تفكيكُ تنظيمِ الإخوان.. قرارُ فرنسا بدايةُ مرحلةٍ أوروبية جديدة (8)
الجمعة 30/يناير/2026 - 05:58 م
طباعة
حسام الحداد
يتناول الدكتور عبد الرحيم علي في هذا التقرير استراتيجية تنظيم الإخوان في فرنسا وكيفية سعيه للهيمنة من خلال "حرب التمثيل" وادعاء الحديث باسم المسلمين. ويشرح عبد الرحيم علي كيف يستغل التنظيم قيم الجمهورية والآليات الديمقراطية كدرع لحماية أجندته وتفكيك أي نقد يوجه له تحت مسمى "الإسلاموفوبيا". كما يوضح التقرير أساليب التغلغل الناعم في المؤسسات التعليمية والمدنية وصناعة كتل انتخابية منظمة للضغط على السياسات العامة للدولة. يعتمد التنظيم في تحركاته على منظمات واجهة وخطاب مزدوج يجمع بين الانفتاح الظاهري والتعبئة الأيديولوجية الداخلية. يخلص النص إلى أن المعركة الحقيقية تكمن في محاولة التنظيم تحويل العلمانية من إطار جامع إلى ساحة صراع لفرض نفوذه السياسي والاجتماعي.
من «المشاركة المدنية» إلى هندسة النفوذ… حين تتحوّل الديمقراطية إلى أداة اختراق
ليس أخطر ما يفعله الإخوان داخل فرنسا أنهم يُقيمون مسجدًا أو يُديرون جمعية، بل الأخطر أنهم ينجحون في تقديم أنفسهم — بالتدريج — بوصفهم الممثّل الشرعي والوحيد للمسلمين في فرنسا.
وهنا ينتقل التنظيم من دور «تيار داخل المجتمع» إلى دور «بوابة المجتمع»، أي: من يريد التعامل مع المسلمين يجب ان يمر من خلاله، ومن يريد الدفاع عن المسلمين يجب ان يتبنّى لغته، ومن يريد كسب أصواتهم يجب عليه ان يفاوضه، وهنا مكمن الخطورة الحقيقية؛ ان يتحوّل التنظيم الا واني مع الوقت إلى ورقة ضغط في تشكيل السياسة الداخلية والخارجية لبلد بحجم فرنسا.
وبهذا المعنى لا تكون المعركة الأمنية وحدها هي الأساس، بل تصبح المعركة الحقيقية:
من يمثّل المسلمين؟ ومن يتكلّم باسمهم؟ ومن يملك حق تعريف الإسلام نفسه كدين؟
وهذا ما يسمّيه التقرير: حرب التمثيل.
1) حرب التمثيل… الهدف الأوّل وقبل أيّ شيء:
يرى التقرير أن الإخوان في فرنسا بنوا اختراقهم على أساس «حرب المصطلحات» و«حرب الشرعية»، لأن أيّ قوة سياسية لا تحتاج إلى أن تنتشر بالأعداد الكبيرة لكي تنتصر؛ يكفي أن تنتزع الآتي:
• الحق في الكلام باسم الجماعة
• الحق في تعريف المشكلة
• الحق في تحديد من هو الضحية ومن هو الجاني
• الحق في رسم حدود النقاش العام
لذلك تصبح المعركة الأساسية عندهم:
كيف يتحوّل الإخوان من تنظيم إلى «مرجعية»، ومن مرجعية إلى «ممثل رسمي ووحيد».
2) الذكاء الإخواني: الظهور كضحية… وتوظيف قيم الجمهورية
يشرح التقرير أن الإخوان يعتمدون على استراتيجية مزدوجة:
1. داخل الجالية المسلمة: تقديم المجتمع المحافظ كضحية مستهدفة دائمًا.
2. خارج الجالية: تفكيك أيّ نقد لهم عبر خطاب حقوقي/جمهوري/مناهض للعنصرية، أي انهم ببساطة يستخدمون اسلوب «التقية».
أي أن التنظيم يلبس خطاب الدولة نفسها، ويستخدم «قيم الجمهورية» كدرع دفاعي ضد الدولة.
والنتيجة — كما يصف التقرير — أن الرأي العام يختلط عليه الأمر بين:
• مكافحة الاخوان كتنظيم اصولي
• وبين العنصرية ضد المسلمين
فيتحوّل من يواجه التطرف الاخواني إلى «متهم»، ويتحوّل من يبني التطرف الاخواني إلى «ضحية».
3) «الإسلاموفوبيا»… السلاح السياسي الأكثر فاعلية:
يعتبر التقرير أن مصطلح «الإسلاموفوبيا» هو عنصر مركزي في هذه الحرب، لأنه يسمح بآلية خطيرة:
• تحييد النقد
• شيطنة المخالف
• قطع الطريق على النقاش
• تصوير الدولة كطرف قمعي
• وإظهار التنظيم كمدافع عن الحقوق
غريبة كل هذه الموضوعات اليس هذا حرفيا هو ما اتبعوه في مصر لعقود طويلة حتى تم كشفهم خلال العام الذي حكم فيه مرسي العياط بتوجيه من المرشد العام للجماعة..
المشكلة ليست في مواجهة التمييز الحقيقي، بل في توظيف المصطلح كـ مقص سياسي يقطع أي مساءلة للتنظيم الاخواني.
وبهذا تنتقل المعركة من نقاش حول التطرف… إلى معركة حول «الأخلاق العامة» و«التمييز»، وهي بيئة مثالية للإخوان.
4) منظمات الواجهة… مفاتيح الانتقال إلى المجال السياسي:
يشير التقرير إلى أن الإخوان لا يتحركون دائمًا عبر اسم «الإخوان»، بل عبر شبكات ومنظمات تحمل أسماء تبدو مدنية أو حقوقية أو مناهضة للعنصرية.
ويعطي التقرير أمثلة واضحة على منظمات لعبت دور بوابة للتأثير، مثل:
• التجمع ضد الإسلاموفوبيا (CCIF)
• وحزب السكان الأصليين للجمهورية
هذه التنظيمات — وفق التقرير — ليست مجرد جمعيات، بل هي «منصّات» لنقل خطاب الإخوان من الدائرة المغلقة إلى الفضاء المفتوح، ثم إلى الأحزاب، ثم إلى الإعلام.
وهكذا يصبح التنظيم حاضرًا في السياسة دون أن يرفع لافتته.
5) صناعة كتلة انتخابية… «المواطن» بوصفه مشروعًا تنظيميا:
يصل التقرير إلى واحدة من أخطر النقاط:
الإخوان لا يرون «المواطن المسلم» كمواطن فرد داخل الجمهورية الفرنسية، بل يرونه جزءًا من كتلة يجب تعبئتها، وتوجيهها، وتوظيفها.
هنا يصبح التصويت ليس ممارسة فردية، بل انضباطًا جماعيًا.
ويضرب التقرير مثالًا بالداعية حسن إيكويوسن الذي يقدّم دعوة المشاركة السياسية بوصفها:
• ضرورة مجتمعية
• وضرورة دينية أيضًا
ويذكر التقرير مضمونًا خطيرًا للغاية:
أن عدم التصويت يُقدَّم بوصفه «انتحارًا سياسيًا واجتماعيًا… بل وانتحارًا دينيًا».
وهكذا تتحوّل الانتخابات من مساحة حرية إلى أداة تعبئة.
6) الاختراق الناعم للمؤسسات… المدرسة نموذجًا
يؤكد التقرير أن التنظيم لا يكتفي بصناعة رأي عام، بل يدفع أتباعه إلى التغلغل في مؤسسات الدولة والمجتمع عبر مسارات تبدو طبيعية، مثل:
• الانضمام إلى جمعيات أولياء الأمور
• المشاركة في إدارة المدرسة
• التواجد في المجال الطلابي
• التحالفات النقابية داخل الجامعات
وهذه ليست «تفاصيل»، بل هي حلقات في سلسلة واحدة:
تكوين نفوذ محلي يبدأ من المدرسة، ثم يتوسع إلى الجامعة، ثم يمتد إلى سوق العمل والسياسة.
7) ازدواجية الخطاب… الوجه المدني والوجه التعبوي
يشرح التقرير أن الإخوان يتقنون أسلوب «الخطاب المزدوج»:
• خطاب خارجي عقلاني، مدني، ناعم
• وخطاب داخلي تعبوي، هويّاتي، قائم على المظلومية والاصطفاف
والنتيجة أن التنظيم يربح في الاتجاهين:
• يكسب تعاطف المؤسسات والحقوقيين والإعلام
• ويحافظ في الوقت نفسه على تعبئة داخلية تمنحه السيطرة
وهنا تكمن خطورته:
أنه يبدو «منفتحًا» أمام الدولة، و«مقاتلًا» أمام جمهوره.
😎 هدف الحرب السياسية: شلّ النقد وتخويف الخصوم:
يرى التقرير أن توسيع النفوذ السياسي لا يتحقق فقط عبر الانتخابات، بل أيضًا عبر:
• إسكات المخالف
• تخويف المنتقد
• تشويه المعارض
• الضغط عبر المنابر الحقوقية والإعلامية
وبذلك تتحوّل «الشرعية الديمقراطية» إلى منصة لإغلاق الديمقراطية نفسها.
وهو ما يجعل الدولة في وضع معقّد:
إذا ردّت بقوة اتُّهمت بالعنصرية، وإذا تراجعت تمدّد التنظيم أكثر.
9) تحويل العلمانية إلى ساحة صراع… وليس إطارًا جامعًا:
يضع التقرير العلمانية في قلب الصراع السياسي، لأن الإخوان يحاولون تصويرها كأنها:
• عدوّ للدين
• وأداة قمع ضد المسلمين
بينما جوهر العلمانية في فرنسا هو حياد الدولة، ووقوفها على مسافة واحدة من كل الاديان، وحماية المجال العام من السيطرة الدينية.
لكن الإخوان — كما يشرح التقرير — يدفعون باتجاه «علمانية انتقائية»، أي:
• قبول الرموز الإسلامية كحق مطلق
• وفي الوقت نفسه تفكيك سلطة العلمانية كقيمة موحّدة
والنتيجة ليست حرية دينية، بل خلق ساحة تستنزف الدولة دائمًا، وتمنح التنظيم فرصة دائمة للتمدّد.
والخلاصة فإن ما يرسمه التقرير ليس مجرد تدخل سياسي مباشر، بل هو بناء تدريجي يبدأ من:
• المصطلح
• إلى الجمعية
• إلى الإعلام
• إلى المؤسسة
• إلى الانتخابات
• إلى التمثيل
وبذلك تتحوّل فرنسا — في نظر واضعو التقرير — إلى ساحة لصراع نفوذ طويل، يكون فيه العمل السياسي للإخوان ليس غاية منفصلة، بل هو المرحلة النهائية لتراكمات التعليم والعمل الاجتماعي والتمويل.
ان الإخوان في فرنسا لا يواجهون الدولة بالسلاح، بل يواجهونها بالتمثيل، وبالمصطلح، وبالشرعية، وبالضغط الناعم داخل الديمقراطية نفسها.
يحوّلون قيم الجمهورية الفرنسية إلى أدوات دفاع عن مشروع يناقض تلك القيم ويهدم اعمدة الجمهورية، ويحوّلون المشاركة المدنية إلى كتلة انتخابية منظمة، ثم إلى قدرة على فرض شروطهم في النقاش العام.
وغدًا نواصل:
من قاعة الدرس إلى صندوق الاقتراع… كيف تصنع الشبكة الإخوانية «فرنسيًا جديدًا» منفصلًا جزئيًا عن المجتمع؟
باريس: الخامسة مساء بتوقيت القاهرة.
