قطر والإخوان.. تاريخ من الإرهاب والعبث في المنطقة (4)

الأحد 12/أبريل/2020 - 12:12 ص
طباعة قطر والإخوان.. تاريخ حسام الحداد
 
ان المتابع للشأن الإخواني خصوصا التنظيم الدولي للجماعة يعلم علم اليقين بأن دولة قطر وفرّت على مدار الاعوام الماضية ملاذاً للكثير من قادة الجماعة، وأن للإمارة الخليجية علاقة متميّزة ومتجذّرة بالجماعة شكَّلّت خلال المرحلة الماضية محطة مهمة لرموز "الإخوان" في العالم الإسلامي.
تناولنا في الورقة الأولى  من " قطر والإخوان.. تاريخ من الإرهاب والعبث في المنطقة" بدايات التواجد الإخواني في قطر، ودور إمارة الإرهاب في احتواء الجماعة وتوفير لهم ملازات آمنة ولمحة عن الدعم المالي ودور رجال الأعمال القطريين في دعم رأسمال الجماعة في مصر.
وفي الورقة الثانية تناولنا دور أكاديمية التغيير القطرية في شيطنة المنطقة العربية.
وفي الورقة الثالثة تناولنا أكاديمية التغيير والسيناريو العراقي وتأثير هذه الأكاديمية على بعض دول الجوار 
وفي هذه الورقة سوف نتناول صراع إمارة الإرهاب وجماعة الإخوان مع مصر.
الصراع مع مصر:
ان تلك القاعدة الأمريكية الصغيرة القابعة في الخليج العربي والتي تسمى دولة قطر ما زالت تمارس عمليات عدائية تجاه الدولة المصرية، ففي منتصف ديسمبر 2016،  قام مسئول قطري بزيارة لأثيوبيا والتنسيق لاستثمارات في سد النهضة الاثيوبي، ورصدت أجهزة الأمن المصري تحركات سريعة وعاجلة من الحكومة القطرية بالدوحة لتنفيذ مخطط لضرب الأمن المصري بواسطة استخدام الفوضى الليبية عن طريق تولي الدوحة عملية إجلاء الدواعش والميليشيات المسلحة من العراق وسوريا واليمن إلى ليبيا عن طريق تهريبهم عبر تركيا للاستقرار بطرابلس الليبية ومدينة سرت، ومنها محاولة اختراق برقة التي تسيطر عليها قوات المشير خليفة حفتر وحتى حدود ليبيا الشرقية التي تقابلها الحدود المصرية الغربية؛ وذلك بهدف مشاركة دواعش ليبيا ودخولهم مطار معاتيقه الذي يسيطر عليه إخوان فجر الليبية ومصراته التي تسيطر عليه أتراك سمح لهم إخوان ليبيا وضع اليد على هذا المطار. 
وأضاف مصدر أمني في تصريحات خاصة لـ"البوابة نيوز" أن تلك الخطة تهدف إلى تنفيذ عمليات إرهابية على الحدود الغربية المصرية لاستنزاف قوات الأمن المصري التي تسيطر سيطرة كاملة على الوضع الأمني داخل المحافظات وخارجها، وأعلنت الاستنفار التام قبل احتفالات رأس السنة وأعياد الميلاد وتأمين ذكرى 25 يناير، مشيرًا إلى أن أعداد الدواعش الليبية بمحافظات ليبيا 5000 حتى قيام خليفة حفتر وقواته بتعقبهم بالمحافظات وحصارهم في طرابلس، فهرب من هرب عبر حدود ليبيا مع دول الجوار ولم يتبق سوى 500 داعشي، الأمر الذي جعل قطر تعزز تلك الأعداد القليلة بدواعش سوريا والعراق واليمن ومدهم بالدعم اللوجيستي والأسلحة الثقيلة لتنفيذ المهمة بالوصول إلى حدود مصر الغربية.
وليست هذه هي المرة الأولى ولن تكون الأخيرة التي تحرض فيها قطر ضد مصر فلا أحد ينسى أن أمير قطر وقف في الأمم المتحدة يحرض ضد مصر، ويحرض ضد الرئيس السيسي، وكانت كلماته تدل على نفسية موتوره حاقدة على مصر، وحين حلل المحللون وناقش المتناقشون ما هي البواعث التي دفعت قطر وأميرها إلى اتخاذ مواقف متشددة ضد مصر كان بعضنا يعزو ذلك إلى تبعية قطر للولايات المتحدة الأمريكية، فدولة قطر هي في حقيقتها قاعدة للقوات الأمريكية، منها تنطلق ومنها تُظهر العين الحمراء للمنطقة بأسرها.
فلا أحد ينكر هذه التبعية إلا أن المسألة تبدو أعمق من ذلك، وهي موصولة بالإخوان، الذين هم على صلة وثيقة بالأمريكان، والذين هم على صلة أوثق بالإنجليز؛ حيث يعرف الجميع أن المخابرات البريطانية هي الرائدة في مجال إنشاء الأنظمة التابعة والموالية، أما المخابرات الأمريكية فهي تابعة في المنهج والأسلوب بل وفي القيادة أيضًا للمخابرات البريطانية، ولك أن تعلم أن المخابرات البريطانية بعد أن فقدت الإمارات العربية المتحدة بعد توحدها تحت زعامة الشيخ زايد إذا بها تنقل العطاء على قطر كإمارة تابعة لها من حيث الولاء والتوجيه والإدارة، وقد كانت بريطانية هي المشرفة على استخراج الثروة النفطية بتلك الإمارة عندما تفجرت آبار الذهب الأسود فيها، وعندما طالبت المملكة السعودية في القرن العشرين بضم قطر لها باعتبارها جزءاً من منطقة الأحساء السعودية وقفت بريطانية ضد هذا الطلب إذ إنها كانت تعتبرها قاعدتها التي تسيطر من خلالها على منطقة الخليج كله، كما أن استقلال قطر عن السعودية وعن الإمارات يجعل منها أداة لبريطانية وأمريكا بالطبع لتهديد منطقة الخليج كلها متى شاءت، بل إن بريطانية من أجل خلق حالة من التوتر الدائم في السعودية والإمارات قامت بتسليم ثلاث جزر إماراتية لإيران عندما أنهت احتلالها لدولة الإمارات، ولا تزال هذه الجزر إلى الآن تحت السيادة الإيرانية. 
يتضح من ذلك أن بريطانيا كانت هي المبتدأ، وأمريكا هي المنتهى، وبين هذه وتلك كان الإخوان في المنتصف، ولا غرابة في ذلك، فالإخوان يتبعون من حيث النشأة والرعاية المملكة البريطانية، ويتبعون من حيث الإدارة والتوجيه الولايات المتحدة الأمريكية، وليس هذا جديدًا على المتلقي، إذ إن التاريخ يشهد عليه والحاضر الواقع يؤيده، وحين ضاقت الأمور بالإخوان في مصر بعد ظهور عبدالناصر ونظام يوليو كانت الأوامر البريطانية للإخوان أن اذهبوا لقطر فإنها لهم فيها ذمة وصهرا، لهم فيها ملك خليجي من آل ثاني يرتع الإخوان عنده ويساعدونه على تكبير وتضخيم دولته، وهناك في قطر أنشأ الإخوان لهم تنظيماً قوياً استطاع أن يكون التنظيم الأكبر تأثيراً فيها، بل إنه أصبح موازياً من حيث القوة لقوة الأسرة الحاكمة هناك.
وكانت بدايات الإخوان في قطر بالشيخ عبد البديع صقر وتابعه الشيخ يوسف القرضاوي، هؤلاء الشيوخ ومن تبعهم ووالاهم ذهبوا إلى قطر؛ هرباً من مصر وكأن قطر كانت وظلت مأوى للهاربين من مصر الخارجين على قانونها وشرعيتها، وفي قطر اهتم شيوخ الإخوان في الخمسينيات والستينيات ببناء المساجد والمدارس، والمعاهد الدينية، فمن خلالها يستطيعون توجيه العقول والسيطرة عليها، وبواسطة المخابرات البريطانية عقدوا صلات قوية مع الحكام، وكان أن وجهوا اهتمامهم للعمل الخيرى والدعوي، فتأثر بهم عدد من الشباب القطري.
وتشكل تنظيم الإخوان في قطر في منتصف السبعينيات من خلال اجتماع حضره مائة شخص قطري بمباركة من يوسف القرضاوي والشيخ على السالوس، والشيخ محمد الغزالي، وقرروا تشكيل تنظيم الإخوان في قطر بشكل رسمي وبمباركة من الحكام، وأنشئوه على نفس نظام تنظيم الإخوان الأم في مصر. 
من هنا كانت قطر من الناحية التنظيمية بمثابة منطقة... وفيها أربع شُعَب، وكل شعبة فيها أربع أسر، وكل أسرة تتكون من خمسة أفراد، ثم هناك في القمة مكتب إداري، واختار الإخوان هناك رجلاً من كبار العلماء القطريين كي يكون مراقباً عاماً للإخوان هناك هو الشيخ "عبد الله الأنصاري".
وقد ارتبط الأنصاري ارتباطًا وثيقًا بالإخوان من خلال الشيخ يوسف القرضاوي، وفي منتصف الثمانينيات جاء الأنصاري مع القرضاوي إلى مصر، وتقابلا مع الشيخ عمر التلمساني مرشد الإخوان، وفي أيامها رحب الإخوان ترحيباً كبيرًا بالشيخ الأنصاري، وألقى درساً في حضور الشيخ القرضاوي بمسجد خضر التونى بمدينة نصر الذي كان مسجداً جديداً استطاع الإخوان السيطرة عليه.
وقدم الأنصاري البيعة لعمر التلمساني نيابة عن إخوان قطر، وكلفه المرشد بأن يتلقى بيعة إخوان قطر نيابة عنه، وبهذا أصبح إخوان قطر أعضاء في التنظيم الدولي للجماعة، ومن الشخصيات الإخوانية القطرية المهمة جاسم محمد سلطان، وهو أحد أكبر قيادات الإخوان السابقين في قطر، وقد التحق بكلية طب القاهرة في منتصف السبعينيات، وكان زميلاً لعبدالمنعم أبو الفتوح وعصام العريان ومن خلالهما تعرف على الإخوان وتكمن أهمية جاسم سلطان في أنه بدأ يفكر في نهايات التسعينيات في ضرورة حل تنظيم الإخوان في قطر، وقال إنه لا ضرورة له، وكان جاسم يشغل وقتها موقعاً قيادياً كبيراً في سلم التنظيم بقطر، ثم قام باستضافة مجموعة من المفكرين الإسلاميين الكبار من كافة أنحاء العالم وأجرى معهم حوارات مثمرة، وكان من هؤلاء الدكتور عبدالله النفيسي المفكر الإخواني الكويتي الكبير الذي كان قد سبب غضب الجماعة الأم في مصر بكتابه "أوراق في النقد الذاتي" وعقد النفيسي مجموعة من اللقاءات مع عدد من شباب الإخوان القطريين في وجود جاسم سلطان، وانتهى معهم إلى أن قرار حل جماعة الإخوان في قطر هو أعظم قرارات الجماعة عبر تاريخها، وخرج النفيسي ليكتب عن هذه التجربة، ويصدر فعلاً جاسم ومعه مجموعة من شباب الإخوان القطريين قرارا في ٢٠٠٠ بحل تنظيم الإخوان في قطر، وكان وجه الأهمية أن القرار صدر من مجلس شورى الجماعة بقطر، ولكن الدكتور القرضاوي اعترض عليهم وامتعض من قرارهم، وقام بدعم المجموعة القطرية التي قررت الاستمرار في التنظيم، وفي ذات الوقت اعترضت جماعة الإخوان في مصر على هذا القرار وقالت إنه قرار متسرع غير حكيم، وأصدر عصام العريان تصريحات ضد جاسم سلطان واتهمه بالرعونة، وفي ذات الوقت زعم الإخوان في مصر في تصريحات من كثير من قياداته أن إخوان قطر لم يكونوا تنظيماً بالمعنى المعروف، ولكنهم فقط مجرد تيار معجب بنموذج الإخوان الفكري، وأنه ليس للإخوان تنظيماً في قطر، وكانت هذه التصريحات لتهوين الأمر أمام شباب الإخوان، ولإحباط كثير من الحركات الانفصالية، وبذلك يُعتبر جاسم سلطان القطري هو أول منشق عن تنظيم الإخوان في العصر الحديث، وفي دولة الخليج بشكل عام، تلاه بعد ذلك عبدالله النفيسي الكويتي، ولكن يُحسب لجاسم أنه نجح في حل جزء من التنظيم.
وبعد حل التنظيم لنفسه في قطر اجتمع مكتب الإرشاد في مصر لدراسة الأمر في غضون عام ٢٠٠٠، وكانت الكلمة الغالبة ساعتها لمصطفى مشهور الذي قرر أن يكون الأمر مثلما هو في الكويت، بمعنى أن يستمر الإخوان القطريين الرافضين لقرار حل التنظيم في البقاء داخل التنظيم ويسعون إلى استعادة التنظيم مرة أخرى وضم أشخاص جدد له، وأن يكون المسئول عنه يسمى "النائب" باعتباره سيكون نائباً للمرشد في مصر في إدارة دفة التنظيم القطري، وكانت كنية الأخ النائب الذي تم اختياره عام ٢٠٠٠هى "أبو عبد الله".
ثم يكون هناك تنظيم آخر للإخوان لا علاقة له بالتنظيم القطري هو تنظيم المصريين، وفي بداية الأمر كان سامى عبدالجواد الهرم شقيق زوجة القرضاوي هو مسئول الإخوان المصريين هناك، وعندما عاد إلى مصر واستقر فيها أصبح الشيخ عصام تليمة هو مسئول الإخوان المصريين، وفي ذات الوقت كان سكرتيراً للقرضاوي، ثم هناك التنظيم الموحد الذي يضم إخوان من جنسيات مختلفة منهم الفلسطيني والسوداني واليمني والنيجيري والجزائري والتونسي وهكذا، وبذلك نجح الإخوان في احتواء هذا التمرد التفكيكى ودفعوا حاكم قطر إلى تقديم صلاحيات واسعة لهم وتعيينهم في مواقع حكومية حساسة، وساعدهم في ذلك سطوة يوسف القرضاوي هناك، وكيف لا تكون له سطوة وهو الذي قام بتربية وتعليم أمير قطر الحالي عندما كان صبياً صغيراً، وتلك عادة قديمة من عادات الأمراء وهي استجلاب مؤدب ومرب ومعلم لأولادهم، يعلمهم التعليم الأولى إلى أن يشبوا عن الطوق، ولذلك ارتبط أمير قطر تميم بن حمد بمعلمه الشيخ القرضاوي ارتباطاً وثيقاً، واعتبره كأنه الأب الروحي له. 
كل هذا وغيره من الأمور انما يؤكد المواقف العدائية التي تضمرها قطر وأميرها للدولة المصرية فقد قررت الدوحة ببساطة أن تعادي سلطة 30 يونيو، ومن خلفها الشعب المصري وإرادته، شراءً لخاطر جماعة فاشية انتهازية لم تعد تعرف إلا لغة الإرهاب والقتل والترويع، هي جماعة الإخوان المسلمين، أو بمعنى أصح تودداً لمن يقف ورائها.
وقد قامت الدوحة بضخ مليارات مرعبة، لشراء مهرجانات ثقافية وسينمائية وبطولات رياضية لتقام على أراضيها، ومن ثم تلتفت إليها الميديا العالمية، فضلاً عن اقتناصها ملكية عدد من أندية كرة القدم الأوروبية، ومجموعة من سلاسل المتاجر والشركات الكبرى في القارة العجوز والولايات المتحدة الأمريكية. وحين أثمرت تلك الصفقات بمردود جيد، امتد الأمر لشراء الحركات الانفصالية والمنظمات المناوئة للسلطة في عدد من الدول العربية والإسلامية، بحيث يمكن توجيهها بما يحقق مصالح حلفاء الأمير من جهة، ومن جهة أخرى تظهر أسرته كوسيط بين الدول وبين الحكومات وحركات المعارضة في عدد من الأقطار، بما يوحى زوراً أن قطر قد باتت تملك نفوذاً سياسياً كبيراً. وكذلك الرغبة القطرية المجنونة في لعب أي دور بالمنطقة حتى ولو كان سيئ السمعة، وفي الجلوس على موائد القوى العظمي، وفي مقدمتها واشنطن، حتى لو كان ذلك من باب التخديم لا الند، حوّل الدوحة بين ليلة وضحاها لذراع غربي صهيوني في الخليج بامتياز.

شارك