الاسلام السياسي بين سقوط التنظيم وبقاء الفكرة

الخميس 15/يناير/2026 - 12:52 م
طباعة
 
ما زال الاسلام السياسي حيا لا بوصفه تنظيما يرفع شعارا بل بوصفه طريقة تفكير وبنية ذهنية رسخت عميقا في الوعي الجمعي
لم يعد في حاجة الى رايات ولا الى منصات لانه استقر في اللغة التي نتكلم بها وفي الاسئلة التي نخشى طرحها وفي تلك المساحات الرمادية بين المقدس والبشرية. بين الايمان بوصفه تجربة روحية والسلطة بوصفها اداة للهيمنة
سقط التنظيم حين اصطدم بجدار الدولة وتهاوى المشروع حين عجز عن ادارة الواقع لكن الفكرة لم تهزم لانها لم تحاكم معرفيا ولم تفكك فلسفيا بل ازيحت ازاحة امنية كأنها خطر عابر لا بنية ثقافية ممتدة
وحين يؤجل النقد تنمو الجذور في الظل وتعيد الافكار انتاج نفسها باقنعة اكثر دهاء واقل صخبا
الاسلام السياسي ليس حدثا طارئا في التاريخ بل هو تعبير عن التباس مزمن بين الدين والدولة بين المطلق والنسبي بين ما يعتقد وما يدار انه تلك اللحظة التي يتحول فيها الايمان من معنى وجودي الى برنامج حكم ومن سؤال اخلاقي الى اداة ضبط ومن علاقة حرة بين الانسان وربه الى وصاية دائمة على الضمير والعقل
ما زال رجل الدين يتصدر المشهد لا لانه الاجدر بالقيادة بل لان السلطة لم تتح  بعد ان يفك الارتباط بين المعرفة والقداسة بين الراي والفتوى.
وما زال المثقف والمفكر الحقيقي متواريا عمدا مسلوبا من الادوات والامكانيات
 مازالت  الأسئلة تمع وتشيطن ويستبدل التفكير بالجاهز والمعلب 
ما زال الجهل يتقدم الصفوف لا باعتباره نقصا في المعلومات بل باعتباره موقفا معاديا للعقل
 جهل يلبس ثوب اليقين ويخاف من الشك ويعتبر السؤال خيانة والاختلاف تهديدا والتعدد لعنة وفي هذا المناخ مازالت العلمانية كلمة سيئة السمعة. شوهت واختزلت في الالحاد بينما هي في جوهرها تحرير للدين من التوظيف وحماية للايمان من الابتذال السياسي
نحن في حاجة الى مواجهة من نوع اخر لا تدار بالعصا ولا تختزل في الامن بل تخاض في ميدان المعرفة مواجهة تعيد طرح الاسئلة المؤجلة
 ما معنى الدولة؟
ما حدود الدين و اين ينتهي المقدس ويبدأ الانساني؟ 
 وما الحق الذي لا يملكه احد في مصادرة اختلاف الاخر
نحن في حاجة الى ثورة هادئة في الوعي الى تعليم يعلم التفكير لا الحفظ الى خطاب ديني يعترف بتاريخيته والى اعلام لا يوارب ولا يناور في حاجة الى ان يعود العقل الى مركز المشهد لا بوصفه خصما للايمان بل بوصفه شرطا لنضجه
 فالدولة الحديثة ليست تجليا للعقيدة ولا امتدادا للجماعة بل اطار قانوني يدير الاختلاف ويحمي التعدد ويضمن الحقوق بغض النظر عن المعتقد وحين تغيب هذه الفكرة يصبح الدين بديلا عن القانون وتصبح الهوية بديلا عن المواطنة ويغدو العنف مبررا باسم الدفاع عن المقدس
ان ازمة الاسلام السياسي هي في حقيقتها ازمة وعي ازمة تعليم يلقن ولا يحرر ازمة اعلام يلمح ولا يصرح ازمة ثقافة تفضل الطمأنينة الزائفة على القلق الخلاق ولذلك تظل الاسئلة الكبرى مؤجلة
 ما معنى ان نكون مواطنين لا اتباعا؟؟
 ما حدود السلطة الدينية واين يقف حقها واين يبدأ حق الفرد في الاختيار والاختلاف؟؟
نحن في حاجة الى مواجهة معرفية شاملة لا تستهدف الاشخاص ولا تعادي التدين بل تعيد ترتيب المفاهيم وتفصل بين ما هو روحي وما هو سياسي وتعيد للعقل مكانته بوصفه اداة للفهم لا خصما للايمان نحن في حاجة الى فلسفة تنزل من ابراجها وتدخل المجال العام وتعيد الاعتبار للسؤال وتحرر اللغة من خوفها
ولنعلم ان الافكار لا تهزم بالقوة بل تهزم حين تفهم وتفكك وتستبدل بافكار اعمق منها اكثر انسانية واكثر قدرة على ان تجعل هذا المجتمع يعيش لا على هامش التاريخ بل في قلبه
فالمعركة الحقيقية ليست بين دولة وتنظيم ولا بين سلطة ومعارضة بل بين عقل يريد ان يرى وعقل يخشى الرؤية بين وعي يقبل التاريخ ووعي يريد ان يعيش خارجه
 واما ان ننجح في بناء انسان حر قادر على التفكير والاختيار واما ان نظل نعيد انتاج الازمة نفسها باسماء مختلفة وشعارات متبدلة بينما يبقى الجوهر اسيرا للخوف والوصاية والوهم

شارك