"عاصفة الحزم".. شيعة السعودية بين دعم الدولة والخطاب المذهبي

الثلاثاء 28/أبريل/2015 - 02:00 م
طباعة عاصفة الحزم.. شيعة
 
بالرغم من أن الشيعة في السعودية يشكلون أقلية صغيرة ويعيشون تحديداً في شرق المملكة، إلا أنّ أهمية تسليط الضوء عليهم يكمن في الصراع السعودي الإيراني بالمنطقة، وخاصة عقب الاحتجاجات في البحرين، وارتفاع الاهتمام بملف الشيعة في السعودية عقب "عاصفة الحزم" ضد جماعة أنصار الله "الحوثيين" في اليمن.
بعض القوى الإقليمية وخاصة إيران كانت تراهن على تحرك الجماعات الشيعية في شرق المملكة كإحدى أوراق الضغط التي تريد اللعب بها، ومنه تفجير الوضع في المملكة عقب قرار السعودية بشن "عاصفة الحزم"، وهو ما فشل حتى الآن وأثبت الشيعة السعوديين موقفا وطنيا في الحفاظ على أمن بلادهم، الآن كبار الشيعة السعوديين حذروا من التراشق الطائفي وتأثيره على السلام والأمن الاجتماعيين للسعوديين، مطالبين الحكومة بمعاقبة مثيري الاحتقان المذهبي والطائفي.

موقف شيعة السعودية

موقف شيعة السعودية
حتى الآن لم تخرج أي من قيادات الشيعة في السعودية بالتعليق على "عاصفة الحزم" ما بين التأييد أو الرفض، وأعلن العديد وقوفهم إلى جوار الدولة في حربها، لكن محذرين من الخطاب الديني.
وقالت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية: إن شيعة السعودية لا يظهرون معارضتهم لعاصفة الحزم، لكنهم يخشون رد فعلها عليهم من قبل الحكومة السعودية، مشيرة إلى أنهم يتظاهرون في القطيف للمطالبة بالحرية، وأنهم يترقبون حملة قاسية من قبل قوات الأمن السعودية.
ولفتت الصحيفة إلى قول الناشط الحقوقي وليد سُليس بأنه بإلقاء نظرة قريبة على ما وصفه بالهجوم السعودي على جارتهم اليمن بأنها حرب يتخللها حرب أخرى داخلية، مشيرة إلى أن مقلاع السنة يضرب المسلمين الشيعة في اليمن الذين تدعي السعودية أنهم مدعومين من منافستها إيران.
من جانبه تحدث "توفيق آل سيف" الأكاديمي الشيعي والكاتب من مدينة القطيف عن عدم حبه وغيره للحرب، إلا أنه ومنذ أن أصبحت السعودية جزءا من تلك الحرب، فإن شيعة المملكة تقف معها، مضيفا أن الحكومة أظهرت الحرب على أنها سياسية تماما، لكن الشعور الديني في الإعلام جعلها سيئة بالنسبة للشيعة.
وذكر الأكاديمي الشيعي والكاتب السعودي في تغريدة له على شبكة التواصل الاجتماعي: "أكره جميع الحروب، لكن حين يكون بلدي طرفاً في حرب فإني وجميع السعوديين قلب واحد؛ لحماية بلدنا وأهله وصون وحدته ومكتسباته. وطننا أولاً، وطننا دائماً".
ويتركز الوجود الشيعي في السعودية في شرق البلاد في منطقة الإحساء، التي كانت تعرف قديماً ببلاد البحرين، ويعود الوجود الشيعي في هذه المنطقة إلى القرامطة، وهم من الشيعة الإسماعيلية، وقد استطاعوا تأسيس دولة لهم في هذه المنطقة- إضافة إلى أجزاء أخرى من الجزيرة العربية- في أواخر القرن الثالث الهجري أثناء حكم العباسيين، إلى أن كانت نهايتهم على يد السلاجقة سنة 467هـ.
ويتركز الشيعة الإمامية الاثني عشرية في شرق المملكة وخاصة في منطقة القطيف- وهي أكبر مناطقهم- ومنطقة الإحساء، ومدينة الدّمام، ومناطق الشرقية كالجبيل ورأس تنورة، والخبر والظهران، كما لهم تواجد في المدينة المنوّرة، وخاصة في حي العوالي، والعاصمة لرياض وحفر الباطن والمنطقة الغربية.
هذا فيما يتعلق بالشيعة الاثني عشرية، أما الشيعة الإسماعيلية والزيديين القادمين من اليمن فإن لهم وجوداً في المنطقة الجنوبية

تحذير من التراشق الطائفي

تحذير من التراشق
أبدى كبار شيعة السعودية قلقهم من التراشق الطائفي بين السعوديين على خلفية مذهبية، عقب عاصفة الحزم، مع وجود بعض الكتاب على اعتبارها حربًا ضد الشيعة، فقد حذر الشيخ حسن الصفار أحد كبار علماء الشيعة في المملكة من انفلات الخطاب الطائفي، وتأثيره السلبي على شباب الوطن، داعيا أمس إلى وقف الانفلات القائم في الخطاب التحريضي، والتعبئة الطائفية، وإثارة الكراهية بين مختلف الفئات، مشددا على أنها تهدد بحرق الأخضر واليابس.
ورأى بأن الحكومات تتحمل المسئولية السياسية في وقف التراشق وحملات التحريض الطائفي على خلفية النزاعات السياسية التي تمزق المنطقة، مضيفاً :"إن جوهر الصراعات القائمة في الأمة اليوم لا شأن لها بالدِّين إنما هي صراعات سياسية مصلحية غرضها تعديل موازين القوى لدى مختلف التوجهات والجماعات، فلا داعي لإسباغ الصبغة المذهبية والطائفية التحريضية على كل خلاف سياسي، ما يقود لتفجير الأحقاد والضغائن".
ورفض الصفار ما وصفها بـ"الطريقة الوحشية" في إدارة الصراعات والخلافات، مشددًا على ضرورة الإدارة الصحيحة للخلاف عبر تحديد المشكلة والالتزام بالضوابط في الصراع حولها بعيدا عن إثارة الضغائن، وحث على رفض الانسياق خلف التجييش الطائفي الذي يؤججه المتعصبون من كل طائفة، فيقدمون بذلك خدمة للعدو الأجنبي الذي من مصلحته تأجيج الصراع بين السُّنة والشيعة، مرجعا جانبا من الصراع السياسي المتفجر في الأمة إلى رغبة مختلف الأطراف فيما تراه انتزاعا لحقوقها السياسية المصادرة منذ أمد بعيدة.
وعلى الصعيد الاجتماعي، رفض الصفار بشدة ما يمارسه البعض عند كل خلاف سياسي من اجترار سيئ لوقائع التاريخ منذ خلق الله آدم وحتى يومنا هذا، مؤكدا أن الإدارة السليمة للصراعات هي التي تسعى إلى التسوية والتوافق مع الخصم، وتنأى بنفسها عن الصراع من منطلق الأحقاد وغلبة النزعة الانفعالية، وصولاً إلى الرغبة في إبادة الآخرين، وشدد على أن الصراعات الطائفية تمزق الأمة الإسلامية في عصرنا الراهن، وتكشف عن شريحة واسعة من مرضى القلوب الذين تفيض قلوبهم بمخزون من الكراهية والتعصب عند كل خلاف، وحث الواعين من أبناء الأمة على التفكير في مصلحة الأمة والنأي عن الانزلاق خلف خطاب الجاهلين والمتشنجين وحصر الخلافات كما هي عليه ضمن إطارها السياسي الصرف.

هجوم سلفي يرفضه الشيعة

هجوم سلفي يرفضه الشيعة
وفي إطار ما حذر منه الشيخ حسن الصفار أحد كبار علماء الشيعية في السعودية، جاءت تصريحات عددا من مشايخ السلفيين والتي تزيد من سكب الزيت علي النار لتشعلها، بوعي أو بدون وعي وهو ما يخدم دولا خارجية وخاصة إيران، والتي تريد إشعال الصراع المذهبي بالمملكة، فقد توقع الداعية السعودي، محمد العريفي، عدم استمرار المذهب الشيعي في المستقبل، قائلًا: إن دراسته للأحاديث المتعلقة بعلامات الساعة عند المسلمين لا تلحظ للشيعة دورًا، بخلاف من وصفهم بـ"اليهود والروم".
وقال العريفي، في تغريدة له عبر حسابه الرسمي بموقع تويتر: "رأي: سنوات أدرِّس وأؤلف في علامات الساعة لم أر حديثًا يُشير لقوّة رافضية آخر الزمان كما أشير لليهود والروم، فاستنتجت أن الرافضة لهداية أو زوال".
فقد أكد الداعية السعودي صالح المغامسي أن عاصفة الحزم جهاد شرعي كامل لا شبهة فيه.
وأوضح خلال استضافته في نشرة الرابعة على قناة العربية أن إيران أرادت اليمن ممرا للفرس إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، وعاصفة الحزم هي درء للمفسدة.
مثل هذه التصريحات تزيد من حالة السخط والغضب بين الشيعة بشكل عام والشيعة السعوديين بشكل خاص، وهو ما يهدد السلم الاجتماعي في المملكة، ويخدم الأهداف الإيرانية.

ليست حربًا مذهبية

ليست حربًا مذهبية
ويأتي الصوت العاقل في السعودية ليؤكد على أن "عاصفة الحزم" ليست حربا مذهبية، بل هي حرب من أجل الأمن القومي السعودي والعربي، وأكد السفير أحمد قطان سفير السعودية بالقاهرة أن عاصفة الحزم ليست حربا مذهبيا على الإطلاق، موضحاً أن المملكة من أكثر الدول حرصا على استقرار اليمن، لافتا إلى أن ما فعله الحوثيون انقلابا على الشرعية بدعم من إيران؛ لذا كان لزاماً للحفاظ على اليمن من التدخلات الإيرانية.
وقال قطان: «تلقينا رسالة من الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي للتدخل والحفاظ على اليمن»، مشدداً على أن «عاصفة الحزم» تستند لاتفاقيات دولية وعربية ولا تخالف القوانين.
وأكد قطان أن أمن السعودية أمر لا يحتمل التأخير وعاصفة الحزم حق للمملكة لحماية المنطقة بكاملها، وتابع: «لا يمكن أن ننسى تحالف علي عبدالله صالح والحوثيين ضد السلطة والشعب اليمني».
وقال الكاتب السعودي أحمد الحناكي، في مقاله له بصحيفة الحياة تحت عنوان "عاصفة الحزم ليست مذهبية": "إذاً الترويج لحرب مذهبية رأي متخلف وخطير، يهدف إلى شق اللحمة العربية، وإيران- كما يعرف الجميع- احتوت زعماء «القاعدة» في فترة ما، وتستغل أيضاً أحزاباً شيعية في سبيل مجدها الفارسي، الذي كان- ولا يزال- حلماً لها، وهو ما يناقض كونها تتبنى المذهب الشيعي".
وأضاف: " إن الخوف هو من الإصرار على إقحام المذهبيات في كل معاركنا، وهي خديعة تروج لها قوى كبرى وأقلام مأجورة، ومن الانحطاط أن يعامِل بعضهم مواطناً باعتباره منحازاً ضد بلده لمجرد أنه والعدو من مذهب واحد".

إيران واللعب على وتر المذهبية

إيران واللعب على
في مقابلة سابقة مع أحد المحللين الإيرانيين البارزين بخصوص مشكلات العالم العربي، والتي توضح مدى استخدام إيران للشيعة في مختلف الدول العربية والإسلامية لخدمة أهدافها، وليس لخدمة القضية الشيعية.. من منظور سياسي يهدف إلى استخدامهم كورقة في الصراعات الإقليمية والدولية للجمهورية الإسلامية، وهو ما أصبح الشيعة العرب ينتبهون له بل ويهاجمون الموقف الإيراني الذي يستخدم الشيعة كورقة في الصراعات السياسية.
ويقول المحلل الإيراني محمد صادق الحسيني في افتتاحية صحيفة "خبر" الإيرانية، أن أي حل للمسألة الشيعية في السعودية سيكون متسقا مع المصالح الإيرانية. وقال إنه يعتقد أنه طالما كان الشيعة في خطر شديد، فقد يتمردون ويثورون في أي وقت، وبقية السيناريو سيسير بهذا الشكل: البحرين وأجزاء من اليمن والمناطق الشيعية في السعودية، سيتوحدون مع الإسماعيلية في إيران، سيشكلون ما مجموعه أكثر من ٧٥ مليون شخص، ما يُمَكنهم من إنشاء إمبراطورية ضخمة. ربما يبدو هذا السيناريو ضربًا من الخيال، إلا أن السعوديين لا يرونه مغرقا في الخيال.
المحلل الإيراني في الحقيقة كان يتحدث عن سيناريو يعتقده آل سعود في الرياض، وهو إحياء فكرة الدولة الشيعية العربية، والتي يجب أن تقع تحت تأثير طهران، حتى الركن اليمني الذي يضم- بعيدا عن اليمن نفسها- مناطق عسير ونجران في السعودية.

المشهد الشيعي في العاصفة

المشهد الشيعي في
بدأت الأصوات العاقلة في السعودية تنادي بأن الحرب في اليمن ليست مذهبية ولكن هي سياسية، وأدى تراجع الأصوات التي تصف عاصفة الحزم بأنها عاصفة ضد الشيعة الكفرة؛ للفت انتباه السعودية وملاحظتها تأثير الخطاب الديني للعاصفة واتخاذها شكلا مذهبيا على الأمن القومي السعودي، والأمن القومي الخليجي والعربي، فبدأت تعيد من خطابها السياسي والديني تجاه العاصفة، عقب مواجهة الفتاوى من رجال الدين بالمملكة، والتي اعتبروها حربا مذهبية مقدسة، في مقابل الخطاب الديني والمذهبي الإيراني من مراجع الدين الإيرانيين.
اليوم الشيعة السعوديون في مرمى العاصفة، ولكن بذكاء قادتهم العقلاء أكدوا على وقوفهم مع الدولة السعودية، مع تحذيرهم من الخطاب المذهبي الذي يثير الفتنة ويهدد السلام الاجتماعي؛ لذلك على صانع القرار في السعودية الانتباه جيدا لمخطط إذكاء الفتنة المذهبية والرهان على وطنية الشيعة السعوديين والعرب؛ للحفاظ على السلام الاجتماعي والأمني في المملكة والمنطقة العربية والإسلامية.

شارك