تجديد الخطاب أم استعادة النص؟ محاكمة الموروث التفسيري في برنامج "مجتمع"

الخميس 26/فبراير/2026 - 08:12 م
طباعة تجديد الخطاب أم استعادة حسام الحداد
 
شهدت حلقة "بين التفاسير وحجب الرواية" من برنامج "مجتمع" والمذاعة يوم 21‏/02‏/2026، حواراً فكرياً ساخناً جمع بين الإعلامي باسم الجمل والباحث والمفكر المصري المختص في التفسير والعلوم الدينية بالأزهر الشريف، أ. طارق نصر، حول معضلة "تفكك الأسرة المسلمة". لم يقف النقاش عند الظواهر السطحية للأزمة الاجتماعية، بل غاص في الجذور المعرفية، مستعرضاً كيف تحولت كتب التفاسير القديمة والمرويات التاريخية إلى حائل يمنع تدبر النص القرآني وتطبيقه في الواقع المعاصر. وقدّم نصر قراءة نقدية جريئة حمّل فيها القراءات التقليدية مسؤولية الانهيار القيمي داخل بنية الأسرة، مؤكداً أن العقل السليم يجب أن يتسق دائماً مع المنهج القرآني القويم.
انطلق الحوار من تساؤل جوهري حول جدوى اتباع رؤى تفسيرية كُتبت قبل أكثر من ألف عام لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين، وكيف أدى هذا التمسك "بالرواية" على حساب "النص" إلى خلق فجوة سلوكية وتفكك مجتمعي حاد. واستعرضت الحلقة أمثلة حية من واقع المحاكم ومسائل الطلاق والمواريث، كاشفةً عن خلل هيكلي في إدارة شؤون الأسرة ناتج عن الجهل بفقه القرآن واتباع مرويات وصفت بالعبثية. وبهذا، تحولت الحلقة إلى محاكمة منهجية تهدف إلى استرداد سلطة العقل والقرآن في مواجهة هيمنة الموروث التفسيري الذي عطل مقاصد الشريعة في حفظ الحقوق والقسط بين الناس

هيمنة الرواية على حساب النص
يرى الباحث طارق نصر أن المجتمعات الإسلامية المعاصرة تعيش انفصاماً حاداً يتمثل في "هجر القرآن" ليس كقراءة، بل كمنهج تدبري وسلوكي. ويؤكد أن الأزمة الجذرية تكمن في تقديم "الرواية" (أقوال البشر المنسوبة للدين) على "النص القرآني" القطعي، مما أدى إلى حجب مقاصد الوحي خلف ركام من التأويلات التاريخية. هذا التقديم للرواية جعل الناس يهجرون الفقه القرآني المتصل بالواقع، ويستبدلونه بسلوكيات وتفسيرات قد لا تمت لجوهر النص بصلة، وهو ما حذر منه الرسول الكريم في شكواه لربه: {يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا}.
ينتقد نصر بشدة الركون إلى تفاسير قديمة تجاوزها الزمن والعقل واللغة، معتبراً بقاءها مطبوعة ومتداولة نوعاً من العبث الفكري الذي يُسئ للدين. ويستشهد بمثال صارخ وهو تفسير حرف "نون" في أوائل السور بأنه "حوت يحمل الأرض"، متسائلاً باستنكار كيف يمكن لعقل سليم في العصر الحالي أن يقبل بمثل هذه الروايات التي لا يقبلها منطق ولا لغة. إن استمرار هذا النهج في التفسير يعكس حالة من التبلد العقلي، حيث يتم تعطيل الجوهرة العظيمة التي ميز الله بها الإنسان (العقل) لصالح "نقل" غير محقق يصطدم مع بدهيات العلم والواقع.
كبديل لهذا الشتات التفسيري، يطرح نصر منهجاً يقوم على "تكامل النص"، حيث يتم تفسير القرآن بالقرآن من خلال آلية "الترتيل". وتعني هذه الآلية جمع كل الآيات التي تتحدث عن موضوع واحد (مثل الطلاق أو العدل) لتتشكل صورة كلية تمنع "تقطيع" النص أو أخذه مجتزأً. ويضع نصر ثلاث ركائز أساسية للحكم على أي رواية أو تفسير: أولاً، موافقة اللسان العربي؛ ثانياً، مطابقة السياق القرآني الكلي؛ وثالثاً، عدم التصادم مع العقل السليم، مؤكداً أن القرآن جاء ليوقظ العقل لا ليميته.

الطلاق: من "الميثاق الغليظ" إلى "لعب العيال"
يرى أ. طارق نصر أن قضية الطلاق هي النموذج الأبرز لغياب المنهج القرآني في واقعنا المعاصر، حيث استُبدل "الميثاق الغليظ" بإجراءات ارتجالية تفتقر للتقوى والوعي. وينتقد نصر بشدة "الماذون الجاهل" الذي يوثق الطلاق دون التأكد من استيفاء الشروط الشرعية الصارمة التي وضعها الوحي، مثل وقوع الطلاق "لعدتهن"؛ أي في طهر لم يمسها فيه أو وهي حامل، لضمان استقرار الحالة النفسية والبيولوجية للزوجين. هذا الجهل المؤسسي أدى لنتائج كارثية، كوقوع طلاق لنساء حوامل دون علم الزوج أو المأذون، مما يحول البيوت من محاضن للسكينة إلى ساحات للفوضى القانونية والشرعية نتيجة إهمال النص القرآني الذي اعتبر بيت الزوجية حقاً للمرأة لا تخرج منه طيلة العدة لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً من الصلح.
يسلط المقال الضوء على مفارقة صادمة طرحها نصر، وهي أن "جمهور الفقهاء" قد عطلوا نصاً قرآنياً صريحاً يوجب الإشهاد عند الطلاق في قوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِّنكُمْ}. هذا التعطيل جعل الطلاق "كلمة طائشة" تقال في لحظات الغضب أو "الإغلاق" (أي حين يغلق الغضب على العقل)، بدلاً من أن يكون إجراءً اجتماعياً منضبطاً بشهود يمكنهم التدخل للإصلاح. ويؤكد نصر أن الركون إلى "الروايات" التي تجيز الطلاق البدعي أو الطلاق الشفهي المندفع هو "هجر صريح للقرآن". فبينما يقيد القرآن الطلاق بمرات زمنية متباعدة ({الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ}) ليمنح فرصة للمراجعة، نجد الفكر التقليدي يوقع الطلقات الثلاث بكلمة واحدة، مما يهدم الأسرة في لحظة طيش تخالف مقاصد التشريع.
يختتم نصر تحليله برصد فجوة أخلاقية هائلة في سلوك المجتمعات، حيث يطغى "التدين الطقوسي" على جوهر المعاملات. فالمجتمعات التي تكتظ مساجدها بالمصلين ومطاراتها بالمعتمرين، تعاني في الوقت ذاته من اكتظاظ المحاكم بقضايا النصب والغش وأكل أموال اليتامى. ويرجع نصر ذلك إلى "وهم الكفارة"؛ حيث يعتقد البعض أن الحج أو الصلاة ستمحو مظالم العباد وتجاوزاتهم السلوكية، متناسين أن الغاية الكبرى من الدين والكتب السماوية هي أن {يَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}؛ أي تفعيل العدل العملي في الشارع والسوق. إن الامتناع عن أكل لحم الخنزير مع استباحة الكذب وغش التذاكر التجارية يمثل، في نظر نصر، قمة الهجر السلوكي للقرآن الذي جعل "خلق الرحمة" وجبر الخواطر مقدماً على مجرد المظاهر.

محاكمة فكر "الدواعش" في المؤسسات التعليمية
يكشف أ. طارق نصر عن مفارقة صادمة حدثت خلال دورة رسمية مخصصة لـ "تجديد الخطاب الديني" في مدينة الإسكندرية، حيث فوجئ بأساتذة كبار يرسخون لمفهوم "قتل المرتد" كحكم شرعي وحيد لا نقاش فيه. وفي نقد لاذع لهذه المناهج، وصف نصر هذا الفكر بأنه لا يخرج علماءً بل "دواعش"، محذراً من أن تبني مثل هذه الآراء داخل المؤسسات التعليمية العريقة كالأزهر الشريف يغلق باب التوبة والعودة أمام المخطئين، ويحرم المجتمع من عقول مفكرة قد تمر بمراحل شك قبل اليقين، كما حدث في تجربة الدكتور مصطفى محمود وغيره.
في مواجهة مباشرة مع المحاضر، احتكم نصر إلى النص القرآني القطعي ليدحض حجة القتل؛ حيث استشهد بقوله تعالى: {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ}، موضحاً أن الآية حددت النهاية بـ "الموت" الطبيعي وليس "القتل". وأشار إلى أن القرآن ذكر الردة في مواضع عدة، بل وتحدث عمن آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا، وهو ما يثبت منح الله للإنسان فرصة المراجعة والحرية الكاملة في الاعتقاد، إذ لو كان القتل هو الجزاء لما أتيحت لهم فرصة تكرار الإيمان والكفر. واعتبر نصر أن تقديم "رواية" آحادية مثل (من بدل دينه فاقتلوه) على صريح القرآن هو قلب للموازين المنطقية، حيث تصبح الرواية "حاكمة" على كلام الله بدلاً من أن يكون القرآن هو المهيمن عليها.
ذهب نصر في تحليله أبعد من ذلك، واصفاً مبدأ القتل لتغيير الدين بأنه "مبدأ فرعوني" بامتياز ولا يمت لرسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم بصلة. واستدل بموقف فرعون حين قال عن موسى عليه السلام: {ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ۖ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ}؛ ففرعون هو من ربط بين تبديل الدين والقتل، بينما النبي صلى الله عليه وسلم في "روايات البخاري" نفسها أعرض عن رجل جاء يطلب "إقالة بيعته" (الردة) ولم يأمر بقتله، مما يؤكد أن السيادة في المنهج النبوي كانت للقيم القرآنية الداعية للحريات، وليس لعقلية "العصابات" أو "المافيا" التي يروج لها الفكر المتطرف باسم الدين.

الخلاصة 
تقدم الحلقة رؤية نقدية مفادها أن تفكك المجتمع هو نتيجة طبيعية لعجز "الخطاب الديني التقليدي" عن ملاحقة الواقع، واعتماده على سرديات تاريخية تصطدم مع جوهر القرآن. الحل، كما يراه نصر، لا يكمن في "تجميل" الخطاب، بل في ثورة منهجية تعيد الاعتبار للنص القرآني كحاكم على الرواية، وتفعل دور العقل في استنباط الأحكام التي تحفظ كرامة الإنسان وتماسك الأسرة.
"الأسرة تتفكك أمامنا والمجتمع يتفكك ونتعذب بسوء سلوكنا.. والقرآن حذر من أن عاقبة العناد عن أمر الله هي الخسران." 

شارك