وهو يكشف بوضوح أن الجماعات الجهادية، وعلى رأسها “نصرة الإسلام والمسلمين”، انتقلت من مرحلة استنزاف الدولة إلى مرحلة تقويضها من الداخل عبر ضرب رموزها الإدارية. وفي ظل غياب استراتيجية شاملة، تبقى تيلابيري – وربما النيجر بأكملها – أمام اختبار وجودي صعب في عام 2026.
