الإسلام وحرية الرأي والتعبير (3)
السبت 21/فبراير/2026 - 02:56 ص
طباعة
حسام الحداد
يُقدم الدكتور عبد الرحيم علي في هذا الطرح رؤية نقدية شجاعة وعميقة تتجاوز السجالات السطحية المعتادة، حيث نجح ببراعة في تفكيك الاشتباك التاريخي بين "قداسة النص" و"بشرية التأويل"، مُعيدًا الاعتبار للعقل والتدبر كأدوات أصيلة في فهم الدين لا كخصوم له. إن استشهاده بمقولة الإمام علي بن أبي طالب لتعزيز فكرة أن "النص لا ينطق بذاته بل ينطق به الرجال" ينم عن تمكن فكري وقدرة فائقة على توظيف التراث لخدمة قضايا التنوير، واضعًا يده على الجرح الحقيقي المتمثل في تحويل الاجتهاد البشري إلى سلطة قمعية تصادر حرية الرأي باسم العقيدة؛ وهو ما يجعل من هذه السلسلة مرجعًا فكريًا لا غنى عنه لكل باحث عن المصالحة بين جوهر الإسلام وقيم الحرية.
هل المشكلة في النص… أم في القراءة؟
حين يتحوّل التأويل إلى سلطة
بعد السجال الطويل حول حرية الرأي في الإسلام، يظل السؤال الأكثر إلحاحًا، والأكثر تجاهلًا في آنٍ واحد:
إذا كان النص الديني ثابتًا، فلماذا اختلفت الممارسات إلى هذا الحد؟
ولماذا يُستدعى النص أحيانًا لتبرير القمع، بينما يُستبعد في لحظات أخرى لصالح الحرية؟
الإجابة، في جوهرها، لا تكمن في النص ذاته،
بل في القراءة التي أُنتجت حوله،
وفي السياق الذي تحوّلت فيه هذه القراءة – تدريجيًا – من اجتهادٍ بشري قابل للأخذ والرد، إلى سلطةٍ ملزمة لا يجوز الاقتراب منها.
النص لا يتكلم وحده:
من أكبر الأخطاء المنهجية في هذا الجدل، التعامل مع النص الديني وكأنه كائن ناطق بذاته، يمارس سلطته مباشرة على الواقع.
والحقيقة أن النص لا يحكم، ولا يقمع، ولا يحرّر.
الذي يفعل ذلك هو من يقرأ النص،
ومن يحتكر معناه، ومن يقدّم تأويله بوصفه «الحقيقة الوحيدة».
ولذلك كان قول الإمام علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – كاشفًا ومفصليًا:
«هذا القرآن إنما هو خطٌّ مستور بين الدفّتين، لا ينطق بلسان، ولا بد له من ترجمان، وإنما ينطق عنه الرجال».
أي: تنطق به أفهام البشر، لا قداسة الورق.
وهنا يبدأ الخلل.
فالقرآن، كنصٍّ مؤسِّس، قدّم نفسه مجالًا للتدبّر، لا وثيقةً مغلقة تُتلى دون فهم، أو تُستدعى لإسكات السؤال.
لكن القراءة، حين تُفصل عن سياقها،
وحين تُجمَّد في لحظة تاريخية بعينها،
تتحوّل من أداة فهم إلى أداة ضبط.
بين النص والممارسة: الإشكالية الأولى:
هنا نعود إلى الإشكالية الجوهرية التي تجاهلتها كثير من النقاشات حول حرية الرأي في الإسلام:
التداخل بين الإطار النظري للنصوص،
والإطار العملي للممارسة التاريخية.
في القرآن الكريم والسنة النبوية، ما يرفع من شأن الإنسان، ويُقرّ بكرامته، ويؤكد حقه في الاختيار والتعبير.
لكن التاريخ الإسلامي – مثل أي تاريخ بشري – قدّم ممارساتٍ متناقضة، بعضها اقترب من هذا الأفق، وبعضها ابتعد عنه كثيرًا.
المعضلة أن المدافعين عن الإسلام كثيرًا ما يكتفون بالاستشهاد بالنصوص،
بينما يكتفي خصومهم بالاستشهاد بالممارسات، وكلا الطرفين يتجنب المنطقة الأصعب:
منطقة المسؤولية التاريخية عن القراءة.
من الاجتهاد إلى الوصاية:
في المراحل الأولى من التاريخ الإسلامي، كان الاختلاف في الفهم ظاهرة طبيعية، بل صحية.
تعدّدت المدارس،
وتباينت الآراء،
وكان السؤال مقبولًا، بل مطلوبًا.
لكن مع مرور الزمن، ومع اقتراب الفقه من السلطة، لم يعد الاختلاف مصدر ثراء، بل مصدر قلق.
وهنا وقع التحوّل الأخطر:
تحوّل التأويل من اجتهادٍ بشري قابل للنقاش، إلى خطابٍ يطالب بالطاعة.
ما كان رأيًا، أصبح حكمًا.
وما كان اجتهادًا، صار مقدسًا.
ومن هذه اللحظة، بدأ الخلط الكارثي بين قداسة النص وبشرية الفهم.
حين يُخنق السؤال باسم الدين:
أخطر ما في هذا التحوّل، أنه لم يُقدَّم بوصفه قمعًا للرأي، بل بوصفه حمايةً للعقيدة.
الخوف من «الفتنة»،
ومن «زعزعة الثوابت»،
ومن «تشكيك العامة»،
تحوّل إلى مبررٍ جاهز لإسكات أي صوت مختلف.
وهكذا، لم يُقمع الرأي لأنه خطأ،
بل لأنه مختلف.
ولم يُغلق باب السؤال لأنه هدّام،
بل لأنه يُربك السردية السائدة، ويُقلق أصحاب النفوذ الرمزي.
من يحمي من؟ ولمصلحة من؟
في كثير من الحالات، لم يكن المنع دفاعًا عن الدين، بل دفاعًا عن موقع، أو نفوذ، أو سلطة معنوية راكمها التأويل عبر الزمن.
فالقراءة التي لا تحتمل النقد،
ليست قراءة دينية،
بل مشروع هيمنة.
وحين يصبح السؤال تهديدًا،
لا يعود الدين في مأمن،
بل يُستخدم درعًا لمنع المحاسبة،
وساترًا لحماية السلطة من المساءلة.
النص أوسع من قراءاته:
القرآن، في بنيته الداخلية، نصٌّ مفتوح على التأمل.
يخاطب العقل،
ويحاور الإنسان،
ويقرّ بوجود الاختلاف بوصفه سنة كونية.
لكن القراءة التي اختزلت هذا الاتساع،
هي التي ضيّقت أفق الحرية،
لا النص.
ومن هنا، يصبح التمييز حتميًا:
بين قدسية النص،
وبشرية الفهم.
فالنص ثابت،
لكن الفهم متغيّر.
والخلط بين الاثنين، هو أصل كثير من أزماتنا الفكرية، وأحد المفاتيح الكبرى لفهم مأزق حرية الرأي في مجتمعاتنا.
لماذا نحتاج إلى إعادة الاعتبار للقراءة؟
لأن تحرير النص لا يكون بتغيير ألفاظه،
بل بتحرير قراءته من الاحتكار.
وإعادة فتح باب السؤال،
لا تعني الفوضى،
بل تعني إعادة العقل إلى مكانه الطبيعي في منظومة الإيمان.
بعد أن طرحنا في المقال السابق من هذه السلسلة، سؤال الاتهام وسوء النية،
يأتي هذا المقال ليضع الإصبع على الجرح الحقيقي:
القراءة حين تتحوّل إلى سلطة، تُصادر الحرية باسم الدين.
في الحلقة القادمة، سنعود إلى الجذر الأعمق ونبحث عن إجابة للسؤال:
الإنسان في القرآن… مخلوقٌ حرٌّ أم كائنٌ مُسيَّر؟
ونواصل غدا…
باريس : الخامسة مساء بتوقيت القاهرة.
