غينيا بعد دومبويا.. شرعية صناديق الاقتراع واختبار الحكم بين الاقتصاد والأمن والإيكواس
الخميس 01/يناير/2026 - 09:46 ص
طباعة
انتخابات
محمود البتاكوشي
يمثل الفوز الكاسح لرئيس المجلس العسكري الحاكم في غينيا، مامادي دومبويا، في الانتخابات الرئاسية، محطة مفصلية في المسار السياسي للبلاد، إذ ينقله من موقع الحاكم الانتقالي إلى رئيس منتخب يتمتع بشرعية صناديق الاقتراع، لكنها شرعية محاطة بتحديات داخلية وإقليمية معقدة.
وبحسب النتائج الأولية الصادرة عن المديرية العامة للانتخابات، حصد دومبويا 86.72% من الأصوات من الجولة الأولى، فيما بلغت نسبة المشاركة 80.95%، وهي نسبة مرتفعة تعكس تعبئة شعبية واسعة، لكنها في الوقت نفسه تثير تساؤلات لدى بعض المراقبين حول طبيعة المنافسة السياسية، وحدود التعددية، وسياق تنظيم الاقتراع بعد أربع سنوات من حكم انتقالي أعقب انقلاب سبتمبر 2021.
هذا الاستحقاق كان ينظر إليه، داخليًا وخارجيًا، باعتباره محطة حاسمة لإغلاق صفحة المرحلة الانتقالية وعودة غينيا إلى المسار الدستوري، بعد فترة من التوتر السياسي والعقوبات الإقليمية، ما يجعل نتائج الانتخابات بداية لمرحلة جديدة أكثر منها نهاية للأزمة.
شرعية مشروطة
يرى الخبراء أن فوز دومبويا بهذه النسبة يمنحه “شرعية انتخابية أقوى من شرعية الأمر الواقع”، لكنه يشدد في الوقت ذاته على أن هذه الشرعية ستظل ناقصة ما لم تترجم إلى إصلاحات ملموسة في الحكم والاقتصاد وإدارة الدولة.
وأكد الخبراء أن التحدي الأبرز أمام الرئيس الغيني في ولايته الجديدة يتمثل في الملف الاقتصادي، مشيرًا إلى المفارقة البنيوية التي تعيشها البلاد، إذ تمتلك غينيا أحد أكبر احتياطيات البوكسيت في العالم، لكنها لا تزال تعاني من ضعف البنية التحتية، وارتفاع معدلات البطالة، واتساع الفجوة الاجتماعية.
وبحسب هذا التقدير، فإن الرهان الحقيقي لدومبويا لن يكون في خطاب السيادة أو مكافحة الفساد وحده، بل في قدرته على تحويل الثروة المعدنية إلى فرص عمل وخدمات عامة ملموسة، وإدارة عائدات التعدين بشفافية تضع حدًا لتاريخ طويل من سوء التوزيع والفساد، ما يشكل اختبارًا حقيقيًا لصدقية وعود النظام منذ الانقلاب.
الأمن على هامش الساحل المضطرب
على المستوى الأمني، أكد المراقبون أن غينيا لا تواجه تهديدًا إرهابيًا مباشرًا بحجم ما تشهده مالي أو بوركينا فاسو، لكنها تقع على تخوم فضاء إقليمي شديد الاضطراب؛ ما يجعلها عرضة لارتدادات عدم الاستقرار.
وحذر الخبراء من أن أي تدهور اقتصادي أو اجتماعي قد يفتح المجال أمام تمدد شبكات إجرامية أو متطرفة، خاصة في المناطق الحدودية المهمشة، معتبرًا أن التحدي أمام دومبويا يتمثل في تعزيز قدرات الجيش والأمن دون الانزلاق إلى مقاربة أمنية صرفة تُهمّش التنمية وحقوق الإنسان، وتعيد إنتاج أسباب الهشاشة بدل معالجتها.
الإيكواس والاختبار الإقليمي
إقليميًا، تمثل العلاقة مع المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) أحد أبرز ملفات الولاية الجديدة، فبعد سنوات من التوتر والعقوبات بسبب الانقلاب وتعثر الانتقال، تترقب المنظمة الإقليمية خطوات عملية من كوناكري تؤكد الالتزام بالمعايير الديمقراطية، واحترام الحريات، وإشراك المعارضة في الحياة السياسية.
ويرجح مراقبون أن ينتهج دومبويا سياسة توازن دقيقة، تقوم على الحفاظ على خطاب سيادي موجه للداخل، مع تقديم ضمانات مؤسسية للخارج لتفادي العزلة الإقليمية والدولية، وإعادة دمج غينيا في محيطها الاقتصادي والسياسي.
مفترق طرق
يفتح فوز مامادي دومبويا باب مرحلة جديدة في تاريخ غينيا السياسي، مرحلة تنتقل فيها السلطة من شرعية السلاح إلى شرعية الصندوق، لكن نجاحها يظل مرهونًا بقدرة الرئيس المنتخب على تحويل هذا التفويض الواسع إلى إصلاحات حقيقية، تعالج جذور الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، وتوازن بين الأمن والتنمية، وتعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وبين غينيا ومحيطها الإقليمي، دون ذلك، قد يتحول الفوز الكاسح إلى عبء سياسي، بدل أن يكون نقطة انطلاق نحو استقرار مستدام.
