رأس الأفعى: محمد منتصر.. من كواليس "الإخوان" إلى أروقة "ميدان"

الجمعة 20/فبراير/2026 - 03:26 م
طباعة رأس الأفعى: محمد حسام الحداد
 
لم يكن ظهور "محمد منتصر" على مسرح الأحداث في مصر مجرد تغيير في الوجوه الإعلامية لجماعة الإخوان المسلمين، بل كان إعلاناً صريحاً عن ميلاد مرحلة جديدة اتسمت بالراديكالية والتحول من "الدعوي" إلى "الثوري الصدامي". ففي أعقاب أحداث الثالث من يوليو 2013، وما تلاها من تفتت في الهيكل القيادي التاريخي للجماعة نتيجة الملاحقات الأمنية، برز منتصر كضرورة تنظيمية لسد الفراغ في الداخل المصري؛ حيث صعد من بين صفوف جيل الثمانينيات ليكون لسان حال الجماعة في واحدة من أعقد فترات تاريخها، محاولاً صياغة هوية جديدة لتنظيم يواجه خطر التلاشي السياسي.
جاء سياق ظهور منتصر محموماً بالاستقطاب؛ إذ تزامن تعيينه مع حالة الغليان داخل القواعد الشبابية التي ضاقت ذرعاً بـ "سياسات النفس الطويل" للرعيل الأول. في هذا المشهد المتفجر، لم يكتفِ منتصر بدور المتحدث الرسمي التقليدي، بل تحول إلى رمز لتيار "التغيير الشامل" أو ما عُرف لاحقاً بـ "جبهة الشباب" (المكتب الإداري للداخل). ومن خلف جدار من الغموض الشخصي المتعمد، أدار منتصر معركة إعلامية ورقمية شرسة ضد مؤسسات الدولة المصرية، مما جعله محوراً لأكبر انقسام تنظيمي شهدته الجماعة في عصرها الحديث، حيث تداخلت في شخصيته معالم القائد الشاب، والمحرض السياسي، والخصم اللدود للقيادات التاريخية في الخارج.

المعلومات الشخصية الأساسية
برز اسم "محمد منتصر" كواحد من أهم الرموز الشبابية التي صعدت إلى قمة الهرم القيادي لجماعة الإخوان المسلمين في أعقاب التحولات السياسية الكبرى التي شهدتها مصر بعد عام 2013. ورغم شح المعلومات الشخصية حول جذوره العائلية أو مساره التعليمي الدقيق، إلا أن الثابت هو انتمائه لجيل الثمانينيات، حيث تشير التقديرات إلى أنه بدأ ممارسة مهامه القيادية وهو في مقتبل الثلاثينيات من عمره. وقد نجح منتصر في كسر الصورة النمطية للقيادات التقليدية، مستفيداً من كونه وجهاً غير مستهلك إعلامياً، مما منحه مرونة كبيرة في التحرك وإدارة الملفات الشائكة بعيداً عن صخب الأضواء التي طالما طاردت الرعيل الأول للجماعة.
على الصعيد الميداني والإعلامي، اتسم حضور منتصر بـ "الغموض الاستراتيجي"؛ حيث فضل العمل من وراء الستار، متبنياً سياسة حذرة تحظر تداول صورته الشخصية في وسائل الإعلام لدواعٍ أمنية مشددة. ويوصف المقربون منه شخصيته بالهدوء والاتزان، مع امتلاكه خبرة تقنية وفنية لافتة في إدارة الآلة الإعلامية للجماعة، مما مكنه من صياغة خطاب سياسي يعبر عن الحقبة الجديدة للجماعة. هذا التوازن بين التواري الشخصي والظهور المكثف كمتحدث رسمي جعل منه لغزاً أمنياً وإعلامياً، وممثلاً لجيل يحاول إعادة صياغة الحضور السياسي في ظل ظروف بالغة التعقيد.

 الدور في جماعة الإخوان المسلمين
مثّل تعيين محمد منتصر متحدثاً رسمياً باسم جماعة الإخوان المسلمين في ٢٤ يناير ٢٠١٤ نقطة تحول جوهرية في هيكلية الجماعة التنظيمية، حيث جاء هذا القرار في ذروة الأزمات السياسية التي تلت أحداث ٣ يوليو ٢٠١٣ وعزل الرئيس الأسبق محمد مرسي. لم يكن التعيين مجرد ملء لمنصب شاغر، بل كان جزءاً من استراتيجية "إعادة الهيكلة" التي تبناها التيار المطالب بتمكين الشباب وتصعيد الوجوه غير التقليدية لإدارة المشهد من داخل الأراضي المصرية. وبصفته "الصوت الرسمي" للجماعة في الداخل، تولى منتصر مسؤولية صياغة المواقف السياسية وإصدار البيانات العاجلة التي تتبنى الخط "الثوري" والرفض القاطع لما وصفته الجماعة بـ "الانقلاب العسكري"، محاولاً سد الفراغ القيادي الذي خلفته الملاحقات الأمنية لرموز الرعيل الأول.
اعتمد منتصر في أداء مهامه على "دبلوماسية الرقمية" المكثفة، حيث حول منصات التواصل الاجتماعي مثل (فيسبوك) و(إكس - تويتر سابقاً) إلى منصات إعلامية بديلة لتمرير رسائل الجماعة وتوجيه قواعدها الشبابية، بالتوازي مع تنسيق وثيق مع وكالات أنباء دولية كوكالة الأناضول التركية لضمان وصول صوته للخارج. وبالرغم من حالة الجدل التي أثارها وجوده وبروز بوادر انقسام داخلي حول صلاحياته، إلا أن اللجنة الإدارية العليا للجماعة حسمت هذا النزاع في ديسمبر ٢٠١٥ بتجديد الثقة فيه والإبقاء عليه في منصبه. هذا التأكيد عكس تمسك الجناح الشبابي بمنتصر كرمز لـ "الشرعية الثورية" داخل التنظيم، صامداً أمام محاولات الإقصاء من قِبل جبهات أخرى داخل الهيكل القيادي المتذبذب آنذاك.

الجدل والانقسامات الداخلية
تحول محمد منتصر من مجرد متحدث إعلامي إلى فتيل أشعل صراعاً أيديولوجياً وتنظيمياً حاداً داخل جماعة الإخوان المسلمين، وذلك عقب تبنيه لخطاب اتسم بالتشدد والميل نحو "العنف الثوري" رداً على الأحكام القضائية الصادرة بحق قيادات الجماعة. بلغت حدة هذا الخطاب ذروتها بتصريحاته المدوية التي دعا فيها صراحة إلى "القصاص"، ونشره تدوينات عبر منصة (X) جاء فيها: "لا صوت يعلو فوق صوت القصاص وثورة تجتز الرؤوس من فوق أجساد عفنة". هذه النبرة الصدامية لم تكن مجرد تعبير عن غضب، بل كشفت عن شرخ عميق بين "القيادات التاريخية" في الخارج (جبهة محمود عزت وإبراهيم منير) التي رأت في هذا الخطاب انحرافاً عن منهج الجماعة التقليدي، وبين "جبهة الشباب" في الداخل التي يتزعمها منتصر، والتي أحكمت قبضتها على المنصات الإعلامية لفرض واقع جديد يتجاوز القيود التنظيمية القديمة.
وصل الصراع الداخلي إلى طريق مسدود في ديسمبر 2015، حينما اتخذت جبهة "الحرس القديم" قراراً مفاجئاً بإقالة منتصر من منصبه وتجميد عضويته لمدة أربعة أشهر، بدعوى تجاوزه الصلاحيات وإصدار تصريحات دون الرجوع للقيادة المركزية، مع تعيين "طلعت فهمي" بديلاً له. غير أن هذا القرار قوبل بتمرد تنظيمي من قِبل اللجنة الإدارية العليا في الداخل، التي أعلنت تمسكها بمنتصر ورفضت عزله، مما خلق حالة من "الازدواجية القيادية" غير المسبوقة في تاريخ الجماعة. وبالتوازي مع هذا الانقسام الداخلي، تصاعدت الملاحقات القانونية ضد منتصر، حيث وجهت له تقارير إعلامية ومصادر رسمية اتهامات مباشرة بالتحريض على مؤسسات الدولة المصرية واستهداف السلم العام عقب أحداث 30 يونيو 2013، مما جعله ملاحقاً ليس فقط من خصومه السياسيين، بل ومن رفاقه في التنظيم أيضاً.

 الاستقالة والوضع الحالي
تحول محمد منتصر من مجرد متحدث إعلامي إلى فتيل أشعل صراعاً أيديولوجياً وتنظيمياً حاداً داخل جماعة الإخوان المسلمين، وذلك عقب تبنيه لخطاب اتسم بالتشدد والميل نحو "العنف الثوري" رداً على الأحكام القضائية الصادرة بحق قيادات الجماعة. بلغت حدة هذا الخطاب ذروتها بتصريحاته المدوية التي دعا فيها صراحة إلى "القصاص"، ونشره تدوينات عبر منصة (X) جاء فيها: "لا صوت يعلو فوق صوت القصاص وثورة تجتز الرؤوس من فوق أجساد عفنة". هذه النبرة الصدامية لم تكن مجرد تعبير عن غضب، بل كشفت عن شرخ عميق بين "القيادات التاريخية" في الخارج (جبهة محمود عزت وإبراهيم منير) التي رأت في هذا الخطاب انحرافاً عن منهج الجماعة التقليدي، وبين "جبهة الشباب" في الداخل التي يتزعمها منتصر، والتي أحكمت قبضتها على المنصات الإعلامية لفرض واقع جديد يتجاوز القيود التنظيمية القديمة.
وصل الصراع الداخلي إلى طريق مسدود في ديسمبر 2015، حينما اتخذت جبهة "الحرس القديم" قراراً مفاجئاً بإقالة منتصر من منصبه وتجميد عضويته لمدة أربعة أشهر، بدعوى تجاوزه الصلاحيات وإصدار تصريحات دون الرجوع للقيادة المركزية، مع تعيين "طلعت فهمي" بديلاً له. غير أن هذا القرار قوبل بتمرد تنظيمي من قِبل اللجنة الإدارية العليا في الداخل، التي أعلنت تمسكها بمنتصر ورفضت عزله، مما خلق حالة من "الازدواجية القيادية" غير المسبوقة في تاريخ الجماعة. وبالتوازي مع هذا الانقسام الداخلي، تصاعدت الملاحقات القانونية ضد منتصر، حيث وجهت له تقارير إعلامية ومصادر رسمية اتهامات مباشرة بالتحريض على مؤسسات الدولة المصرية واستهداف السلم العام عقب أحداث 30 يونيو 2013، مما جعله ملاحقاً ليس فقط من خصومه السياسيين، بل ومن رفاقه في التنظيم أيضاً.

من كواليس "الإخوان" إلى أروقة "ميدان"
لم تتوقف المسيرة السياسية لمحمد منتصر عند محطة "المتحدث الرسمي"، بل شهدت تحولاً لافتاً بانخراطه في "حركة ميدان"، حيث يشغل حالياً عضوية مكتبها السياسي، مكرساً حضوره كأحد الوجوه الفاعلة في معارضة الخارج. ومن خلال حسابه الرسمي على منصة (X)، الذي يعرّف فيه نفسه بصفته المزدوجة ككادر قيادي في "ميدان" ومتحدث سابق باسم "الإخوان"، يسعى منتصر لإعادة إنتاج دوره السياسي عبر أدوات القوة الناعمة، حيث يدير بودكاست "مع منتصر" على قناة الحركة. ويستثمر هذا المنبر الرقمي في فتح نقاشات معمقة حول القضايا السياسية والتاريخية المصرية مع شخصيات بارزة، في محاولة لتقديم قراءة مغايرة للمشهد المصري الحالي ومخاطبة جمهور أوسع يتجاوز الأطر التنظيمية الضيقة للجماعة.
رغم تأكيد حركة "ميدان" المستمر على هويتها السلمية وجهوزيتها لملء أي "فراغ سياسي" مستقبلي، إلا أنها تلاحق بحزمة من الانتقادات الحادة والاتهامات الأمنية والسياسية التي تضعها في دائرة الضوء الساخنة. فبينما تحاول الحركة تقديم نفسها ككيان فكري وسياسي، تشير تقارير إعلامية ومراقبون إلى وجود صلات وثيقة تربط مؤسسيها وقياداتها، ومن بينهم منتصر ورضا فهمي ويحيى موسى، بجماعة الإخوان المسلمين وتشكيلات أدرجت على قوائم الإرهاب مثل حركتي "حسم" و"سواعد مصر". هذه التقارير، التي تصف الحركة أحياناً بـ "ميدان النار"، تذهب إلى حد اعتبارها "واجهة سياسية" أو قناعاً فكرياً لتنظيمات متهمة بممارسة العنف والفوضى، مما يجعل حضور منتصر فيها بمثابة استمرار للجدل القديم حول خيط رفيع يفصل بين العمل السياسي والتحريض الميداني.

شارك