اعتقالات تعسفية وإخفاء قسري.. الحوثيون يستهدفون الأقلية المسيحية في مناطق سيطرتهم
الثلاثاء 10/فبراير/2026 - 01:14 م
طباعة
فاطمة عبدالغني
في تصعيد خطير يضاف إلى سجل الانتهاكات الواسع لجماعة الحوثي في مناطق سيطرتها، كشفت منظمة "هيومن رايتس ووتش" عن حملة اعتقالات تعسفية طالت أكثر من 20 مواطنًا من أبناء الأقلية المسيحية في اليمن، وسط أنباء عن إخضاعهم للإخفاء القسري وحرمانهم من أبسط حقوقهم القانونية والإنسانية.
وتأتي هذه الحملة في وقت يعيش فيه اليمن واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، ما يثير تساؤلات متزايدة حول توظيف سلطات الأمر الواقع للأجهزة الأمنية لقمع المجتمع، بدلاً من حماية المدنيين وصون التنوع الديني الذي شكّل جزءًا أصيلًا من النسيج اليمني عبر التاريخ.
وكانت منظمة "هيومن رايتس ووتش" أفادت بأن جماعة الحوثي نفّذت خلال الأشهر الثلاثة الماضية حملة اعتقالات تعسفية طالت أكثر من 20 مواطناً من أبناء الأقلية المسيحية في مناطق خاضعة لسيطرتها في اليمن، مؤكدة أن معظم هؤلاء لا يزالون محتجزين قسراً دون أي مسوغ قانوني أو معلومات عن أماكن احتجازهم، في انتهاك صارخ للقانون الدولي لحقوق الإنسان.
وقالت المنظمة إن هذه الاعتقالات جاءت ضمن سياق أوسع من الانتهاكات التي تمارسها سلطات الحوثيين بحق المدنيين، مطالبة بالإفراج الفوري عن جميع المحتجزين تعسفاً، بمن فيهم مئات الأشخاص الآخرين الذين اعتقلوا في صنعاء ومحافظات أخرى خلال الفترة الماضية.
وفي هذا السياق، أوضحت نيكو جعفرنيا، الباحثة المختصة بالشأن اليمني والبحريني في "هيومن رايتس ووتش"، أن الحوثيين بدلاً من معالجة الأزمات الإنسانية المتفاقمة التي يعاني منها اليمنيون، وعلى رأسها الجوع وشح المياه، يواصلون سياسة القمع والاعتقال، مؤكدة أن استهداف الأقليات الدينية المهمشة، وعلى رأسها المسيحيون، يعكس نهجاً ممنهجاً في التضييق وانتهاك الحقوق الأساسية.
وبحسب شهادات حصلت عليها المنظمة من اثنين من أبناء الأقلية المسيحية، إضافة إلى مراجعة بيانات ومنشورات متداولة على الإنترنت، بدأت الحملة في أواخر نوفمبر وأوائل ديسمبر 2025، حيث جرى اعتقال سبعة مسيحيين في البداية، قبل أن تتوسع الحملة في 24 ديسمبر عشية عيد الميلاد، لتشمل عدداً أكبر من الأشخاص في صنعاء ومحافظات إب ومناطق أخرى.
وأكدت المصادر أن عدد المعتقلين تجاوز 20 شخصاً حتى منتصف يناير، مع ترجيحات بوجود حالات أخرى لم يتم توثيقها بعد، كما أشار "المجلس الوطني للأقليات في اليمن" إلى أن الحملة أسفرت عن اعتقال "العشرات"، لافتاً إلى أن غالبية هذه الحالات ترقى إلى مستوى الاختفاء القسري، حيث يُحتجز الأفراد دون إعلان رسمي أو إبلاغ ذويهم بمصيرهم.
وأفاد الشهود بأن بعض المعتقلين أُوقفوا من الشوارع، بينما جرى اعتقال آخرين من منازلهم خلال مداهمات عنيفة، دون إبراز مذكرات توقيف أو توضيح أسباب الاعتقال، إضافة إلى تحطيم الأبواب واستخدام القوة، كما لم تُقدّم أي معلومات رسمية لعائلات المحتجزين بشأن أماكن احتجازهم، رغم معاناة بعضهم من أمراض مزمنة كأمراض القلب والسكري، ما يثير مخاوف جدية بشأن أوضاعهم الصحية.
وأشار أحد الشهود إلى أن الأقليات الدينية في اليمن تعيش في حالة خوف دائم، مؤكداً أنهم مجتمعات "مخفية ومهمشة"، وتتعرض للاستهداف من مختلف السلطات، بما في ذلك الجهات الدينية، في ظل بيئة عدائية تقيّد حرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية.
وتُعدّ حالات الاختفاء القسري، وفق القانون الدولي، من أخطر الانتهاكات الحقوقية، إذ يُحتجز الأشخاص مع إنكار السلطات لوجودهم أو رفض الكشف عن مصيرهم، وهو ما يشكّل جريمة محظورة بموجب القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان.
ووفقاً للجنة الولايات المتحدة المعنية بحرية الأديان في العالم، كان عدد المسيحيين في اليمن يُقدّر سابقاً بنحو 41 ألف شخص، إلا أن هذا العدد تقلص إلى بضعة آلاف فقط خلال السنوات الأخيرة نتيجة النزاع المسلح وتزايد حملات الاضطهاد، مع صعوبة تحديد أرقام دقيقة بسبب غياب الإحصاءات الرسمية وخوف الأقليات من الإفصاح عن هويتها الدينية.
وسبق لـ"هيومن رايتس ووتش" أن وثّقت منذ عام 2016 انتهاكات متكررة بحق الأقليات الدينية في اليمن، بما في ذلك المسيحيون واليهود والبهائيون. وفي عام 2023، سجلت المنظمة اعتقال الحوثيين 17 شخصاً من الطائفة البهائية وإخفاءهم قسراً، ضمن نمط مستمر من الاستهداف القائم على المعتقد الديني.
وتأتي هذه الانتهاكات في ظل حملة أوسع شنتها جماعة الحوثي خلال العام ونصف العام الماضيين، شملت اعتقال مئات الأشخاص، بينهم موظفون أمميون، ونشطاء مجتمع مدني، ومدافعون عن حقوق الإنسان، وصحفيون، على خلفية ممارستهم لحقوقهم في التعبير والعمل الإنساني.
وفي ختام بيانها، شددت جعفرنيا على أن ادعاءات الحوثيين بالدفاع عن العدالة ومناهضة الاضطهاد الخارجي تتناقض بشكل صارخ مع ممارساتهم القمعية في الداخل، مؤكدة أن من يرفع شعار مناهضة الظلم لا يمكنه تبرير ممارسته ضد شعبه وأقلياته الدينية.
ويرى المراقبون للشأن اليمني وحقوق الإنسان أن حملة الاعتقالات التي تنفذها جماعة الحوثي بحق أبناء الأقلية المسيحية تمثل امتدادًا لنهج ممنهج في استهداف الأقليات الدينية، واستخدام الأجهزة الأمنية كأداة لترهيب المجتمع وإحكام السيطرة السياسية والفكرية، ويؤكد هؤلاء أن هذه الانتهاكات لا يمكن فصلها عن محاولات الجماعة فرض رؤية أيديولوجية أحادية، تُقصي أي تنوع ديني أو فكري، وتحوّل حرية المعتقد إلى "جريمة" يعاقَب عليها خارج إطار القانون.
ويشير المراقبون إلى أن لجوء الحوثيين إلى الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري، خاصة بحق فئات ضعيفة ومهمشة، يعكس حالة من الإفلاس في إدارة شؤون المناطق الخاضعة لسيطرتهم، في ظل فشلهم في التعامل مع الأزمات الاقتصادية والمعيشية المتفاقمة، كما يحذرون من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى تفريغ اليمن من مكوّناته الدينية والتاريخية المتنوعة، ويعمّق الانقسامات المجتمعية، ويغذّي مشاعر الخوف والكراهية، ما يهدد أي فرص مستقبلية للتعايش والسلم الاجتماعي.
ويشدد المراقبون على أن صمت المجتمع الدولي إزاء هذه الانتهاكات يمنح سلطات الحوثيين هامشًا أوسع للاستمرار في سياسات القمع، مطالبين بضرورة تحرك دولي أكثر فاعلية للضغط من أجل الإفراج الفوري عن جميع المحتجزين تعسفًا، وضمان حماية الأقليات الدينية، ومساءلة المسؤولين عن جرائم الاختفاء القسري والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في اليمن.
