هل تنهي "العشائر" الصراع في سوريا؟!

الجمعة 07/نوفمبر/2014 - 07:18 م
طباعة هل تنهي العشائر الصراع
 
تعد العشائر والقبائل أهم القوى ذات الثقل السياسي والاجتماعي والاقتصادي في سوريا والعراق، والجزيرة العربية، ومع الصراع الدائر بين مؤسسات الدولة السورية والعراقية والتنظيمات الجهادية وفي مقدمتها تنظيم جبهة" النصرة" فرع تنظيم القاعدة في بلاد الشام،  وتنظيم الدولة  "داعش" نجد أن الجميع يلعب علي جذب ولاء مشايخ العشائر في البلاد ويجعلها تحت ولائهم بما في ذلك المؤسسات الحكومية.
ويحذر العديد من المراقبين من انتشار العقيدة الجهادية بين القبائل إلى توطن دائم، لكونها بيئة قابلة، لكن تلك الرؤية تفتقد إلى العمق والمعرفة الميدانية، ويبنى عليها سياسات عجولة، تتلخص في التعامل مع الظاهرتين بالأسلوب ذاته، وهو الحرب، وقمع وترهيب المجتمعات العشائرية لمنعها من احتضان الجهاديين أو التحالف معهم، وبينما تتم دراسة أدق شئون الجماعات الدينية، يتم المرور عرضاً على الشأن القبلي، ولا يحظى بأي قدر من الدراسة أو التمحيص، وهو ما سنحاول إلقاء الضوء على جانب منه هنا، للوصول إلى مقاربة أكثر دقة للقضية المطروحة.

أهم العشائر السورية والانتشار:

 أهم العشائر السورية
العشيرة هي الجماعة التي تنتسب لجد واحد، أما القبيلة فإنها تجمع لعشائر، قد تكون من أصل واحد أو من أصول مختلفة، ولا يمكننا تحديد أكبر القبائل عدداً لعدم توفر الإحصائيات، وتمثل الانتخابات التي كانت تجري في الماضي المقياس، فالانتخابات النيابية، التي كان يترك فيها بضعة مقاعد للمستقلين عن الجبهة الوطنية التقدمية، ويحتدم التنافس عليها بين زعماء القبائل الأكبر عدداً، وتشير تلك النتائج إلى فوز أفراد من قبيلتي العقيدات والبكارة في دير الزور بشكل مطلق، وتناوب على مقاعد المستقلين في الحسكة أفراد من قبائل شمروطي والبكارة، وتعتبر سوريا المنبع الرئيس لعشائر الجبور التي تعد من القبائل الكبرى فيها، إذ لا يقل عدد سكانها عن نصف مليون نسمة، يعيش معظمهم في منطقة الجزيرة، وتحديدا في محافظة الحسكة، وأطراف دير الزور والرقة، كما أن لهم وجودا في دمشق. وتتفرع الجبور إلى ثلاث عشائر يرأسها محمد الشيخ أحمد المسلط الملحم، وأبناء هذه القبيلة يميلون إلى الانخراط في صفوف القوى الإسلامية المتشددة.
أما عشيرة البقارة (البكارة) التي يتوزع وجودها بين العراق وسوريا والأردن وتركيا، فيتراوح تعداد أبناء القبيلة ما بين 1.5 و2 مليون نسمة، وهي تنقسم إلى ثلاثين فرعا، لكل منها شيخ. وينقسم أبناء هذه العشيرة بين مناصرين للثورة منهم عضو مجلس الشعب الشيخ نواف البشير وجماعات أبقت على مصالحها مع الرئيس السوري، في حين تشير تقارير إلى أن نسبة عالية من أبناء عشيرتي طي والمعامرة تشكل الدعامة الرئيسة لأنصار الرئيس الأسد في منطقة الجزيرة.
 وفي الرقة تناوب أفراد من قبائل العفادلة، الولدة، البوخميس، الصبخة، البوعساف، وفي حلب تناوب أفراد من قبائل الحديدين، البوبنا، والبومانع، والبكارة، وفي حماه تناوب أفراد من قبيلتي الموالي والنعيم، وفي حمص تناوب أفراد من عنزة والفدعوس، وفي إدلب يفوز عادة أفراد من الحديديين، وفي القنيطرة يفوز أفراد من قبيلة الفواعرة، أما في درعا فيتناوب أفراد من عشائر المحاميد والمسالمة وأبا زيد والزعبي، وثمة قبائل كردية في الجزيرة السورية، أهمها المليّة والدقوري والهفيركان والكيكي والمرسينية.
وتنتشر في شرق سوريا أحلاف قبلية وعشائرية كبرى، أبرزها شمر، وينتسب إلى شمر التي تمتد بطونها وعشائرها من شمال العراق إلى شبه الجزيرة عبر سوريا والأردن، رئيس الائتلاف السوري المعارض أحمد عاصي الجربا والرئيس العراقي الانتقالي السايق غازي الياور، وتربط وجهاء شمر علاقة وثيقة مع القوى الكردية الموجودة في المنطقة، كما يميل معظم أبنائها إلى القوى المدنية باستثناء منطقة الجوادية التي باتت تعتبر معقلا لما يعرف بـ«جبهة النصرة».
ووفقاً للمكتب المركزي للإحصاء، بلغ عدد سكان سورية المسجلين حتى تاريخ 1/1/2011 في سجل الأحوال المدنية 24504 ألف نسمة، منهم 1692 ألف في محافظة دير الزور، و1008 ألف في الرقة، و1604 ألف في الحسكة، و 1126 ألف في درعا، يمكننا على وجه التقدير، اعتبار 90 % على الأقل من سكان هذه المحافظات من خلفيات قبلية، أي ما مقداره 4887 ألف نسمة، ويمكننا إضافة مليونين من سكان أرياف ومدينة حلب، كما يمكن إضافة ما نسبته عشرة بالمئة على الأقل من سكان إدلب وحماه وحمص والقنيطرة، والبالغ عددهم وفق الإحصائية نفسها في حمص 2147 وحماه 2113 وإدلب 2072 والقنيطرة 489 أي ما مقداره 682 ألف نسمة، وهذا يعني أن المواطنين من خلفية قبلية يزيد عددهم على 7569 ألف نسمة، ومع إهمال التجمعات القليلة في بقية المحافظات، نستطيع أن نقول إن نسبة المواطنين من خلفية قبلية إلى عدد السكان الإجمالي تزيد على 30%، ويعيشون في مناطق تزيد مساحتها على 43% من مساحة سورية البالغة 185.180 كم²، إذا احتسبنا فقط مساحة المحافظات ذات الغالبية العشائرية المطلقة وهي دير الزور 33.060 كم² والحسكة 23.334 كم² والرقة 19.616 كم² ودرعا 3.730 كم².

"دير الزور" والانقسام:

دير الزور والانقسام:
في أفق محافظة «دير الزور» الغنية بالنفط تدور حرب عشائرية طاحنة، مع الانقسام العشائري ولاءً لأطراف القتال من تنظيمات إسلامية وغيرها، فيما يحيد قسم من العشائر نفسه عن اقتتال الإسلاميين فيما بينهم، متوعداً بقتال من يتطاول على مناطقه وعرضه، بوضوح تذهب عشائر «دير الزور» إلى العسكرة، وموضة السلاح هنا ليست جديدة، عمرها من عمر الحرب الأمريكية في العراق، كانت هذه المنطقة تعتبر ممراً للمسلحين والسلاح للداخل العراقي قبل الحرب السورية بسنوات، العشائر هنا متأصلون بحب السلاح والتسلح الذي يعتبر شيمة من شيم العرب!.
 مع دخول الأزمة السورية في العسكرة، ارتقى قسم من أهالي دير الزور أن يساند «الثورة المسلحة»، فيما نأى قسم آخر بنفسه عن ذلك، حيث شهدت العديد من أحياء المدينة كما مناطق الريف معارك مع الجيش السوري، أشهر قليلة ودخلت إلى واجهة الأحداث جماعة «دولة الاسلام في العراق والشام» (داعـش) التي كانت تحيا على بعد أمتار من «دير الزور» في محافظة «الأنبار» العراقية، دخول غيّر الواقع، قسماً من العشائر دعم «الدولة» وقاتل إلى جانبها، وقسماً آخر ابتعد. 
كانت «جبهة النصرة» هنا ايضاً، عند وصول الصراع بين الطرفين إلى ذروته مع إعلان الحرب من الطرفين، دخلت المدينة في نفق الاقتتال الإسلامي، فتحولت إلى أرضية خصبة لهذا القتال لعدة عوامل، لعل أبرزها غناها بالنفط وقربها من محافظة «الأنبار» العراقية التي تعتبر معقل «داعش» الذي يرى في «دير الزور» امتداداً له، كذلك اتصالها مع «الرقة» التي يرى فيها «التنظيم» نواة الدولة المتصلة مع محافظة «الأنبار» العراقية، وعشائر «دير الزور» ليست بعيدة عن هذا المشهد، فهي تحيا على هذا الواقع، مع ازدياد الانقسام الاسلامي ودخوله في الحرب، تشتّت مبايعة العشائر بين مبايعة قسم لـ «داعش» وقسم آخر لتحالف «النصرة» – «الإسلامية».
و هنا العامل «القبلي العشائري» دخل على الخط عبر عوامل التناحر التاريخية بينها، عزّز ذلك عمليات الثأر والثأر المتبادل القديمة – الجديدة التي كفلت توزيع ولاءات العشائر للتنظيمات، فيما نأى قسماً منهم عن ذلك بالولاء لنفسه وجماعته مع تكتله وتشكيله كتائب عسكرية خاصة تهدف لحماية ممتلكات وأعراض العشرية من هجوم العشائر الاخرى أو التنظيمات المتناحرة،وعلى وقع ذلك استمر تشظي عشائر دير الزور مع إعلان عشيرة «الشويط» التابعة لـ «العكيدات» والتي تسكن مدينة «صبيخان» في الريف مشاركتها في «تحالف» لقتا لـ«داعش». 
«العكيدات» قرّرت متحدة مواجهة «داعش» على الرغم من مبايعة بعض عشائرها «للتنظيم» معتبرة انّ الصراع في المدينة هو من أجل النفط، وعليه، فإن من قادم لتقالنا في ديارنا أتى ليسرق خيراتنا، فتبني «العكيدات» المواجهة على هذا الأمر. في الكفة الأخرى من ميزان القوى توجد عشيرة «بكير» الكبيرة، هذه أعلنت توحدها تحت اسم «جيش زلزال بكير» معلنة أنها تقاتل لتحقيق الشرعية الإسلامية، ضمنياً أقرّت بتحالفها مع «داعش» ما جعلها في مواجهة العشائر الأخرى، والأمر الذي يعزز هذا الصراع هو الصراعات القديمة بينها وبين «العكيدات». 
ما زاد الطين بلّه إعلان «تنسيقيات داعش» أن الشيخ أسعد ابن الشيخ نواف البشير زعيم عشيرة «البقّارة» التي تعتبر ثانِ أكبر عشيرة في «دير الزور» قد أعلن مبايعته «داعش» في قتالها بالمدينة، ووضع على عاتقه تجميع القوات وحشدها لصالح «الدولة الإسلامية»، هذا القرار اعتبر انه يضع المدينة على شفير بركان الحرب العشائرية، خصوصاً مع استجداء الصراعات التاريخية مع «العكيدات» وقرع طبول الحرب وإيقاظ الأحقاد واستعادتها على وقع التحالفات الجديدة، كذلك قام عدد من عناصر لواء «جندُ العزيز» بمبايعة تنظيم «الدولة» في قرية «الحُسينيّة» القريبة من مدخل مدينة دير الزور.
 وكان انشقاق كبيرً قد حدث في «لواء القعقاع» الذي يتشكل من عشيرة «القرعان» التي تشكل الغالبية في مدينة «القوريّة» بريف المدينة، وجاء هذا الانشقاق احتجاجاً على مبايعة قائد «اللواء» محمود مطر لزعيم «داعش.

واقع القبائل في الصراع:

واقع القبائل في الصراع:
يمكن وصف العلاقة اليوم بين القبائل والتنظيمات الجهادية، وفي مقدمتهم "داعش" وجبهة النصرة  بأنها علاقة هيمنة الجماعات المتطرفة على العشائر في محاولة إلغاء الهوية القبلية، مع المحافظة على إمكانية الاستفادة من شبكة العلاقات التي توفرها، ودون أن تتحول تلك الشبكة إلى قيد أو إطار تحتجز داخله.
 ومن الملاحظ اليوم أن قبائل كثيرة وكبيرة نأت بنفسها عن الجهاديين، فيما كانت العشائر الصغيرة المضطهدة في محيطها، الأكثر إقبالاً على انخراط أبنائها في التنظيمات الجهادية والمسلحة لبسط النفوذ والقوة. 
ويقدر نشطاء في المنطقة الشرقية أن حصة أبناء تلك المنطقة من الجسد العسكري لداعش تبلغ نحو 70 %، لكن وفقاً للنشطاء ذاتهم فإن نسبة المتعاطين مع التنظيم من مجمل السكان لا تتجاوز الخمسة بالمئة، جلهم من المرتبطين نفعياً به، فهو يقدم رواتب وإعانات وفرص عمل في قطاع النفط، الذي يقدرون عدد الأسر المستفيدة من العمل به بنحو 30 ألف عائلة.

التحرك السوري لجذب العشائر:

التحرك السوري لجذب
فيما يبدو أن نظام الرئيس السوري بشار الأسد أدرك خطأه في إهماله لمجتمع العشائر، فاستقبلت العاصمة الروسية موسكو، وفدا من ممثلي قيادة مجلس العشائر السورية من أجل وقف العنف وحل الأزمة في سورية والتي لا يمكن أن يكون إلا عن طريق الحلول السياسية والسلمية وعبر الحوار السوري السوري فقط، ومن دون تدخل أطراف خارجية فيه مشددين على أن "وطننا سورية كان مثالا يقتدى به وأنموذجا رائعا للتآخي والمحبة بين كل أبنائه".
وأوضح أعضاء وفد مجلس العشائر السورية في مؤتمر صحفي في موسكو في 20 أغسطس الماضي، أن مبادرة تشكيل المجلس في مطلع يوليو هذا العام جاءت لوقف العنف والدمار والخراب وتدمير الإنسان فكرا وجسدا جراء تجاذب القوى التي لا تريد لسورية الخير، مبينين أنهم "يبحثون عن بصيص ضوء للوصول إلى نهاية النفق والخروج من المأزق الذي أدخلنا إليه الغير".
وأشار أعضاء وفد مجلس العشائر الى تطابق وجهات النظر والتقارب في الافكار الذي ساد خلال لقائهم ميخائيل بوغدانوف الممثل الخاص للرئيس الروسي لشئون الشرق الأوسط نائب وزير الخارجية لدراسة الأوضاع في سورية "فالكل يريد حل الأزمة في سورية حلا سياسيا".
وناشد أعضاء الوفد الشباب السوري وأبناء سورية الغيارى للوقوف وقفة رجل واحد لحقن دماء أبنائنا ولوقف التدمير والخراب وللتعاون معا لوضع خطة عمل ومبادرة على مستوى سورية من أجل إنقاذ الوطن وإخراجه من هذه الكارثة التي لا تبقي وتذر مشيرين إلى أن البيان التأسيسي لمجلس العشائر السورية حصل على تأييد وتواقيع شيوخ عشائر وقبائل عديدة منهم الشيخ دهام الهادي شيخ عشيرة شمر والشيخ حسن المسلط شيخ عشيرة جبور والشيخ فيصل عبد الرحمن شيخ عشيرة طي وشيوخ عشائر وقبائل حرب والجوالة والراشد والغنامة والمعامرة والخواتنة وغيرها، مؤكدين أن باب الانضمام إلى المجلس يبقى مفتوحا أمام كل من يريد.
قال عضو قيادة مجلس العشائر السورية الشيخ محمد العاقوب الحربي شيخ قبيلة حرب في تصريح مماثل إن “تعريف الإرهاب بالنسبة للقبيلة والعشيرة منذ عهد ابائنا وأجدادنا.. يعتبر إرهابيا كل من يتعدى على الحياة وعلى أموال الناس وعلى الحرمات ويغتصب النساء لذلك إن الإرهابي بالنسبة لأفراد العشيرة أو غيرها هو كل من يقوم بهذه الأعمال، مضيفا أن ضعف الإعلام العربي جعل من العرب إرهابيين في نظر الآخرين ولكن الإرهاب ضمن هذه الأعمال سواء جرى ارتكابه في العالم الشرقي أو الغربي، إذ أن مرتكب هذه الحالات أيا كان يعتبر إرهابيا وليس العرب حصرًا والموجودون في المنطقة هم الإرهابيون".
وقال عباس حبيب منسق مجلس العشائر السورية "نحن نسعى جاهدين لوقف العنف والاقتتال والخراب والتدمير خصوصا في منطقة الجزيرة السورية باستخدام كل الوسائل المتاحة" لافتا إلى أن "المجلس سيقوم بجولة عربية وإقليمية إلى الدول التي لها تأثير على الوضع في سورية”.

المشهد الآن:

المشهد الآن:
فيما يبدو أن الصراع على العشائر ليس هينا بين الجماعات المسلحة والجهادية في ظل غياب الدلة او عدم الالتفاف الي ملف العشائر، او محاولة من العشائر لبسط النفوذ في ظل الاهمال الذي لاقه مجتمع العشائر في سوريا من قبل الحكومات المتعاقبة.
لذلك يجب على الجهات التي المعنية بالحرب على الإرهاب أن تدعم المجتمع العشائري ومشايخ القبائل، ليحرز استقلاله، وتمكينه من فك ارتباطه القسري مع الحركات المتشددة، وتقوية اذرعه العسكرية، ودفع أفراد منه إلى الواجهات السياسية، لتمثيل فئتهم الاجتماعية في عملية صنع القرار.
ويجب على الجهات المعنية لفرض نوع من الاستقرار المجتمعي الأولي في مناطق القبائل، أن تستقطب و تدعم النخب التقليدية، وتعيد لها الاعتبار في محيطها الاجتماعي، والتركيز على الزعماء كبار السن، فالعشائرية بنية أبوية تستجيب عمودياً للأكبر سناً، والذين يتمتعون إضافة إلى ذلك بالخبرة في فظ النزاعات المحلية، والقدرة على التواؤم مع النظام العام، لذلك في ظل المسعي السوري لاستقطاب العشائر وصراع القوى الأخرى على هذه القبائل، فمن يستطيع كسب العشائر سوف ينتصر في الحرب، فهل تنهي "العشائر" الصراع في سوريا؟

شارك

موضوعات ذات صلة