رأس الأفعى: خلية صناعة الأزمة كنموذج لديناميكيات الصراع الصِفري
الإثنين 23/فبراير/2026 - 01:28 م
طباعة
حسام الحداد
يعد رصد التحولات الهيكلية في جماعة الإخوان المسلمين بعد عام 2013 ضرورة لفهم آليات بقاء التنظيمات الأيديولوجية في بيئات القمع والصدام الصِفري. وفي هذا الصدد، تبرز "خلية صناعة الأزمة" كأحد أكثر المفاهيم التنظيمية إثارة للجدل، حيث مثلت الجسر الرابط بين العمل السياسي التقليدي والعمليات النوعية الممنهجة. لم تعد هذه الخلية مجرد استنتاج بحثي، بل أصبحت جزءاً من السردية التوثيقية والدرامية التي تناولت تاريخ الجماعة السري؛ ففي الحلقة الخامسة من مسلسل "رأس الأفعى"، جرى تسليط الضوء بشكل صريح على لسان شخصية محمود عزت حول "خلية صناعة الأزمة"، وكيف تم توظيفها كأداة استراتيجية لإرباك الدولة المصرية من خلال افتعال سلسلة من الأزمات المتلاحقة التي تستهدف استنزاف الموارد الأمنية والاقتصادية.
إن الإشارة إلى هذه الخلية في سياق درامي وتوثيقي يعكس عمق التغلغل التنظيمي الذي مارسه محمود عزت، بصفته "رأس الأفعى" والمدبر الفعلي للعمل السري. يهدف هذا التقرير إلى تفكيك هذه الخلية من الناحية الواقعية والتحليلية، عبر سبر أغوار فلسفة "الإنهاك والإرباك" التي تبنتها، وتوضيح كيف تحولت من آلية للهجوم والضغط على الخصوم السياسيين إلى "كمين تنظيمي" أدى في نهاية المطاف إلى تشظي الجماعة ودخولها في نفق الأزمات الوجودية التي تعيشها اليوم.
السياق التأسيسي: من "الدعوة" إلى "الإنهاك"
مثّل عام 2013 قطيعة تاريخية مع إرث الجماعة التقليدي الذي ركز لعقود على "العمل الدعوي" والتغلغل الهادئ في مؤسسات الدولة. فبعد فض اعتصامي رابعة والنهضة، حدثت طفرة راديكالية في الأدبيات التنظيمية، حيث انتقلت الجماعة من مربع "التمكين" (أي إدارة الدولة من الداخل) إلى مربع "المظلومية النشطة". في هذا الطور، لم تعد الجماعة تكتفي بدور الضحية الساكنة، بل تبنت مفهوم "الجهاد المدني" المتدثر بغطاء ثوري، لسد الفراغ الذي خلّفه غياب القيادات التاريخية خلف القضبان. برزت "خلية صناعة الأزمة" هنا كذراع تنفيذية لإدارة هذا التحول، محولةً الصدمة النفسية لدى القواعد الشبابية إلى طاقة حركية تستهدف تقويض شرعية النظام الجديد عبر خلق حالة من "السيولة الأمنية والسياسية" المستمرة.
اعتمدت الخلية فلسفة قتالية غير متناظرة تُعرف بـ "الإنهاك والإرباك" (Attrition and Disorientation)، وهي استراتيجية لا تهدف إلى إسقاط النظام بضربة قاضية أو مواجهة عسكرية مباشرة —لعجز الجماعة عن ذلك— بل تسعى إلى "تأزيم" الواقع المعيشي والأمني بشكل منهجي. تم تنفيذ ذلك عبر سلسلة من الأزمات الصغيرة المتلاحقة والموزعة جغرافياً (مثل قطع الطرق الحيوية، استهداف محولات الكهرباء، ونشر الشائعات الاقتصادية الممنهجة)، مما يجبر الدولة على استنفار مواردها المادية والبشرية في معارك جانبية لا تنتهي. الهدف النهائي من هذا الإنهاك هو إيصال الجماهير إلى حالة من اليأس من قدرة السلطة على فرض الاستقرار، وخلق بيئة خصبة للاضطراب الاجتماعي الذي يسهل من خلاله استعادة الجماعة لمكانتها أو فرض شروطها في أي تسوية سياسية مستقبلية.
القيادة والربط التنظيمي: دور محمود عزت
لعب الدكتور محمود عزت، الملقب بـ "الثعلب" أو "الرجل الحديدي"، دوراً محورياً في تحويل الجماعة من هيكل إداري مفتوح إلى شبكة عنقودية بالغة السرية. بصفته القائم بأعمال المرشد وخبيراً عتيقاً في العمل السري منذ حقبة الستينيات، أشرف عزت على إعادة هيكلة القواعد الشبابية المشتتة بعد فض الاعتصامات، ودمجها فيما عُرف بـ "اللجان النوعية" أو "اللجان العملياتية". كانت هذه اللجان بمثابة "غرف عمليات" مصغرة، مفصولة تنظيمياً عن المكاتب الإدارية التقليدية لضمان عدم انهيار التنظيم بالكامل في حال سقوط أحد أفراده، مما جعل "خلية صناعة الأزمة" تعمل كجهاز عصبي يربط بين التوجيهات المركزية والتنفيذ اللامركزي في المحافظات.
نشأت الخلية في مناخ مشحون بالاستقطاب الداخلي الذي كاد أن يعصف بوحدة الجماعة؛ حيث برز صراع محتدم بين جبهتين: "الحرس القديم" بقيادة عزت ومحمود حسين وإبراهيم منير، الذين تمسكوا باستراتيجية "النفس طويل الأمد" والسرية والحفاظ على الكيان التنظيمي من الإبادة، وبين "الحرس الجديد" (جبهة محمد كمال) التي رأت في السلمية التقليدية عبئاً، ودفعت نحو "العمل المسلح الصريح". هنا تجلت براعة عزت التنظيمية في إدارة هذا الصراع، حيث استخدم "خلية صناعة الأزمة" كأداة لاحتواء غضب الشباب ومنع انخراطهم الكامل في تنظيمات أكثر راديكالية مثل (داعش أو القاعدة)، مع الإبقاء على خيوط اللعبة تحت سيطرة القيادة التاريخية لمنع انزلاق الجماعة نحو صدام عسكري شامل لا تحمد عقباه.
اعتمدت الخلية تحت إشراف عزت تكتيك "الوظيفة المزدوجة"، وهي مناورة سياسية وأمنية معقدة؛ فبينما كان الخطاب الرسمي الموجه للخارج وللمنظمات الدولية يؤكد على شعار "سلميتنا أقوى من الرصاص"، كانت الخلية في الداخل تدير ما يُعرف بـ "العنف المدار" أو "المقاومة الشعبية المبدعة". هذا النوع من العنف لم يكن عشوائياً، بل كان "عنفاً وظيفياً" محسوباً بدقة (مثل تخريب البنية التحتية، أو استهداف أفراد أمن بعينهم) بهدف إبقاء جذوة الضغط مشتعلة ضد الدولة دون الوصول إلى مرحلة "الإرهاب الصريح" الذي قد يؤدي إلى تصنيف الجماعة دولياً كمنظمة إرهابية من قبل القوى الغربية. كانت الخلية هي "المايسترو" الذي يضبط إيقاع هذا التوتر، بحيث تظل الجماعة رقماً صعباً في المعادلة الأمنية دون تحمل التبعات السياسية الكاملة للعنف المسلح.
المحاور التشغيلية لخلية صناعة الأزمة
اعتمدت الخلية في محورها الأمني والدولي على خلق حالة من "عدم اليقين" لدى الداخل والخارج على حد سواء؛ فميدانياً، لم يكن استهداف المنشآت الحيوية كأبراج الكهرباء ومرافق السكك الحديدية مجرد أعمال تخريبية عشوائية، بل كانت "عمليات جراحية" تهدف إلى شل قدرة الدولة على تقديم الخدمات الأساسية، مما يؤدي بالتبعية إلى إحراج الأجهزة الأمنية وإظهارها بمظهر العاجز عن حماية الموارد السيادية. توازي مع هذا المسار الخشن تحرك ناعم في المحور الدولي، حيث عملت الخلية كجسر إمداد معلوماتي للمنظمات الحقوقية والدوائر السياسية الغربية، من خلال تزويدها بتقارير دورية مُصاغة بلغة قانونية احترافية حول أوضاع حقوق الإنسان والمحاكمات. هذا "التآكل المتوازي" كان يهدف إلى عزل النظام المصري دولياً وتقليص فرص حصوله على اعتراف كامل أو دعم اقتصادي وعسكري خارجي، مما يفاقم من حدة الأزمة الداخلية.
في المحورين الإعلامي والاقتصادي، أدارت الخلية ما يمكن وصفه بـ "حرب المعلومات" لضرب الروح المعنوية للمواطن وهز ثقته في المسار الإصلاحي للدولة. فمن خلال "الكتائب الإلكترونية" الممنهجة، جرى استغلال الأزمات المعيشية الطبيعية وتحويلها إلى أزمات وجودية عبر نشر الشائعات الموجهة وتضخيم الأخطاء الإدارية، بهدف تعميق الفجوة بين القاعدة الشعبية والقيادة السياسية. تلازم ذلك مع محاولات مستميتة لإعاقة التعافي الاقتصادي عبر مسارات غير تقليدية، شملت —وفقاً للتقارير الأمنية والتحقيقات— محاولات التلاعب في سوق الصرف الأجنبي (السوق الموازي) والمضاربة على العملة، بالإضافة إلى حملات المقاطعة الموجهة لكيانات اقتصادية بعينها. كانت الخلية تراهن على أن "الخنق الاقتصادي" الممنهج، مدعوماً بآلة إعلامية تحريضية، سيؤدي في النهاية إلى حالة من الانفجار الاجتماعي العفوي التي تعجز الدولة عن احتوائها، مما يعيد للجماعة قدرتها على المناورة والمساومة.
التحول نحو "القطبية الجديدة"
يكشف تحليل الأنماط التشغيلية لخلية صناعة الأزمة عن استحضار كثيف وجديد لأدبيات سيد قطب، وتحديداً مفاهيم "الحاكمية" و"العزلة الشعورية" و"الجاهلية". ففي مواجهة الهزيمة السياسية عام 2013، أعادت الخلية إنتاج سردية الصراع مع الدولة لا بوصفه خلافاً سياسياً، بل كصدام صفري بين "معسكر الإيمان" و"مجتمع الجاهلية". هذا التحول الأيديولوجي وفّر الغطاء الشرعي اللازم لتبني العنف تحت مظلة فقهية تُعرف بـ "دفع الصائل" (أي رد المعتدي)، مما رفع الكلفة الأخلاقية للتراجع وجعل من "الإنهاك" واجباً دينياً لا خياراً سياسياً. لقد كانت الخلية هي الوعاء الذي صُهرت فيه طاقة الغضب الشبابي مع أفكار قطب الصدامية، لتنتج جيلاً جديداً يؤمن بأن "السلمية" لم تعد خياراً استراتيجياً كافياً، بل هي مجرد تكتيك للمناورة.
أدى هذا التحول نحو "القطبية الجديدة" إلى تحول بنيوي خطير، وهو عسكرة قطاع واسع من شباب الإخوان الذين فقدوا الثقة في العمل الحزبي التقليدي. لم تعد الخلية مجرد أداة لإدارة الأزمات، بل أصبحت "حاضنة أيديولوجية" فرّخت تنظيمات فرعية أكثر راديكالية واحترافية في استخدام السلاح والعبوات الناسفة، مثل حركتي "حسم" و**"لواء الثورة"**. هذه المجموعات، وإن حاولت تسويق نفسها ككيانات مستقلة أو "حركات ثورية"، إلا أنها خرجت من رحم "اللجان العملياتية" التي أسستها خلية الأزمة. لقد مثلت هذه التنظيمات مرحلة "الكمون المسلح" التي تجاوزت سقف الحرس القديم، حيث انتقلت من مجرد "إرباك" الدولة إلى محاولة "بتر" أركانها عبر الاغتيالات النوعية، مما تسبب في انقسام حاد داخل الجماعة بين من يرى في هؤلاء "شباباً ثائراً" ومن يراهم عبئاً أمنياً وسياسياً على الكيان الأم.
مآلات الخلية وتأثير الاعتقالات
مثّل سقوط محمود عزت في أغسطس 2020 ضربة قاصمة لـ "الجهاز العصبي" لهذه الخلايا؛ فباعتباره "صندوق الأسرار" والرابط التنظيمي الوحيد القادر على الموازنة بين التمويلات القادمة من الخارج والتحركات الميدانية في الداخل، أدى غيابه إلى دخول الجماعة في حالة من التشظي الرأسي والأفقي. لم يعد هناك "مايسترو" واحد يدير خلية صناعة الأزمة، مما أدى لبروز صراعات مريرة على الشرعية والتمويل بين ثلاث جبهات رئيسية: جبهة لندن (إبراهيم منير)، وجبهة إسطنبول (محمود حسين)، و"جبهة التيار الثالث" التي تتبنى الفكر الصدامي الصريح. هذا الانقسام حوّل طاقة الجماعة من "إدارة الأزمة ضد الدولة" إلى "إدارة الأزمات البينية"، مما أفقد الخلايا قدرتها على التوجيه المركزي وحوّلها إلى مجموعات معزولة تفتقر إلى الرؤية الموحدة أو الغطاء التنظيمي المتماسك.
على الصعيد الاستراتيجي، انتهت تجربة "خلية صناعة الأزمة" بانهيار تام لنظرية المراهنة على الغضب الشعبي. فبدلاً من أن تؤدي استراتيجية "الإنهاك" إلى ثورة اجتماعية، أسفرت عن نتائج عكسية تمثلت في نفور الظهير الشعبي التقليدي؛ إذ وجد المواطن العادي نفسه المتضرر الأول من عمليات استهداف البنية التحتية، وتعطيل المرافق، والتلاعب بأسعار الصرف التي مارستها الكتائب الإلكترونية. لقد أدركت القواعد الاجتماعية أن "صناعة الأزمة" لا تستهدف النظام السياسي فحسب، بل تمس أمنهم المعيشي اليومي، مما أدى إلى عزلة الجماعة اجتماعياً وتاريخياً. وبمرور الوقت، تحولت هذه الخلايا من أداة "للضغط والعودة" إلى عبء أمني وسياسي ساهم في تسريع وتيرة تفكك الكيان الإخواني وتحويله من حركة جماهيرية إلى "تنظيم مأزوم" يصارع من أجل البقاء في المنفى.
الخاتمة والرؤية المستقبلية
تظل "خلية صناعة الأزمة" نموذجاً بليغاً في تاريخ الحركات الإسلامية يوضح كيف يمكن للكيانات الكبرى أن تتحول إلى "تنظيمات نكائية" (Vexation Movements) عندما تفشل في الحفاظ على السلطة أو التكيف مع واقع ما بعد الصدمة. فبدلاً من ممارسة السياسة بمعناها التقليدي، انزلقت الجماعة نحو استراتيجيات تهدف فقط إلى الإيذاء وتعطيل المسارات، وهو ما ارتد في النهاية على بنيتها الداخلية. واليوم، لم تعد "الأزمة" سلاحاً تشهره الجماعة في وجه خصومها السياسيين، بل تحولت إلى "أزمة وجودية" تعصف بكيانها؛ حيث غابت القيادة الكاريزمية الموحدة القادرة على ضبط التوازنات، مما جعل الهيكل التنظيمي يعيش حالة من السيولة وفقدان البوصلة، لتصبح الجماعة ضحية لنفس "الفوضى" التي حاولت يوماً إدارتها وتوظيفها.
بالنظر إلى المستقبل، يبدو أن استمرار الضغوط الأمنية وفشل رهان "صناعة الأزمة" يضعان الجماعة أمام خيارين أحلاهما مرّ: فإما الاستمرار في حالة التفتت والتشظي إلى مجموعات صغيرة لا رابط بينها، وهو ما ينهي أسطورة "التنظيم الدولي الموحد"، أو الانكفاء التام نحو العمل السري المنعزل الذي يفتقر إلى الحاضنة الشعبية. إن فقدان "خلية الأزمة" لفاعليتها بعد اعتقال القيادات وسد ثغرات التمويل يعني أن الجماعة قد تظل لسنوات طويلة محصورة في "غرف المنفى" أو الخلايا النائمة غير المؤثرة. وبناءً عليه، فإن أي محاولة لإعادة إنتاج الجماعة مستقبلاً تتطلب "مراجعات فكرية" جذرية تتبرأ من إرث القطبية الجديدة واستراتيجيات الإنهاك، وهو أمر يبدو بعيد المنال في ظل الهيمنة الحالية للعقلية الصدامية على بقايا مفاصل التنظيم.
