الإسلام وحرية الرأي والتعبير (1)

الأربعاء 18/فبراير/2026 - 07:49 م
طباعة الإسلام وحرية الرأي حسام الحداد
 
يُقدم الدكتور عبد الرحيم علي في هذا الاستهلال رؤيةً نقدية كاشفة وشديدة الأهمية، حيث لا يتوقف عند حدود التأصيل الفكري لحرية الرأي في الإسلام، بل يمتلك الشجاعة والمبدئية الأخلاقية لكشف كواليس "صناعة الوعي" والضغوط التي تمارسها بعض مراكز الأبحاث لتوجيه الخطاب الديني وفق مقاسات سياسية جاهزة. إن موقفه التاريخي بالانحياز لنزاهة البحث العلمي ورفض "التمويل المشروط" مقابل تزييف الحقيقة، يضفي على هذه السلسلة مصداقية استثنائية؛ فهو لا يعيد تدوير أفكار قديمة، بل يستعيد معركةً فكرية خاضها ضد الوصاية والتبعية، ليفتح لنا في رمضان 2026 نافذةً للتأمل في جوهر الدين بعيداً عن صراخ السياسة وتشويه القراءات النمطية، مؤكداً بوعيه الثاقب أن الإسلام الحقيقي هو دين السؤال والتدبر، لا الإكراه والقمع.

لماذا نفتح هذا الملف الآن؟

لماذا نفتح هذا الملف
هذه السلسلة ليست وليدةَ اللحظة،
ولا استجابةً لسؤالٍ طارئ،
بل امتدادٌ لسؤالٍ قديمٍ طُرح عليَّ مبكرًا،
من مركز ابن خلدون للدراسات الانمائية.
ففي أبريل 2004، قبلتُ عرضًا تقدّم به الدكتور سعد الدين ابراهيم لي،
في اطار التعاون بين مركز ابن خلدون الذي كان يرأسه ويديره، وبين المركز العربي للبحوث والدراسات الذي كنتُ قد انشأته في عام 1998؛ وذلك لإصدار سلسلة كتيبات تعريفية بالإسلام موجَّهة إلى الغرب،
على أن يكون أولها عن «حرية الرأي والتعبير في الإسلام»، يصدر باللغة العربية، ثم يُترجم إلى الإنجليزية، ويوزَّع في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية.
جاء قبول العرض من منطلق:
تقديم طرح علمي موضوعي للخطاب الإسلامي الحقيقي،
والرد على الصورة النمطية السلبية التي اقترنت — في الوعي الغربي —
بتعميمات تربط الإسلام بالتطرف والعنف الذي كان متفاقمًا آنذاك،
مع شيوع الخلط والجهل بكثير من القيم الإسلامية الأصيلة.
تم الاتفاق على إنجاز الكتاب في مدة أقصاها ستة أشهر،
مقابل عشرة آلاف جنيه:
ثلاثة عند توقيع العقد،
وسبعة بعد تسلّم المخطوطة النهائية.
وقد قمتُ بإعداد الكتاب في ثلاثة فصول:
القرآن وحرية الرأي والتعبير،
والسنة النبوية وحرية الرأي والتعبير،
ثم حرية الرأي والتعبير لدى مفكري الاسلام المستنيرين.
كانت الفكرة الجوهرية واضحة:
أن الإسلام الصحيح يؤمن بالتعددية الفكرية،
ويُقر بحرية الآخر في الاحتفاظ بعقيدته المخالفة،
ويُعلي من شأن الصراع الفكري النزيه،
البعيد عن الإسفاف والتهوين،
وأنه لا يقر الإكراه، ولا القهر، ولا إرغام الناس على اعتناق عقيدةٍ ما.
﴿لا إكراه في الدين﴾
(البقرة: 256)
غير أن المفاجأة كانت ملاحظات مركز ابن خلدون على أصول المخطوطة بعد مراجعتها؛
فالملاحظات لم تتعامل مع النص بوصفه موضوع بحث،
بل بوصفه مادةً ينبغي تهذيبها لتوافق صورةً مسبقة يريدون تصديرها للغرب.
كان المطلوب — بوضوح —
أن يخرج الإسلام على مقاس ذائقة سياسية وثقافية جاهزة،
لا على مقاس نصه، وتاريخه، ومنهجه في إدارة الاختلاف.
هنا تحديدًا أدركتُ أن السؤال نفسه ليس بريئًا دائمًا،
وأن بعض المؤسسات لا تبحث عن الحقيقة،
بقدر ما تبحث عن «نسخة» مريحة من الحقيقة.
وحين لم يعد الخلاف خلافًا بحثيًا،
بل خلافًا منهجيًا وأخلاقيًا،
كان القرار:
رفض الاستمرار،
واسترداد المسافة الآمنة بين البحث العلمي،
وبين شروط التعاون مع مراكز الابحاث الغربية واشتراطات التوجيه.
قمتُ على الفور بنشر مقال شهير وقتها في مجلة روزا اليوسف،
احتل كامل مساحة غلافها الخارجي،
تحت عنوان:
“ الاسلام على مقاس ابن خلدون”
شرحتُ فيه وقائع ما جرى بدقه،
واعلنتُ رفضي للتعاون مع المركز،
ورددتُ له المبلغ الذي كنتُ قد تسلمته منه،
ودفعتُ بالكتاب الى الصديق فريد زهران،
مدير مركز المحروسة للنشر والتوزيع،
ليصدر بنفس العنوان في نفس العام:
“ الاسلام وحرية الرأي والتعبير”.
اليوم، وبعد أكثر من عشرين عامًا،
أعود إلى هذا الملف/ الكتاب؛
لا لاستدعاء واقعة ابن خلدون بوصفها قصةً شخصية،
بل لأنها تكشف شيئًا أعمق:
كيف يتحوّل سؤال حرية الرأي في الإسلام
من سؤال معرفي مشروع
إلى «أداة» ضغط،
وكيف يُراد للإجابة أن تُكتب
قبل أن يُكتب السؤال.
ولذلك تأتي هذه السلسلة من المقالات في رمضان 2026،
مستمدّة من ذلك الكتاب الذي قمنا بنشره آنذاك،
لا بروح الجدل،
ولا بوصفه دفاعًا انفعاليًا،
بل بوصفه مراجعةً هادئة
حول سؤال جوهري:
ماذا بقي من جوهر الدين
بعد أن علقت به صراعات السياسة
وضجيج الخطابات المتعارضة؟
فالعالم العربي يعيش منذ سنوات أزمة مركبة:
أزمة دولة،
وأزمة وعي،
وأزمة علاقة ملتبسة بين الدين والحرية.
وفي قلب هذه الأزمة يقف سؤال حرية الرأي والتعبير في الإسلام، لا بوصفه مسألة فقهية مجردة، بل سؤالا وجوديا يمس صورة الدين، ومستقبل الدولة، وحدود العيش المشترك.
هذه السلسلة لا تنطلق من فرضيات تدعي أن الإسلام ضد الحرية، ولا من ادعاءات تقول إن كل نقد مؤامرة مكتملة. بل تنطلق من حقيقة أبسط وأكثر إيلاما: أن جزءا كبيرا من الأزمة صُنع بأيدينا، حين اختلط النص بالتأويل، والدين بالسلطة، والفقه بالسياسة.
سنعود في هذه الحلقات إلى النص قبل أن تثقله القراءات، وإلى التجربة قبل أن تشوهها الصراعات، وإلى العقل الإسلامي حين كان السؤال فضيلة لا جريمة، والاختلاف علامة حياة لا سبب إقصاء.
لسنا بصدد تبرئة تاريخ ولا إدانة حاضر، بل محاولة لفهم: كيف انتقلنا من دين فتح باب السؤال إلى واقع يضيق به؟ وكيف تحول الاختلاف من مجال للاجتهاد إلى تهمة؟ وكيف صارت الحرية – في بعض الممارسات – امتيازا تمنحه السلطة وتسحبه، لا حقا يقره الأصل؟
قبل أن نسأل: هل الإسلام ضد حرية الرأي؟
لنسأل أولا: كيف شُوّه السؤال نفسه؟
حين يُطرح سؤال حرية الرأي في الإسلام، لا يُطرح في كثير من الأحيان بوصفه سؤالا معرفيا، بل كاتهام جاهز. اتهام يراد به إدانة الدين، أو ابتزاز أهله، أو فرض قراءة واحدة ترضي سياقا سياسيا أو ثقافيا بعينه.
المفارقة أن الإسلام كنص مؤسس لم يبدأ بالقمع، بل بالسؤال:
التفكر: ﴿أفلا يتفكرون﴾
التدبر: ﴿أفلا يتدبرون القرآن﴾
النظر: ﴿أفلا ينظرون﴾
والسؤال: ﴿ويسألونك﴾ … ﴿قل﴾
لكن المشكلة لم تكن يوما في النص، بل في القراءة التي حولت السؤال إلى تهديد، والاختلاف إلى خروج، والاجتهاد إلى تهمة. ومع الزمن لم يُحاسب هذا التحول، بل استُثمر: سياسيا لتبرير السلطة، وأيديولوجيا لقمع المخالف باسم حماية العقيدة، وخارجيا لتصوير هذه الممارسات باعتبارها جوهر الإسلام لا انحرافا عنه.
في رمضان، شهر التأمل والمراجعة، نحاول أن نقرأ بهدوء ما كتب بانفعال، وأن نعيد ترتيب الأسئلة قبل البحث عن إجابات جاهزة. هذه السلسلة ليست درسا دينيا، ولا بيانا سياسيا، بل حوار مفتوح مع العقل، ومصارحة مع الذات، واستعادة لمعنى ضاع بين الصراخ والوصاية.
ونواصل غدا…
يتبع…
باريس : الخامسة مساء بتوقيت القاهرة.

شارك