الإخوان وأمريكا (11-11).. لماذا صُنفت فروع مصر والأردن ولبنان فقط… وتُرك “فرع أمريكا” خارج التصنيف؟

الإثنين 16/فبراير/2026 - 01:18 ص
طباعة الإخوان وأمريكا (11-11).. حسام الحداد
 
يُقدّم هذا التحليل قراءة سياسية واستراتيجية رفيعة المستوى، تفكك ببراعة واقتدار فلسفة "الانتائية" في القرار الأمريكي تجاه جماعات الإسلام السياسي، حيث ينجح الدكتور عبد الرحيم علي كعادته في الربط العميق بين الأيديولوجيا والواقع الجيوسياسي، كاشفاً زيف الرهان على "التيارات الإصلاحية" المزعومة داخل التنظيم عبر نموذج "حزب الوسط" التاريخي، ليؤكد للقارئ برؤية ثاقبة أن التصنيف الغربي للفروع ليس حكماً أخلاقياً بل هو "أداة ضبط" تخدم المصالح الأمنية لواشنطن وحلفائها في مناطق التماس، مما يجعل من هذا المنشور وثيقة تحليلية لا غنى عنها لفهم كواليس إدارة الصراعات في الشرق الأوسط.

لماذا صُنفت فروع مصر والأردن ولبنان فقط… وتُرك “فرع أمريكا” خارج التصنيف؟

لماذا صُنفت فروع
في مارس 2006، صدرت دراسة مشتركة عن باحثين بمؤسستي كارنيجي وهيربرت كواندت بعنوان “المناطق الرمادية: الحركات الإسلامية والعملية الديمقراطية في العالم العربي”، خلصت إلى أن سياسة المشاركة مع المنظمات الإسلامية – وبخاصة الأجنحة الإصلاحية – هي الخيار “البناء” المتاح أمام من يعتقد أن تنمية الديمقراطية في الشرق الأوسط في مصلحة الجميع.
بنى الباحثون استنتاجهم على فرضيتين:
 1. لا يمكن تشجيع تحول ديمقراطي/ليبرالي دون نفوذ متزايد للحركات الإسلامية في معظم الدول العربية.
 2. المساعدات الديمقراطية (تدريب أو تمويل للأحزاب العلمانية ومنظمات المجتمع المدني) لن تغيّر هذه الحقيقة بسبب ضعف تلك الأحزاب وانعدام شعبيتها في الشارع العربي.
وفي الوقت نفسه، أقرت الدراسة بوجود “مناطق رمادية” في فكر ومواقف الحركات الإسلامية لا يمكن حسمها قريبًا، ورأت أن حسم الغموض فيها سيحدد ما إذا كان صعودها سيقود إلى الديمقراطية أم إلى شكل جديد من السلطوية. وحددت هذه المناطق بست قضايا: الشريعة، العنف، التعددية، الحقوق المدنية والسياسية، حقوق المرأة، الأقليات الدينية.
ملاحظات نقدية:
وقد نشرت آنذاك ضمن مطبوعات المركز الدولي للدراسات ردًا على تلك الدراسة، سجلت حينها ملاحظات أولية:
أولا: أن الدراسة لم تحدد الأسباب الحقيقية وراء صعود الإسلام السياسي، واعتمدت التصويت الانتخابي معيارًا وحيدًا، متجاهلة ظواهر مثل الأغلبية الصامتة، والتصويت الاحتجاجي، وتفتيت الأصوات، وهي عوامل لعبت دورًا في نجاح عدد كبير من مرشحي الإخوان في مصر عام 2005.
ثانيا: ان المناطق الرمادية التي تحدثت عنها الدراسة، ومنها الموقف من المرأة، والتداول السلمي للسلطة، وقضية العنف، لم يتم مناقشتهم عبر وثائق الجماعة، ولكن تم الاكتفاء بنوع من الاستجواب الشكلي الذي اتبعت فيه الجماعة اسلوب التقية الشهير لديهم.
ثالثا: ان تدعيم المجتمع المدني الديمقراطي هو الأولى، عوضا عن خوض مغامرة غير محسوبة بدعم تيار ديني لمجرد وعود بتخليه عن رؤيته في بعض القضايا الشائكة لصالح رؤية هو لا يؤمن بها اصلا.
وقدمت وقتها نموذج حزب الوسط كدليل على كيفية تعامل الجماعة مع المختلفين معها او الساعين الى تكوين احزاب تتماشى مع الفكرة الديمقراطية حتى وان كان بصورة شكلية.
نموذج حزب الوسط:
فقد قدمت أزمة حزب الوسط – الذي أعلن عن تأسيسه عام 1996 – نموذجًا كاشفًا لكيفية ايمان الجماعة بالمبدأ الديمقراطي، فقد قدم مؤسسو الحزب برنامج مراجعة شاملة لسياسات الجماعة، شمل مراجعات للتاريخ والحركة والفكر:
ضم أخطاء النظام الخاص، الصدام مع عبد الناصر، مشروعية عودة الجماعة في السبعينيات، طريقة اختيار المرشد، استحواذ رجال النظام الخاص على القرار، وإهدار عرض السادات بإنشاء حزب سياسي.
وفي المراجعة الحركية طالبوا بتحديد الشكل التنظيمي:
حيث لا يجوز الجمع بين شكل الجماعة الدعوية والحزب السياسي في تنظيم واحد؛ فالأولى ملك للأمة وناصح أمين، والثاني منافس للقوى السياسية.
وفي المراجعة الفكرية دعوا إلى مراجعة آراء الجماعة ومفكريها حول المرأة، والمجتمع الجاهلي، واستخدام القوة في التغيير، والمواطنة، والتعددية، والنظرة الى السلطة، وقبول الآخر، والديمقراطية، والمرجعية الإسلامية.
والنتيجة كانت فصل هؤلاء الشباب، والتحذير من التعامل معهم، وسحب التوكيلات. ولخص أبو العلا ماضي، مؤسس الحزب آنذاك، واحد أهم كوادر الجماعة في النقابات المهنية، الازمة بالقول:
كنا نجمع الشباب… وهم يوظفونهم عبر التجنيد… لتثبيت مبدأ السمع والطاعة.
ومن هنا خلصت السردية إلى أن وجود “تيارين داخل الجماعة، احدهما اصلاحي والآخر محافظ، وان الولايات المتحدة من الممكن ان تعول على التيار الاصلاحي، ما هو الا وهم في ادمغة من وضعوا الدراسة؛ اذ ان فلسفة الجماعة واحدة، وهي تقوم على السمع والطاعة، ومن يعترض لا مكان له.
خاتمة تحليلية:
لماذا صُنفت فروع مصر والأردن ولبنان فقط… وتُرك “فرع أمريكا” خارج التصنيف؟
إذا كانت واشنطن قد وضعت فروع تنظيم الإخوان في مصر والأردن ولبنان على قوائم الإرهاب، وتجاهلت تنظيم الإخوان “فرع أمريكا”، فالسؤال لا يُفهم بعيدًا عن طبيعة القرار الأمريكي ذاته: قرار لا يُبنى دائمًا على “نصوص الأفكار” بقدر ما يُبنى على “وظائف التنظيم” داخل خرائط الصراع والمصلحة.
أولا: منطق “الساحات الساخنة”
الفروع الثلاثة المذكورة (مصر/الأردن/لبنان) تقع في قلب ساحات تماس مباشرة مع الصراع الإقليمي: ملفات فلسطين وغزة والحدود والقدس واللاجئين، وممرات الضغط السياسية والأمنية حول إسرائيل. وفي هذه الساحات، تتحول التنظيمات إلى أدوات تأثير: تعبئة، شرعية مجتمعية، شبكات تمويل، وخطاب قادر على تحريك الشارع. لذلك يصبح التصنيف أداة سياسية-أمنية لإغلاق منافذ الحركة أو التمويل أو الشرعية في نقاط بعينها.
ثانيا: حسابات الداخل الأمريكي:
أما “فرع أمريكا” – أي الشبكات والتنظيمات التي تعمل داخل الولايات المتحدة – فالتعامل معها يختلف لأسباب قانونية وسياسية داخلية: كثير منها يتحرك عبر أطر مدنية وجمعيات ومسميات دعوية أو حقوقية، وفتح معركة تصنيف شاملة داخل أمريكا يخلق كلفة قانونية وإعلامية وسياسية أكبر، ويحتاج إلى ملفات قضائية ومعايير إثبات أشد تعقيدًا، خصوصًا حين يتداخل العمل مع مساحة “حرية التنظيم” و”حرية التعبير” وفق الترتيبات الدستورية الأمريكية.
ثالثا: منطق “الإدارة” لا “القطيعة”:
تاريخ العلاقة – كما عرضت في الحلقات – يشير إلى أن واشنطن كثيرًا ما فضّلت إدارة العلاقة مع الاخوان عوضا عن القطيعة معها، باعتبارها قنوات يمكن عبرها فهم المزاج الشعبي أو احتواء الغضب أو تمرير رسائل. هذا لا يعني تبرئة، بل يعني أن الدولة تُبقي أحيانًا على “قناة” ما دامت لا تتحول إلى تهديد مباشر داخل البيت.
رابعا: الصراع الإيراني–الإسرائيلي… وموقع الإخوان في المعادلة:
في لحظات احتدام الصراع الإيراني–الإسرائيلي في الشرق الأوسط، تتغير أولويات واشنطن: ما يهمها هو تحجيم أي شبكة يمكن أن تُستخدم لزيادة الضغط على إسرائيل، أو توسيع ساحات التوتر حولها، أو خلق بيئات اجتماعية قابلة للاشتعال في دول التماس. وهنا يصبح التصنيف “أداة ضبط” للساحات الأقرب إلى خطوط النار، بينما تُترك الشبكات الداخلية – ما دامت تحت سقف القانون – كمساحة مراقبة/إدارة/احتواء أكثر منها ساحة تصفية.
الخلاصة:
التصنيف لم يكن محاكمة شاملة لفكرة “الإخوان” بقدر ما كان اختيارًا انتقائيًا لساحات بعينها: حيث يتحول التنظيم إلى ورقة ضغط في صراع إقليمي متشعب، يتقاطع فيه ملف فلسطين مع الحسابات الإسرائيلية، ومع الاشتباك الأوسع مع إيران ووكلائها وممرات نفوذها.
أما “فرع أمريكا” فبقي خارج التصنيف لأن كلفة ضربه داخل الداخل الأمريكي أعلى، ولأن واشنطن – تاريخيًا – أبقت مساحات للتعامل والمراقبة والاحتواء، طالما لم يتحول إلى تهديد مباشر، وطالما ان مساحات استخدام التنظيم ما زالت قائمة.
باريس: الخامسةُ مساءً بتوقيتِ القاهرة.

شارك