رسالة الغنوشي من خلف القضبان: "هروب إلى الميتافيزيقا" أم كابح أيديولوجي لانفجار وشيك؟
الإثنين 23/فبراير/2026 - 09:19 ص
طباعة
حسام الحداد
في خطوة أثارت الكثير من الجدل في الأوساط السياسية التونسية، خرجت بالأمس، الثاني والعشرين من فبراير 2026، رسالة استثنائية من وراء قضبان سجن "المرناقية" ممهورة بتوقيع الشيخ راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة. جاءت الرسالة في توقيت شديد الحساسية، تزامناً مع استشراف شهر رمضان المبارك وفي ذروة مشهد سياسي تونسي معقد يلفه الجمود وتتقاذفه الاستحقاقات المفصلية. ولم تكن هذه الكلمات مجرد تهنئة روحية أو طقس ديني معتاد كما قد يبدو في ظاهرها، بل برزت كوثيقة سياسية مكثفة الأبعاد، تعكس الصراع الأخير لزعيم تاريخي يحاول ببراعة لغوية وفكرية الإمساك بزمام التنظيم وتوجيه بوصلة قواعده من داخل زنزانته التي غُيب فيها خلف أسوار السجن.
تمثل هذه الرسالة محاولة متقدمة من الغنوشي لإعادة صياغة مشهد "النهضة" في ظل الأزمة الراهنة، حيث سعى من خلالها إلى تطويع مفاهيم "المحنة" لتتحول من انكسار سياسي إلى بناء تربوي، موجهاً خطاباً مزدوج القيمة يستهدف طمأنة الداخل المنهك ومخاطبة الخارج المترقب. إنها رسالة "الرمق الأخير" لجيل التأسيس، يسعى فيها الغنوشي لا لترميم الحاضر فحسب، بل لوضع حجر الأساس لمرحلة "ما بعد الغنوشي" عبر زرع "كوابح أيديولوجية" تمنع انزلاق الشباب نحو الراديكالية، وتُبقي على شعرة معاوية مع قيم الديمقراطية والحداثة السياسية، في مناورة لا تخلو من الدهاء والهروب الواعي نحو الميتافيزيقا لتجاوز مرارة الهزيمة الواقعية.
إعادة تدوير "أدبيات المحنة"
تتجلى في رسالة الغنوشي محاولة واضحة لإحياء "أدبيات المحنة" التي شكلت الوجدان التنظيمي لحركات الإسلام السياسي منذ خمسينيات القرن الماضي. فمن خلال استعارة قاموس "سيد قطب" و"زينب الغزالي" وغيرهما من منظري السجون، يعيد الغنوشي تدوير مصطلحات مثل "الابتلاء" و**"التمحيص"** و**"الصفوة المختارة"**. هذا الاستدعاء ليس مجرد لغة عاطفية، بل هو محاولة لربط المعاناة الشخصية والسياسية الحالية بسلسلة تاريخية من "الاضطهاد المقدس"، مما يمنح السجن صبغةً شرعية تجعل من المعتقل السياسي "مرابطاً" في سبيل فكرة، بدلاً من كونه فاعلاً سياسياً خاضعاً للمساءلة عن خياراته وقراراته التي أدت إلى هذا المآل.
يمارس الغنوشي في خطابه نوعاً من الالتفاف الواعي على الواقع عبر "الهروب نحو الميتافيزيقا"؛ حيث يتم نقل الصراع من مربع "الفشل في إدارة الدولة" و"تآكل الرصيد الشعبي" إلى مربع "القضاء والقدر" و"الامتحان الرباني". إن تحويل السجن إلى "مقام تربوي" وفسحة خلوة مع الله يهدف بالأساس إلى تخدير الرغبة في المراجعة النقدية (Self-Criticism) لدى القواعد؛ فبدلاً من أن يتساءل الشباب عن الأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبتها القيادة طيلة عقد من الحكم، يتم توجيه وعيهم نحو "الصبر" باعتباره طقساً تعبدياً، مما يجعل نقد القيادة في زمن "المحنة" يبدو وكأنه خذلان للمبدأ أو ضعف في الإيمان، لا ممارسة ديمقراطية صحية.
من الناحية الوظيفية، يعمل هذا الخطاب كـ "جدار حماية" نفسي وتنظيمي لمنع التفكك التام لقواعد حركة النهضة، وخاصة فئة الشباب التي تعيش حالة من الاغتراب السياسي. إن مصطلح "التربية الربانية" يُستخدم هنا كأداة لضبط الصفوف وإعادة تعريف الهزيمة السياسية باعتبارها "انتصاراً روحياً" مؤجلاً. ومن خلال إضفاء هذه "المسحة القدسية" على الأزمة، يحاول الغنوشي تحويل اليأس الناتج عن فقدان السلطة إلى نوع من "اليقين الانتظاري"، مراهناً على أن صمود الجسد خلف القضبان -مغلّفاً بهذا الخطاب- كفيل بالحفاظ على تماسك الهيكل التنظيمي من التحلل والذوبان في ظل الضغوط السياسية والأمنية المكثفة.
المناورة بين الداخل والخارج
يُصر الغنوشي في رسالته على إلغاء أي فجوة مفاهيمية بين الإسلام والديمقراطية، مروجاً لما يمكن تسميته بـ "المسافة الصفرية" بين النص الديني والآلية المدنية. هذا الإصرار ليس مجرد قناعة فكرية عابرة، بل هو استغلال ذكي لمفهوم "مقاصد الشريعة" لتجسير العلاقة مع الحداثة السياسية. فمن خلال تأكيده أن الديمقراطية ليست "وافداً غريباً" بل هي تفعيل لجوهر الشورى وحفظ الكرامة، يحاول الغنوشي الحفاظ على شرعية وجود حركته في الفضاء المدني، معطياً صبغة دينية لآليات علمانية بالأساس، لضمان عدم حدوث تصادم وجداني لدى قواعده بين هويتهم الإسلامية وانخراطهم في اللعبة الديمقراطية التي أقصتهم في نهاية المطاف.
على صعيد الجبهة الداخلية للحركة، يبرز الغنوشي كـ "صمام أمان" يسعى لشرعنة العمل الديمقراطي بوصفه واجبًا دينيًا وأخلاقيًا لا مجرد خيار سياسي تكتيكي. هذا الخطاب موجه بالأساس لقطع الطريق على أي جنوح "راديكالي" قد يتبناه الشباب المحبط من نتائج المسار السلمي. إن الغنوشي يدرك جيداً أن السجون عادة ما تكون محاضن للفكر المتطرف، لذا فهو يسارع إلى "تأصيل" الصبر الديمقراطي، محولاً التمسك بصناديق الاقتراع إلى نوع من الجهاد المدني، وهو بذلك يحمي هيكل "النهضة" من الانزلاق نحو مربع العنف أو "القطبية" الجديدة التي قد تنهي شرعية الحركة كشريك سياسي محتمل في المستقبل.
أما الرسالة الموجهة للمجتمع الدولي، فهي تهدف إلى إعادة تمطوع الغنوشي في الوعي العالمي كـ "نسخة إسلامية من نيلسون مانديلا". فبتركيزه على قيم "دولة القانون"، و"التداول السلمي"، و"الحرية"، هو لا يخاطب شباب الحركة بقدر ما يخاطب العواصم الغربية ومنظمات حقوق الإنسان. هذه المحاولة الذكية تهدف إلى "تجريد" خصومه السياسيين من ذريعة "محاربة الثيوقراطية" أو التخويف من "بعبع" الدولة الدينية؛ إذ كيف يمكن وصم رجل يسجن وهو يلهج بقيم الديمقراطية الغربية بالاستبداد؟ إنها عملية إحراج سياسي كبرى تهدف إلى استعادة الدعم الدولي عبر تصوير الصراع في تونس كصراع بين "ديمقراطيين مسجونين" و"سلطة أحادية"، بعيداً عن أي استقطاب أيديولوجي حول هوية الدولة.
"كابح أيديولوجي" لمنع الانفلات
يكشف تحذير الغنوشي الصريح من "الغلو" عن إدراك عميق ومخاوف تاريخية لدى الرعيل الأول من قادة الإسلام السياسي؛ إذ تمثل حالة "الانسداد السياسي" المقترنة بالشعور بالظلم داخل السجون البيئة المثالية لنشوء الأفكار الصدامية. يدرك الغنوشي أن انكسار المسار الديمقراطي الذي استثمرت فيه الحركة لسنوات قد يدفع بقطاعات من الشباب المحبط نحو كفرٍ كامل بالآليات السلمية، مما يجعلهم لقمة سائغة لخطاب "السلفية الجهادية" الذي يقتات على أطروحات "الجاهلية" و"الحاكمية". لذا، فإن حديثه عن "اليأس" ليس مجرد وعظ روحي، بل هو استباق لسيناريوهات العنف التي قد تنفجر إذا ما فقد الشباب إيمانهم بإمكانية التغيير من داخل المنظومة، وهو ما يعني في نهاية المطاف تكرار المآسي العشريات السابقة التي دفع فيها التنظيم ثمن الصدام مع الدولة.
تتحول رسالة الغنوشي هنا إلى ما يمكن وصفه بـ "الكابح الأيديولوجي" (Ideological Brake)، وهي أداة سياسية مغلفة بالدين تهدف إلى "فرملة" أي اندفاع عاطفي نحو المواجهة. إن الغنوشي يرى في "السلمية" و"المدنية" الضمانة الوحيدة والنهائية لبقاء هيكل حركة النهضة على قيد الحياة السياسية؛ فالدخول في نفق العنف أو الغلو يعني بالضرورة انتحاراً سياسياً واجتثاثاً قانونياً وشعبياً لا يمكن التعافي منه. لذا، فإن هذا النداء يهدف إلى إعادة صياغة مفهوم "الانتصار" في وعي الشباب؛ ليصبح الثبات على القيم الهادئة والصبر على المحنة هو البطولة البديلة عن "البطولة الصدامية"، مما يضمن بقاء الحركة كرقيم في المعادلة التونسية، بانتظار لحظة تاريخية تسمح لها بالعودة من بوابة السياسة لا من فوهات البنادق.
نهاية زمن "الآباء المؤسسين"
تعد جملة الغنوشي "المشروع أوسع من الأشخاص" بمثابة "بيان تنحٍّ معنوي" صِيغ بذكاء لغوي شديد، فهي تحمل في طياتها اعترافاً ضمنياً بنهاية صلاحية "القيادة الكاريزمية" التي احتكرت القرار والرمزية لأكثر من أربعة عقود. من خلال هذه العبارة، يحاول الغنوشي فك الارتباط بين مصيره الشخصي (كقائد مسجون يواجه تحديات السن والقانون) وبين استمرارية "النهضة" ككيان سياسي. إنها محاولة لتحويل الحركة من "تنظيم الفرد" إلى "مؤسسة الفكرة"، وهي خطوة ضرورية لضمان عدم انهيار البناء التنظيمي برحيل أو غياب رأسه التاريخي، مما يعكس رغبة الغنوشي في أن يكون "مُنظّر الخروج الآمن" للحركة من عباءة مؤسسيها نحو أفق غير معلوم الملامح بعد.
تمثل هذه الرسالة الختامية "تمهيداً سيكولوجياً" لقواعد الحركة لقبول فكرة القيادة الجماعية أو الانتقال لجيل "التكنوقراط والشباب" الذي لم يتلوث بصدامات الماضي. إن اعتراف الغنوشي بأن "المعاني أكبر من الأفراد" يفتح الباب موارباً أمام مراجعات هيكلية قد تضطر فيها الحركة لصياغة سردية سياسية جديدة بالكامل، تتجاوز أدبيات السبعينيات والثمانينيات التي تشبع بها جيل التأسيس. هذا "التوريث المعنوي" للمشروع يضع شباب النهضة أمام مسؤولية تاريخية؛ فإما إنتاج نسخة "نهضة" أكثر تماهياً مع الدولة الوطنية والواقع التونسي المتغير، أو الانكفاء على الذات وتحويل غياب الغنوشي إلى "أسطورة غياب" تعيق أي تقدم نحو المستقبل.
خلاصة المشهد
تظل رسالة الغنوشي "بيان صمود أيديولوجي" بامتياز، نجحت في استثمار المظلومية السياسية في فضاء رمضاني روحاني. لكنها، وفي الوقت ذاته، تظل تفتقر إلى "النقد الذاتي" (Self-Criticism)؛ فالشيخ لا يزال يرى الأزمة كـ "قدر خارجي" لا مسؤولية ذاتية للحركة عنه.
في نهاية المطاف، يحاول الغنوشي "تجميد" واقع الحركة ومنع تفككها، مراهناً على "حتمية التاريخ" للعودة مرة أخرى، لكنه يترك الأسئلة الوجودية الكبرى حول مستقبل "الإسلام الديمقراطي" في تونس بلا إجابات واقعية تتجاوز لغة "الثبات والصبر".
