كيف استغل الإسلام السياسي شبكات التواصل الاجتماعي في تحقيق أهدافه؟

الإثنين 08/فبراير/2021 - 03:05 م
طباعة كيف استغل الإسلام حسام الحداد
 
تؤكد معظم الدراسات الحديثة لظاهرة تطور وانتشار حركات الإسلام السياسي على أن شبكات التواصل الاجتماعي، أعطت بشكل خاص لخطاب الإسلام السياسي زخمًا وتدفقاً غير مسبوقين جعل الحركات المُتَبَنّية لهذا الخطاب تنفتح على عوالم وشرائح كانت محرومة ومقصية من التواصل معها، ما سَهَّل عليها عمليات ترويج الخطاب وتنسيق العمليات الميدانية في أفق تحقيق هدفها الأسمى: الانقضاض على الحكم.
حول هذا الموضوع نشر مركز مينا للأبحاث مؤخرا دراسة مهمة تحت عنوان "منصات التواصل الاجتماعي حصان طروادة للإسلام السياسي"، فقد تزامنت الثورة الرقمية مع شيوع استعمال مصطلح “القوة الناعمة” فتفرعت عنه بدوره عبارة “القوة الإلكترونية”، التي تفيد حسب جوزيف ناي، “القدرة على الحصول على النتائج المرجوة من خلال استخدام مصادر المعلومات المرتبطة بالفضاء الإلكتروني، أي القدرة على استخدام الفضاء الإلكتروني لخلق مزايا، والتأثير في الأحداث المتعلقة بالبيئات الواقعية الأخرى وذلك عبر أدوات إلكترونية، وتذهب الدراسة إلى أنه باعتبار السياسة فضاء لممارسة الفعل الاجتماعي وسعيًا نحو تحقيق الممكن وتطويره، فإن الفاعل السياسي الإسلامي، عند محاولته تنزيل رؤيته المجتمعية والسياسية، لم يتردد في الانقضاض على الفرص والإمكانات التي أتاحتها له الثورة التكنولوجية في مجال الاتصال وعولمة المعلومة وسرعة تدفقها، فبادر، بإتقان أحيانًا، إلى توظيف شبكات التواصل الاجتماعي واستغلالها على النحو الأمثل من أجل تحقيق تموقع أفضل وكسب نقاط عديدة في صراعه على السلطة.
وتؤكد الدراسة أن حركات الإسلام السياسي تعاملت بدهاء وحرفية عاليتين مع شبكات التواصل الاجتماعي مقارنة مع باقي الفاعلين والفرقاء السياسيين الذين أخلفوا الميعاد مع قطار التغيير في ميدان التواصل الذي حملته معها شبكات التواصل الاجتماعي. حيث تميز الإسلام السياسي عن غيره باعتماده أسلوباً نجح بسلاسة في المزج بين المضمون الذي يحمله وبين الإمكانات التقنية والفنية الجديدة التي أتاحتها له الوسائط التواصلية الجديدة، والنتيجة كانت امتلاك الإسلام السياسي لناصية الخطاب السياسي وتقدمه بخطوات عن غيره من باقي الفرقاء سواء في النظام أو المعارضة على حد سواء الذين لم ينتبهوا، إلا متأخراً، لخطورة وأهمية شبكات التواصل الاجتماعي ولعل عبارة “عيال الفيسبوك” التي نعت بها الرئيس المصري السابق حسني مبارك الثوار في ميدان التحرير خير دليل على استهتار الأنظمة العربية بشبكات التواصل الاجتماعي مقارنة مع الإسلام السياسي الذي رأى فيه فرصة ذهبية لمقارعة خطاب خصومه على اختلاف مرجعياتهم وتموقعاتهم. موازاة مع تطور بشكل واضح أداء حركات الإسلام السياسي التي لم تتردد في استغلال هذه النوافذ التواصلية من أجل استقطاب شرائح جديدة من المؤيدين والمريدين، والعمل على جذب الجيل الجديد من مستخدمي ورواد شبكات التواصل الاجتماعي بهدف إقناعهم بأطروحاتها الفكرية والسياسية.
لقد استوعب الإسلام السياسي الموقف مبكرا وأدرك أن شبكات التواصل الحديثة لديها تأثير أكبر على الجيل الحالي الذي يعاني من التهميش والإقصاء من طرف الخطاب الرسمي، فانقض على الفرصة، عاضاً عليها بالنواجذ، مستهدفاً على الخصوص فئة الشباب التي كانت تعاني تفقيراً معرفياً ومادياً من طرف الأنظمة التي كانت تراهن على ذلك لخلق جيل سهل الضبط والانقياد.
كما تؤكد الدراسة أنه على الصعيد العربي كان جلياً منذ البداية أن الإسلام السياسي قد أتقن اللعبة جيداً، واقتحم عالم شبكات التواصل الاجتماعي بقوة وبشكل منظم ما لبث أن تحول مع مرور الوقت واكتساب التجربة والخبرة إلى تنظيم محكم يتحرك بشكل جماعي ووفق خطوات مدروسة ومُحكمة، فكانت ولادة ما بات يسمى لاحقاً في أدبيات السياسة والتواصل بـ”الكتائب الإلكترونية”.
هذا الجيش الرقمي الذي لا يعرف أحد على وجه التحديد تعداده وقوامه، اتخذ له منظروه، ومنذ اليوم الأول لتأسيسه، هدفاً لا محيد عنه يتمثل في تحقيق المشروع الإيديولوجي للحركات الإسلامية، وذاك عبر اختراق الفضاء الرقمي وفرض السيطرة عليه، والاستفادة من فرصة “ملأ المكان الشاغر” التي أتاحها تراخي خصوم هاته الحركات وعدم إيلائهم الاهتمام والعناية الكافيتين للفضاء الرقمي عموما وشبكات التواصل الاجتماعي خصوصاً.
وسواء تعلق الأمر بالفاعل الدعوي أو السياسي أو الجهادي، فقد تفاعلت أغلب الحركات الإسلامية بشكل جيد مع الفرص والإمكانيات التي فتحتها أمامها الثورة الرقمية، لدرجة التصق بها مصطلح “الجيش الإلكتروني” أو الكتائب الإلكترونية” بالتنظيمات والحركات الإسلامية، وهو ما يعد أمراً طبيعياً ومنطقياً بالنظر إلى الحضور الكبير والمكثف للفاعل الإسلامي في مواقع التواصل الاجتماعي، ولو أن الأمر” مازال حديثاً إعلامياً، ولم يلج بعد مجال البحث العلمي”.
وخلصت الدراسة إلى أنه يمكن القول إن حركات الإسلام السياسي نجحت، بفضل شبكات التواصل الاجتماعي، في استقطاب شريحة جديدة من المؤيدين، وجذب جيل جديد يؤمن بأطروحاتها الفكرية والسياسية، فينشر أفكارها نيابة عنها في أوساط مريدي مواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما عرف بعد ذلك بالكتائب الإلكترونية.
كتائب تكفلت بشكل أساسي في التصدي لهجمات خصوم ومنتقدي أطروحات الحركات الإسلامية، عن طريق الإقناع أحياناً وعن طريق التشهير أحياناً أخرى حيث لم تتردد في التعرض لهؤلاء ونعتهم بأقذع الاتهامات وتشويه صورهم بين العامة.
بالمقابل فإن الأنظمة الحاكمة في الدول العربية، لم تدرك خطورة وأهمية سيطرة الخطاب الديني والإسلام السياسي على شبكات التواصل الاجتماعي إلا بشكل متأخر، فحاولت مصر مثل تدارك الموقف عن طريق المؤسسة الدينية الرسمية، في شخص دار الإفتاء، التي حاولت إصدار فتاوى لتبيان خطورة العبث إعلامياً في مواقع التواصل الاجتماعي، وأن تقدم خطاباً رصيناً، إلا أن عجز تلك المؤسسات عن امتلاك مقومات الجاذبية التي تجاري صفحات الإسلاميين الحالية، جعل نجمها خافتاً في مواجهة مخاطر الخطاب الديني لحركات الإسلام السياسي في مواقع التواصل الاجتماعي.
هذا التطور الدرامي في الصراع بين الأنظمة العربية وحركات الإسلامي بكافة أطيافها، يجد مبرره في أن فعالية الممارسة السياسية باتت مرتبطة، اليوم وأكثر من أي وقت مضى، بسلطة وسائل الإعلام الإلكترونية التي أحكمت قبضتها على المجال السياسي وأصبحت فضاءه المفضل، وباتت قواعد الصراع تتحكم فيها الصور والأصوات أو التلاعب الرمزي، التي بدونها تنعدم فرص الفوز بالحكم أو ممارسته.
ومع إحكام شبكات التواصل الاجتماعي لقبضتها على المشهد السياسي، لوحظ تميز نسبي للجيل الجديد بالحركات الإسلامية مقابل تقصير لخصومها من فاعلين سياسيين قدامى ومؤسسات تقليدية الذين فشلوا في التكيف مع”الثورة المعلوماتية” ما منح هاته الحركات تقدما افتراضيا في السباق نحو كرسي الحكم ما لبث ان تم جنيه على مستوى لواقع كما في حدث في وصول الإخوان المسلمين إلى سدة الحكم بمصر وفوز حزب العدالة والتنمية المغربي بولايتين حكوميتين متتاليتين.

شارك