القرآن في مواجهة العصر: صراع التأويل والمنهجية في رؤية الهلالي والجمل

الإثنين 02/مارس/2026 - 10:38 ص
طباعة القرآن في مواجهة حسام الحداد
 
شكلت المناظرة الفكرية التي جمعت بين الدكتور سعد الدين الهلالي والدكتور باسم الجمل في 28 فبراير 2026، عبر قناة "مركز مجتمع للدراسات الثقافية والتاريخية"، لحظة فارقة في النقاش الديني المعاصر حول طبيعة النص القرآني. تبلور الحوار حول تساؤل محوري: هل يمثل القرآن دستوراً قانونياً بمرجعيات ثابتة يجب أن يلتزم بها المجتمع كإطار ملزم، أم أنه هدى متجدد يتجاوز قوالب النصوص الجامدة ليمنح الإنسان مساحة واسعة من التدبر والابتكار التي تلائم متغيرات كل عصر؟ يضعنا هذا الحوار أمام صدام منهجي لا يهدف فقط إلى تفسير النصوص، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة إعادة تعريف دور النص المقدس في توجيه حياة الناس المعاصرة.
تتجاوز إشكالية هذا الحوار مجرد التباين في وجهات النظر، لتمس جوهر الخلط التاريخي بين قدسية الدين وبين التفسيرات البشرية التي اكتسبت بمرور الزمن حصانة ضد المراجعة. وبينما يدعو الدكتور الهلالي إلى تحرير الفرد من سطوة التفسيرات الموروثة والاعتماد على التدبر المباشر، يثير الدكتور الجمل مخاوفه من غياب الضوابط المنهجية التي قد تحول النص من هداية جامعة إلى اجتهادات فردية متناثرة. يكشف هذا التباين عن ضرورة ملحة للبحث عن ميزان دقيق يجمع بين مرونة التدبر الفردي وضرورة وجود إطار منهجي يضمن تماسك المجتمع وقدرته على استخلاص الأحكام النافعة من النص في سياق معاصر متجدد.

جوهر الاختلاف: القرآن "هدى" أم "دستور"؟
يتمثل جوهر الخلاف الفكري بين الدكتور سعد الدين الهلالي والدكتور باسم الجمل في التوصيف الوظيفي للقرآن الكريم، حيث يرفض الدكتور الهلالي نعته بـ"الدستور"، معللاً ذلك بأن الدستور نص محدود الدلالة ومصطلح قد يوحي بجمود النص أو قابليته للتعديل البشري. في المقابل، يرى الهلالي أن القرآن هو "هدى" ونور إلهي مفتوح العطاء، حيث يتضمن ميكانزمات داخلية تجعل معانيه متجددة وغير محدودة بمرور الزمن، وهو ما يمنح كل إنسان حرية الاستنباط والاهتداء بما يناسب واقعه. وعلى النقيض، يتساءل الدكتور الجمل عن كيفية تحويل هذا "الهدى" إلى نظام مجتمعي فعال دون وجود آليات أو منهجية متفق عليها، مستشهداً بنماذج الدول الكبرى التي تعتمد على دساتير محددة الدلالة لضمان استقرار المجتمع وتجنب التضارب.
تتجسد الفجوة بين الطرفين في "آلية" التعامل مع النص؛ إذ يؤكد الدكتور الهلالي أن اللسان العربي بطبيعته حمال أوجه وذو دلالات متعددة، مما يتيح لكل فرد—بعيداً عن وصاية الفقهاء أو الشيوخ—أن يستنبط ما يلزمه عبر الترتيل والتدبر. من ناحية أخرى، لا يعارض الدكتور الجمل فكرة الهداية، لكنه يصر على ضرورة وجود قواعد منهجية وضوابط علمية (Mechanism) تحكم عملية الاستنباط. وبدون هذه الضوابط المشتركة، يخشى الجمل أن تظل التفاسير مجرد آراء فردية متناقضة، حيث يمثل كل فهم "توقيعاً" خاصاً بصاحبه بدلاً من أن يكون حكماً توافقياً، مما يطرح إشكالية حول كيفية الوصول إلى توافق مجتمعي حول الأحكام الملزمة

ثنائية "المقدس" و"الفهم البشري"
من أبرز النقاط التي أثارتها الحلقة هي الخلط الشائع بين الدين المقدس وبين الفهم تطرح الحلقة إشكالية جوهرية تتمثل في الخلط الشائع بين الدين المقدس وبين التفسيرات البشرية القديمة التي اكتسبت بمرور الزمن هالة من "القدسية" التي تجعلها عصية على المراجعة أو النقد. يجادل الدكتور سعد الدين الهلالي بأن هذا الفهم البشري التاريخي ليس هو الدين ذاته، مقترحاً رؤية تجديدية للقرآن بوصفه "نوراً" أو "مصباحاً" يضيء الطريق للإنسان دون أن يفرض عليه مساراً إجبارياً. ومن خلال هذا التشبيه، يُنقل ثقل المسؤولية من سلطة التفسير التاريخي إلى عاتق الإنسان نفسه؛ فالنص القرآني يقدم أدوات للهداية، بينما يبقى الإنسان حراً ومسؤولاً عن اتخاذ قراراته وابتكار الحلول التي تخدم عمارة الأرض وتطوير حياته.
وفي هذا السياق، يرتكز النقاش على مرونة اللغة العربية بوصفها وعاءً للنص، حيث يؤكد الهلالي أنها "حمالة أوجه" بطبيعتها وتتمتع بدلالات متجددة تسمح باستنباط معانٍ تتناسب مع احتياجات كل جيل، بدلاً من التعامل معها كنص جامد أو دستور محدود الدلالة. هذا التصور يفتح الباب لمبدأ "المسؤولية الفردية"، حيث يُقر النقاش بحق كل إنسان في قراءة النص واستنباط ما يلائمه من توجيهات دون الحاجة إلى وصاية الفقيه أو الشيخ. وبذلك، يتحول دور الفرد من متلقٍ سلبي لإرث التفسيرات القديمة إلى صاحب الحق الأصيل في التدبر المباشر، متحملاً تبعات فهمه وخياراته أمام الله في الدنيا والآخرة.

تحدي التطبيق الجماعي
على الرغم من اتفاق الطرفين على أن الهدف الأسمى للقرآن الكريم هو تطوير حياة الإنسان للأفضل وتقديم أدوات للهداية التي تعمر الأرض ، إلا أن نقطة الخلاف الجوهرية تتبلور حول "آلية" الاستنباط المعرفي. في هذا السياق، يتبنى الدكتور سعد الدين الهلالي منحىً تحررياً يركز على المسؤولية الفردية، حيث يرى أن الميكانزمات اللازمة للفهم موجودة داخل النص القرآني ذاته، مما يمنح كل مسلم—بصفته الفردية—الحق في قراءة النص وتدبره واستنباط الحكم الذي يلائم واقعه وظرفه الخاص، بعيداً عن "ربقة" الوصاية أو التبعية التقليدية لآراء الفقهاء السابقين.
وفي المقابل، يبدي الدكتور باسم الجمل تحفظاً جوهرياً تجاه هذه الفردية المطلقة، مؤكداً أن المجتمع يحتاج إلى إطار منهجي وضوابط علمية متفق عليها لضمان استقامة الأمور. ويرى الدكتور الجمل أن غياب هذه القواعد قد يؤدي إلى حالة من التشتت، حيث تتحول التفاسير إلى "توقيعات" شخصية متناقضة تصعب معها صياغة رؤية مجتمعية موحدة. لذا، يشدد على أهمية الانتقال من مرحلة "التدبر الفردي" إلى مرحلة "التوافق المجتمعي" عبر آليات واضحة تضبط عملية الاستنباط، مستشهداً بضرورة وجود معايير مشتركة تمنع تحول النص من مصدر هداية شامل إلى مجموعة من الاجتهادات المتضاربة التي قد تفتقر إلى الفاعلية العملية في إدارة شؤون المجتمع.

الخلاصة
يُعد هذا النقاش انعكاساً لصراع أوسع في الفكر الإسلامي المعاصر حول كيفية الانتقال من مرحلة التلقي السلبي للنصوص إلى مرحلة التفاعل النشط. وبينما يشدد الهلالي على حرية الفرد ومسؤوليته المباشرة أمام الله، يطرح الجمل إشكالية "المنهجية" التي تحمي المجتمع من تشتت الآراء. في نهاية المطاف، تظل الرسالة التي يحملها الحوار هي أن القرآن يقدم "أدوات" للهداية، تاركاً للإنسان مساحة رحبة من الحرية للابتكار وعمارة الأرض.

شارك