بين النص والتاريخ: قراءة في أطروحات د. عبد الإله بلقزيز حول "تكون الوعي"
الإثنين 02/مارس/2026 - 10:08 ص
طباعة
حسام الحداد
تأتي هذه الحلقة بوصفها الجزء الثاني من السلسلة الفكرية المعمقة "من يوحنا الدمشقي إلى الاستشراق الحديث"، التي يقدمها الدكتور عبد الإله بلقزيز عبر قناة اليوتيوب الخاصة بـ "مركز مجتمع للدراسات الثقافية والتاريخية"، حيث بُثت مساء يوم الأحد الموافق 1 مارس 2026. في هذا اللقاء، يواصل الدكتور بلقزيز رحلته التحليلية في تفكيك إشكالية علاقة الدين بالتاريخ، باعتبارها واحدة من أكثر القضايا تعقيداً وتشابكاً في الفكر الإنساني، ساعياً إلى رصد الجذور العميقة والمسارات التاريخية التي شكلت الوعي الغربي تجاه الإسلام، مستنداً إلى رؤية نقدية تبتعد عن القراءات السطحية للمصادر التاريخية لتغوص في التحولات التي طرأت على الفكر الديني.
وتركز الحلقة بشكل مكثف على تشريح "لحظات فارقة" ومفصلية في التاريخ المسيحي، تبدأ من الدور التأسيسي لبولس الرسول في تحويل المسيحية من طائفة يهودية إلى ديانة عالمية، مروراً بجدلية العلاقة بين العقيدة والإمبراطورية التي تبلورت إبان العصر القسطنطيني. ولا يتوقف التحليل عند هذا الحد، بل يمتد ليقدم مقارنة جوهرية بين التجربتين المسيحية والإسلامية في التعاطي مع الشأن السياسي؛ حيث يسلط الضوء على تباين مسارات "الأمر" و"الحكم" في الفكر الإسلامي مقارنة بنظيره المسيحي، موضحاً كيف أن التاريخ -بما يحمله من قوانين اجتماعية وسياسية- قد أعاد صياغة المعتقد الديني، محولاً إياه من مجرد نصوص أصلية إلى واقع اجتماعي وتاريخي محكوم بديناميكيات القوة والمصلحة البشرية.
بولس الرسول: تأسيس الديانة وتفكيك "القومية" الدينية
يضع الدكتور عبد الإله بلقزيز يده على لحظة مفصلية في تاريخ المسيحية، مؤكداً أن شخصية يسوع في الرواية الرسمية تندرج بوضوح ضمن التقليد النبوي اليهودي، حيث لم يأتِ لتأسيس دين جديد منفصل، بل كان حريصاً كل الحرص على "الناموس" (شريعة موسى) ومحافظاً على طقوس الجماعة اليهودية، بما في ذلك طقس الختان. في تلك المرحلة الأولية، كانت "كنيسة القدس" أو ما يُعرف بالجماعة "اليهودية-المسيحية" تعمل وفق قواعد هذا التقليد؛ فالمؤمن بدعوة المسيح كان ملزماً بالالتزام بالشعائر اليهودية ذاتها، وظلت الدعوة مسيجة بحدود الجماعة العبرية، الأمر الذي جعلها -في لحظتها تلك- حركة إصلاحية داخلية لا تسعى للخروج عن النطاق القبلي أو العرقي المحدود الذي كانت تتحرك فيه.
بيد أن التحول الجذري وقع على يد بولس الرسول (شاول سابقاً)، الذي أحدث "قطيعة" معرفية وعقائدية مع ذلك الماضي. يرى بلقزيز في بولس المؤسس الفعلي للمسيحية كديانة عالمية؛ إذ أدرك بوعي استراتيجي أن بقاء الدعوة محصورة في "الختان" والناموس يعني بقاءها ديانةً خاصةً "بشعب الله المختار" وحده، مما يحكم عليها بالانحسار. لذا، اتخذ قراره التاريخي بإلغاء طقس الختان الجسدي والاستعاضة عنه بـ "طهور القلب"، وهي خطوة شجاعة فتحت الباب على مصراعيه للأمم (الوثنيين) للدخول في المسيحية دون الحاجة للمرور عبر البوابة اليهودية. بهذا التأسيس الجديد، خرجت المسيحية من "القمقم" اليهودي الضيق لتتحول إلى رسالة إنسانية عالمية تتجاوز الحدود القبلية، وهو ما ضمن لها الاستمرار والانتشار في أرجاء الإمبراطورية الرومانية، وإن كان ذلك على حساب انتهاء كنيسة القدس التاريخية التي تمسكت بالتقليد الأصلي.
التفاعل بين "الإيمان" و"الإمبراطورية": هل تنصرت الإمبراطورية؟
يطرح الدكتور عبد الإله بلقزيز تساؤلاً جوهرياً يغوص في عمق التحولات التاريخية، وهو: هل كانت المسيحية هي التي صبغت الإمبراطورية الرومانية بصبغتها، أم أن الإمبراطورية هي التي ابتلعت المسيحية وحولتها إلى أداة من أدوات حكمها؟ يرى بلقزيز أن العلاقة لم تكن مجرد "تنصير" للإمبراطورية في عهد قسطنطين، بل كانت عملية "ترومَنَة" (Romanization) متبادلة؛ حيث دخلت المسيحية في نسيج المؤسسة الرومانية، وتجرعت تقاليدها التنظيمية والقانونية. فبعد أن كانت تعاليم السيد المسيح تقوم على المحبة المطلقة، ونبذ العنف، وشعار "من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر"، تحولت الكنيسة تحت وطأة السلطة الإمبراطورية إلى تبني لاهوت سياسي يبرر العنف، ويدافع عن مفهوم "الحرب العادلة" و"الحرب المقدسة"، وهو لاهوت لم يكن موجوداً في الجوهر الإنجيلي الأول، بل هو استدخال لقيم الإمبراطورية الرومانية في صلب العقيدة المسيحية.
وعندما انهارت الإمبراطورية الرومانية الغربية في القرن الخامس الميلادي، تجلى هذا الاندماج في أبهى وأخطر صوره؛ حيث لم تكن الكنيسة مجرد مؤسسة دينية، بل أصبحت الوريث الشرعي والوحيد للهياكل السياسية والإدارية الرومانية التي تركتها الإمبراطورية خلفها. فقد ملأت الكنيسة "الفراغ السياسي المهول" الذي خلفه سقوط السلطة المركزية، مستعيرةً القانون الروماني في التنظيم، والأنظمة المالية والاقتصادية، وحتى الهيكل الهرمي للسلطة. هذا المسار التاريخي أدى إلى نشوء مفارقة صارخة، حيث باتت الكنيسة التي تأسست على نصوص تدعو للزهد والمحبة، تدير ممالك، وتُعين ملوكاً، وتملك أراضي واسعة، وتصدر قوانين، لتصبح في نهاية المطاف مؤسسة سلطوية بامتياز، مما يفسر التناقض الجذري بين "النص الإنجيلي" المسالم في منطلقاته، وبين "التاريخ الكنسي" الذي اتسم في كثير من محطاته بالصراع والنزوع نحو الهيمنة السياسية.
"قسطنطين الإسلام": غياب المؤسسة البابوية
ينطلق الدكتور بلقزيز في تحليله من مقولة برنارد لويس الذكية: "الإسلام لم ينتظر قسطنطيناً يخرج من صلبه ليحمله إلى الآفاق، فلقد كان الرسول هو قسطنطين نفسه". تكثف هذه العبارة فارقاً جوهرياً في بنية السلطة بين التجربتين؛ ففي المسيحية، قام الوعي النظري -في بداياته- على مبدأ الفصل بين "ما لله وما لقيصر"، لكن مسار التاريخ فرض اندماجاً قسرياً تحت ما يُعرف بـ "البابوية القيصرية" (Caesaropapism)، حيث بات الإمبراطور هو المرجعية العليا التي تدعو للمجامع المسكونية وتفصل في النزاعات اللاهوتية. هذا الاندماج التاريخي جعل من الكنيسة مؤسسة سياسية تضاهي الدولة في هيكليتها، بعكس التجربة الإسلامية التي لم تكن بحاجة لـ "قسطنطين" خارجي ليشرعن وجودها، لأن الرسول جمع في شخصه -باعتباره صاحب الدعوة وقائد الجماعة- السلطتين معاً منذ البدء، مما جعل التلاحم بين الدين والدولة أصيلاً في التجربة الإسلامية وليس طارئاً عليها.
وفي المقابل، يوضح بلقزيز سبب غياب مؤسسة "البابوية" في الإسلام؛ إذ لم ينشأ في التاريخ الإسلامي جسم إكليريكي (كهنوتي) مستقل يطالب بالسيادة على الملوك أو يمثل وسيطاً مقدساً بين المؤمن والله كما حدث في الكنيسة الكاثوليكية الغربية. بدلاً من ذلك، احتكرت الجماعة المؤمنة، ممثلة في الدولة، الشأن الديني منذ اللحظة الأولى؛ فاستوعبت السلطة السياسية (الخليفة أو السلطان) الوظائف الدينية كجزء لا يتجزأ من مهامها المدنية. فالقضاء، والتشريع، وإعلان الجهاد، وإقامة الصلاة، كانت جميعها تدار وتنفذ باسم السلطان، الذي كان حريصاً على ألا تخرج هذه السلطة الدينية من تحت عباءة الدولة، منعاً لبروز "سلطة دينية" منافسة، وهو ما جنب التاريخ الإسلامي صراعات "الكرسي والعرش" التي طبعت تاريخ أوروبا لقرون.
النص والواقع: لماذا غاب "علم السياسة" في الفكر الإسلامي؟
يلفت الدكتور عبد الإله بلقزيز الانتباه إلى مفارقة فكرية لافتة في التراث الإسلامي؛ فرغم أن السياسة كانت "موضوعاً حاضراً" بقوة في قلب التاريخ الإسلامي وتطوراته، إلا أنها لم تتبلور كـ "علم مستقل" قائم بذاته، بمناهج محددة وأصول تمايزه عن غيره، على غرار علم النحو أو علم أصول الفقه. يعزو بلقزيز هذا الغياب إلى حالة من "التشتت المعرفي"، حيث تناهبت السياسةَ علومٌ شتى، فكل علم تناولها من زاويته الخاصة؛ فبينما أفرد الفقهاءُ فصلاً في "السياسة الشرعية" ضمن كتب الفقه، انشغل الكتاب بـ "الآداب السلطانية" (ككتب الدواوين)، وخصص علماء الكلام أبواباً للإمامة، بينما قدم ابن خلدون مقاربة بنيوية في "علم العمران". هذا التنازع الموضوعي جعل من السياسة فروعاً داخل علوم أخرى، بدلاً من أن تكون علماً مركزياً مستقلاً بذاته.
أما السر وراء هذه المقاربة، فيكمن في النزعة البراغماتية (العملانية) التي طبعت تفكير هؤلاء العلماء؛ إذ يرى بلقزيز أنهم لم يكونوا منشغلين بالاستناد إلى النص الديني في كل صغيرة وكبيرة، بل كانوا "واقعيين" يواجهون تحديات الحكم وإدارة الدولة بشكل مباشر. هذا التوجه دفعهم لاستدخال أنظمة إدارية ومالية كانت قائمة بالفعل في الحضارات المجاورة (كالأنظمة البيزنطية والفارسية، مثل نظام الخراج)، وإضفاء الشرعية الفقهية عليها لتصبح جزءاً من البناء الإسلامي. وبذلك، كان الفكر السياسي الإسلامي -في أغلبه- فكراً "وظيفياً" يهدف إلى تنظيم الواقع وتدبير المصالح، أكثر منه فكراً "نظرياً" أو تجريدياً، مما جعل علماءنا أقرب إلى "رجال دولة" يحللون الواقع التاريخي، حتى حينما كانوا يكتبون عن "الخلافة" التي ربما كانت قد فقدت واقعيتها السياسية في عصرهم.
خلاصة:
يختتم بلقزيز بتحليل منهجي بالغ الأهمية: "الدين ليس هو النص، الدين هو تمثلات الجماعة المؤمنة للنص".، إن التباين الكبير بين المذاهب (مالكية، حنفية، شيعة، إلخ) يعود إلى أن كل جماعة "تؤوّل" النص وتستدخله في سياقها التاريخي والجغرافي. فالنص بطبيعته مفتوح على التأويل، وكل محاولة لحصره في "حرفية" هي في حد ذاتها عملية تأويل.
أخيرا تحليل الدكتور بلقزيز يفتح الباب لإعادة قراءة تراثنا السياسي بعيداً عن "المثالية النصية". إنه يدعونا لفهم الإسلام والمسيحية كظواهر تاريخية تشكلت عبر "اشتباك" مستمر مع قوانين التاريخ والواقع، وليس فقط من خلال نصوص مجردة.
