الإسلام وحرية الرأي والتعبير (4)
السبت 21/فبراير/2026 - 07:02 م
طباعة
حسام الحداد
يُقدم الدكتور عبد الرحيم علي في هذا المقال قراءة فكرية رصينة ومجددة، يغوص فيها ببراعة خلف السطح الفقهي التقليدي ليصل إلى "المركزية الإنسانية" في الخطاب القرآني، مفككاً بوعي حاد مغالطة "الإنسان المُسير" التي استُغلت تاريخياً لتبرير الاستبداد؛ حيث ينجح الدكتور في إعادة الاعتبار لمفهوم "الاستخلاف" كأصلٍ للحرية والمسؤولية، رابطاً بين استقلال الإرادة البشرية وبين مشروعية الاختلاف وحرية التعبير، وهو ما يجعل من سلسلة مقالاته هذه وثيقة تنويرية ضرورية لإعادة بناء الوعي الإسلامي المعاصر على أسس العقل والكرامة الإنسانية بعيداً عن وصاية القراءات الجامدة.
الإنسان في القرآن: مخلوقٌ حرّ… أم كائنٌ مُسيَّر؟
بعد أن توقّفنا في المقالين الأول والثاني عند سؤال الاتهام وسوء النية، ثم عند إشكالية القراءة حين تتحوّل إلى سلطة، نصل الآن إلى الجذر الأعمق الذي لا يمكن تجاوزُه في أي نقاش جاد حول حرية الرأي والتعبير في الإسلام:
كيف يرى القرآن الإنسان؟
هل يراه كائنًا محكومًا بالجبر،
مساقًا بلا إرادة،
أم ذاتًا حرّةً، مسؤولةً، تُخاطَب بالعقل، وتُحاسَب على الاختيار؟
هذا السؤال ليس فلسفيًا مجردًا،
بل سؤالٌ تأسيسيّ،
تتفرّع عنه كل قضايا الحرية،
وفي مقدّمتها حرية الرأي والتعبير.
النص والقراءة… والإنسان بينهما:
في المقال السابق، تبيّن لنا أن النص الديني لا يمارس سلطته بذاته،
وأن الخلل لا يكمن في القرآن،
بل في القراءة التي جُمِّدت،
ثم رُفعت فوق النقد،
ثم تحوّلت إلى وصاية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا:
كيف أمكن لهذه القراءة أن تكتسب كل هذه القوة؟
الإجابة تبدأ من صورة الإنسان التي روّجت لها بعض التأويلات:
إنسانٌ ضعيف الإرادة،
مسلوب الاختيار،
محكومٌ بمصيرٍ سابق،
لا يملك إلا الطاعة والتسليم.
وحين تُختزل صورة الإنسان على هذا النحو،
تصبح الحرية خطرًا،
ويغدو السؤال تهديدًا،
ويتحوّل الرأي المختلف إلى خروجٍ على «المقدَّر».
الاستخلاف… أصل الحرية:
غير أن القرآن، في تقديمه للإنسان، يسلك طريقًا مختلفًا تمامًا.
فالإنسان في الخطاب القرآني خليفةٌ في الأرض، والخلافة هنا ليست تشريفًا لغويًا،
بل تكليفٌ قائم على الإرادة والقدرة على الاختيار:
﴿وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة﴾ (البقرة: 30)
ولا معنى للاستخلاف بلا حرية،
ولا معنى للمسؤولية بلا إمكانية الخطأ.
ولو كان الإنسان مُسيَّرًا بالكامل،
لما كان للثواب والعقاب أي معنى،
ولا كان للخطاب القرآني الموجَّه إلى العقل مبرّر:
﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره
ومن يعمل مثقال ذرة شرًّا يره﴾
(الزلزلة: 7–8)
الخطاب القرآني: دعوة لا إكراه:
القرآن لا يتعامل مع الإنسان بوصفه موضوعًا يُحرَّك، بل ذاتًا تُخاطَب.
يسأل،
يحاور،
يُقيم الحجج،
ويترك مساحةً للاختيار.
﴿وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ (الكهف: 29)
حتى في القضايا العقدية الكبرى،
لا يقوم الخطاب على القهر،
بل على البيان.
فالإيمان، في جوهره، فعلٌ حرّ:
لا يُفرض،
ولا يُورَّث،
ولا يُنتزع بالقوة.
﴿أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين﴾
(يونس: 99)
وهنا يتبدّى التناقض الصارخ بين النص،
وبين الممارسات التي خنقت الرأي باسم «حماية الدين».
الجدل القديم: الجبر أم الاختيار؟
عرف الفكر الإسلامي مبكرًا نقاشًا واسعًا حول حرية الإنسان،
بين من قالوا بالجبر،
ومن دافعوا عن الاختيار.
حتى وصل الأمر عند الإمام الأكبر محمود شلتوت، شيخ الجامع الأزهر في ستينيات القرن الماضي (1958-1963)، أن أورد في كتابه الملهم الإسلام عقيدة وشريعة:
“أننا مأمورون بتحصيل إيماننا بأنفسنا،
فإذا لم نصل الى طريق الله فنحن معذورون بنص الآية الكريمة:
لا يكلف الله نفسا الا وسعها”.
وأضاف الرجل أن وسع الانسان في تحصيل الإيمان هو العقل، وهو هبة الهية،
فإذا قصر عن معرفة الله عجزا وليس استكبارا، فهو في الفئة الناجية”.
الى هذا الحد وصل الجدال في قضية الإيمان ذاتها؛ غير أن هذا الجدل، حين اقترب م السلطة، لم يبقَ نقاشًا معرفيًا، بل تحوّل – في كثير من المراحل – إلى أداة سياسية.
فالجبر كان مريحًا للسلطة:
يبرّر الواقع،
ويُسكت الاعتراض،
ويحوّل الظلم إلى «قَدَر».
أما القول بالاختيار،
فكان يفتح باب المساءلة،
ويُحمّل الإنسان مسؤولية الفعل،
ويجعل من الاعتراض حقًا لا جريمة.
﴿إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم﴾ (الرعد: 11)
وهنا نفهم لماذا روج البعض لصورة الإنسان المُسيَّر، ولماذا جرى تهميش الرؤية القرآنية التي تُعلي من شأن الإرادة.
من العقيدة إلى الواقع:
حين يُفهم الإنسان في ضوء الجبر،
تُختزل الحرية إلى خطر،
ويُنظر إلى الرأي المختلف باعتباره خروجًا على النظام الكوني.
أما حين يُفهم في ضوء الاختيار،
تصبح الحرية شرطًا من شروط الإيمان نفسه،
ويغدو الاختلاف جزءًا من سنن الحياة.
﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين﴾ (هود: 118)
وهنا تتحدد العلاقة بين الدين والحرية،
لا في النص، بل في التأويل الذي نختاره للنص.
لماذا أُعيد إنتاج صورة الإنسان المُسيَّر؟
لأن هذه الصورة تخدم:
• سلطة سياسية لا تريد مساءلة،
• أو خطابًا دينيًا لا يحتمل النقد،
• أو تنظيمًا أيديولوجيًا يرى في الطاعة غاية لا وسيلة.
لكن هذه الصورة،
وإن راجت تاريخيًا،
لا تعبّر عن روح القرآن،
ولا عن مقاصده.
﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا وأنكم إلينا لا ترجعون﴾
(المؤمنون: 115)
الإنسان… محور التكليف:
في القرآن، الإنسان ليس تابعًا أعمى،
بل فاعلًا:
يخطئ،
ويصيب،
ويُراجع،
ويتحمّل نتائج اختياره.
﴿وهديناه النجدين﴾ (البلد: 10)
ومن هنا، لا يمكن الدفاع عن حرية الرأي في الإسلام، من دون الدفاع عن هذه الرؤية للإنسان.
حرية الرأي ليست ترفًا فكريًا،
ولا امتيازًا ثقافيًا، بل امتدادٌ طبيعي لفكرة الإنسان المكلَّف، العاقل، المسؤول.
غدا، نقترب أكثر من النص،
ونتوقّف عند آيةٍ مفصلية:
﴿لا إكراه في الدين﴾ (البقرة: 256)
ونسأل : هل هي آية عابرة؟
أم مبدأ حضاري كامل؟
نواصل غدا..
باريس : الخامسة مساء بتوقيت القاهرة.
