استهداف قلب التصنيع المتفجر لحركة الشباب: ما الذي تعنيه ضربة ساكو؟
الجمعة 09/يناير/2026 - 06:54 م
طباعة
علي رجب
غي ليلة 8–9 يناير/كانون الثاني 2026، شكلت الغارة الجوية التي استهدفت موقعا في منطقة ساكو بإقليم جوبا الأوسط محطة جديدة في مسار المواجهة المستمرة بين الدولة الصومالية وحلفائها من جهة، وحركة الشباب المسلحة من جهة أخرى. الروايات المتعارضة حول طبيعة الهدف—بينما تصفه الحكومة الصومالية وشركاؤها بأنه “أكبر مصنع لتصنيع المتفجرات” تابع للحركة، وتؤكد الحركة أنه محطة تنقية مياه مدنية—تعكس تعقيدات الحرب غير المتكافئة في الصومال، حيث يتداخل العسكري بالمدني، وتحتدم معركة السرديات بقدر احتدام العمليات الميدانية.
وفق البيانات الصادرة عن الحكومة الصومالية ووسائلها الرسمية، نفذت الضربة بدعم أمريكي وباستخدام عدة صواريخ، وأسفرت عن تدمير كامل لمنشأة يزعم أنها مركز رئيسي لإنتاج المتفجرات والعبوات الناسفة.
وتشير هذه الرواية إلى مقتل نحو 18 عنصرا من حركة الشباب، بينهم مهندسون وصانعو قنابل، ما يعني—إذا صح—توجيه ضربة نوعية لقدرات الحركة العملياتية، لا سيما في مجال العبوات الناسفة التي تمثل السلاح الأكثر فتكا وتأثيرا في استهداف المدنيين والقوات الحكومية على حد سواء. من هذا المنظور، تقرأ العملية باعتبارها نجاحا استخباراتيا وتكتيكيا يندرج ضمن استراتيجية أوسع لتقويض البنية التحتية “الصناعية” للجماعة، وليس فقط تصفية عناصرها القتالية.
غير أن رواية حركة الشباب—المسنودة بصور متداولة تظهر أنقاض منشأة تعرف على أنها محطة تنقية مياه خاصة تدعى “دارور”—تقلب المعادلة. فاستهداف بنية تحتية مائية في منطقة هشة يعاني سكانها أصلا من شح الخدمات، يحمل تبعات إنسانية وسياسية تتجاوز الأثر العسكري المباشر. حتى مع تأكيد سكان محليين عدم وقوع إصابات بين المدنيين، فإن تدمير منشأة مياه يثير مخاوف حقيقية بشأن الوصول إلى المياه النظيفة، وما قد يترتب عليه من أزمات صحية ومعيشية. هنا، تصبح المسألة أقل ارتباطا بعدد القتلى وأكثر صلة بتداعيات الضربة على حياة المدنيين وثقتهم بالدولة وحلفائها.
في قلب هذا الجدل تقف مشكلة التحقق. فغياب بيان قاطع من القيادة الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم) بشأن ضربة 9 يناير—رغم أن التنسيق مع القوات الصومالية أمر معتاد—يترك فراغا معلوماتيا تتنافس على ملئه الأطراف المختلفة. في بيئة نزاع مغلقة نسبيا مثل جوبا الأوسط، حيث يصعب الوصول الميداني المستقل، تتحول الصور غير المؤكدة والشهادات الجزئية إلى أدوات مركزية في تشكيل الرأي العام. وتدرك حركة الشباب أهمية هذا البعد؛ إذ لطالما استثمرت في الدعاية المضادة لتصوير الضربات الجوية على أنها اعتداءات على المدنيين، سعيا لتقويض شرعية الحكومة وشركائها الدوليين وكسب تعاطف محلي.
من ناحية أخرى، لا يمكن فصل الحادث عن السياق الأوسع للتصعيد في 2025–2026، حيث كثفت الولايات المتحدة والصومال عملياتهما ضد الحركة في جنوب البلاد، خصوصا في محيط جليب وكيسمايو. وتعد ساكو معقلا تاريخيا لحركة الشباب في جوبا الوسطى، ما يجعلها هدفا متكررا للعمليات. هذا النمط يعكس قناعة متزايدة لدى صانعي القرار بأن الضغط الجوي والاستخباراتي المستمر يمكن أن يحد من قدرة الحركة على التخطيط والتنفيذ. لكن التجربة الصومالية تظهر أيضا أن الضربات الجوية، مهما بلغت دقتها، لا تترجم تلقائيا إلى مكاسب استراتيجية مستدامة إذا لم تقترن بتحسينات ملموسة في الحوكمة والأمن والخدمات.
قانونيا وأخلاقيا، تطرح القضية أسئلة حساسة حول حماية المدنيين ومبدأ التمييز في النزاعات المسلحة. فإذا كان الموقع بالفعل منشأة مزدوجة الاستخدام—أو بنية مدنية استغلت لأغراض عسكرية—فإن المسؤولية تقع على عاتق الأطراف المتحاربة لإثبات التناسب واتخاذ الاحتياطات اللازمة.
أما إذا ثبت أن المنشأة مدنية بحتة، فإن الضرر المعنوي والسياسي قد يفوق أي مكسب عسكري مفترض، ويغذي السرديات المتطرفة التي تتغذى على المظالم المحلية.
في المحصلة، تكشف غارة ساكو عن معضلة مستمرة في مكافحة الإرهاب بالصومال: نجاح تكتيكي محتمل يقابله غموض معلوماتي وتداعيات إنسانية ودعائية. وبينما تؤكد الحكومة الصومالية أن المصنع دمر بالكامل وأن قدرات حركة الشباب تلقت ضربة قاسية، تظل هذه الادعاءات بحاجة إلى تحقق مستقل يعزز المصداقية والشفافية.
