كيف يمكن التوفيق بين مفهوم "الأمة" التاريخي ومفهوم "الدولة الوطنية" الحديثة؟
الثلاثاء 03/مارس/2026 - 12:23 م
طباعة
حسام الحداد
كثيرة هي الأسئلة القديمة الحديثة التي تثيرها النخب الثقافية عبر الزمن من بدايات النهضة الحديثة وحتى الأن، ومن بين هذه الأسئلة الملحة والتي نناقشها في هذه المساحة ما يخص استراتيجيات تجديد الخطاب الديني: هل يكفي "تأويل النصوص" لمواجهة التطرف، أم أننا بحاجة لإعادة هيكلة المؤسسات الدينية؟
وكذلك تحديات "تكوين" الوعي، وتقييم الدور الذي تلعبه مؤسسات مثل "تكوين الفكر العربي" في صناعة تيار تنويري معاصر في مواجهة التيارات التقليدية. وكيف أثر توظيف الدين في السياسة على تماسك النسيج الاجتماعي للدول العربية؟ وهذا ما دار مناقشته في حلقة بودكاست "جدليات" المنشورة على قناة مؤسسة تكوين الفكر العربي يوم 29/01/2026، والتي استضاف فيها الإعلامي إبراهيم عيسى المفكر الدكتور سعيد بن سعيد العلوي، نموذجاً نادراً للحوار الفكري الجاد في الفضاء الرقمي العربي المعاصر، حيث تجاوز اللقاء السطحية الإعلامية ليغوص في أعماق الإشكاليات الكبرى التي تؤرق العقل العربي. في هذه الجلسة، لم يكن الهدف استعراض الآراء بقدر ما كان محاولة جراحية لتفكيك الأنسجة الملتبسة التي تربط الدين بالدولة، ومفهوم الحداثة بالهوية الثقافية. يجد المتابع نفسه أمام مواجهة معرفية بين طرفين: أحدهما يحاول إيجاد جسور تأصيلية داخل التراث لتبرير الحداثة، والآخر يواجه بمرآة الواقع السياسي المتأزم والمليء بالتناقضات، مما يجعل من هذه الحلقة وثيقة فكرية تستحق الدراسة والتأمل.
يستعرض هذا المقال التحليلي أهم مفاصل هذه الحلقة، بدءاً من المحاولة الجريئة للدكتور العلوي في إعادة قراءة المصطلحات الجدلية، مثل "العلمانية" التي يفضل استبدالها بـ"اللايكية" لتجريدها من حمولاتها الانفعالية، وصولاً إلى نقده المفاهيمي لـ"الحداثة" كقيم إنسانية عالمية لا ترتبط حصراً بالمسار التاريخي الغربي. كما يقف التحليل عند أطروحة الدولة كـ"تعاقد بشري" في الفقه الإسلامي، ليختتم بالصدام الواقعي الذي أحدثه إبراهيم عيسى، حين نقل الحوار من أروقة الفلسفة إلى صخب السياسة. إن هذا الطرح لا يسعى فقط لتلخيص ما قيل، بل يهدف إلى إبراز الفجوة العميقة بين "تنوير المثقف" و"واقع الجماعات"، فاتحاً الباب أمام تساؤلات جوهرية حول مآلات العقل المسلم في مواجهة تحديات العصر.
إشكالية المصطلح: من "العلمانية" إلى "اللايكية"
في البداية، يسلط الدكتور العلوي الضوء على أزمة التلقي التي يعاني منها مصطلح "العلمانية" في الوجدان العربي، حيث أصبح اللفظ في حد ذاته مثقلاً بدلالات سلبية مسبقة، إذ سرعان ما يُقرن في الأذهان بالإلحاد والمروق من الدين. ويرى الدكتور أن هذا التشنج اللفظي ليس مجرد خلاف لغوي، بل هو حاجز معرفي يعطل الحوار الموضوعي، حيث يغلق الباب أمام أي محاولة للفهم العقلاني قبل أن تبدأ. وبدلاً من الاستمرار في هذا الجدل العقيم حول التسمية، يقترح العلوي استبدال المصطلح بمفهوم "اللايكية" (Laïcité)، وهو المصطلح الذي يفضله كمدخل تقني وتاريخي، محاولاً من خلاله التخلص من الشحنات الانفعالية التي أحاطت بكلمة "العلمانية" لسنوات طويلة.
من خلال هذا التحول في المصطلحات، يسعى الدكتور العلوي إلى إعادة تأطير المفهوم في سياقه التجريدي؛ فهو لا يراها "ديناً بديلاً" أو دعوة للكفر، بل يحددها كآلية إجرائية تهدف ببساطة إلى الفصل بين الدين والسياسة. هذا الطرح يهدف إلى "عقلنة" النقاش عبر تخليص المفهوم من سوء الفهم المتراكم، وتفكيك العقبات النفسية التي تمنع المجتمع من تقبل فكرة الفصل كأداة تنظيمية وليست كمعركة أيديولوجية. وبذلك، يبتعد الحوار عن القشور اللفظية ليلامس الجوهر المؤسساتي والسياسي، وهو ما يمثل دعوة صريحة للارتقاء بمستوى النقاش الفكري العربي نحو مزيد من الموضوعية.
الحداثة: سياق تاريخي أم قيم إنسانية؟
فيما يخص الجدل الدائر حول منشأ الحداثة وكونها "منتجاً غربياً" قد لا يتناسب مع خصوصية الجسد الثقافي العربي والإسلامي، يطرح الدكتور سعيد بن سعيد العلوي رؤية نقدية تفكيكية تجادل بأن هذا الطرح يفتقر إلى الفهم الصحيح لجوهر التطور التاريخي. إذ يفرق الدكتور بوضوح بين "المسار التاريخي" الذي سلكته أوروبا، والذي اتسم بصراعات مريرة بين الطبقة الأرستقراطية والبرجوازية الناشئة، وبين حركة الإصلاح الديني التي امتدت من القرن السادس عشر وحتى عصر الأنوار. ويرى أن اعتبار الحداثة حكراً على الغرب لمجرد أن هذا هو سياق نشأتها التاريخي، هو مغالطة تمنع المجتمعات العربية من الإفادة من مكاسب الفكر الإنساني الكبرى. وبناءً على ذلك، يدعو الدكتور العلوي إلى تجاوز العقدة التاريخية التي تفرض على الشعوب تكرار نفس أطوار المعاناة والصراعات الغربية حتى تصل إلى التحديث. ويؤكد أن القيم الكبرى للحداثة—مثل العقلانية والحرية والمواطنة—هي في جوهرها قيم إنسانية عالمية يمكن استيعابها وتوطينها دون الحاجة للمرور بالضرورة بالمراحل التاريخية والاجتماعية القاسية التي مر بها الغرب. هذا الطرح يمثل دعوة جريئة لـ "استيعاب الليبرالية" وتفعيل قيم العصر دون الانتظار لولادة الظروف التاريخية ذاتها، وهو ما يفكك منطق الرفض القائم على رفض "الوافد الأجنبي" لصالح قراءة نقدية تعترف بإمكانية الاستفادة من الثمار الحضارية دون التورط في الجدالات التاريخية التي أنتجتها.
مفهوم "الدولة" في الإسلام
يرفض الدكتور العلوي وبشكل قاطع فكرة أن الدولة في الإسلام هي دولة "ثيوقراطية" (دينية بالمعنى الكهنوتي)، مقارناً إياها بمفهوم "الحق الإلهي للملوك" الذي عرفته أوروبا في العصور الوسطى، والذي كان يمنح الحاكم سلطة مطلقة لا تُناقش. وبدلاً من ذلك، يستحضر العلوي التراث الفقهي، وتحديداً كتاب "الأحكام السلطانية" لأبي الحسن الماوردي، ليدلل على أن ممارسة الحكم في العصر الإسلامي الكلاسيكي قامت في جوهرها على مبدأ "التعاقد البشري". فعندما صنف الماوردي وظائف الحكم إلى "وزارة تفويض" و"وزارة تنفيذ"، كان يضع إطاراً إدارياً يعتمد على التنظيم والمهام السياسية، مما يؤكد أن تدبير الدولة وشؤونها كان مجالاً بشرياً بامتياز، وليس نصاً مقدساً يمنع التغيير أو يحصن الحاكم عن المساءلة.
وفيما يتعلق بالواقع المعاصر، يؤكد الدكتور العلوي أن الدولة الحديثة بحدودها الجغرافية الواضحة، ومؤسساتها السيادية، وقوانينها الوضعية، لا تتعارض مع روح الدين الإسلامي، بل هي التطبيق المعاصر لفكرة "التعاقد" التي رسخها الفكر الإسلامي قديماً. فإذا كان القدماء قد اعتمدوا على "أهل الحل والعقد" لإبرام هذا التعاقد، فإن المواطنين اليوم هم الطرف الأصيل في هذا العقد الاجتماعي. وبناءً عليه، يرى العلوي أن ممارسة السياسة وتسيير المصالح العامة هي قضايا "أرضية" تتطلب الاجتهاد البشري المستمر؛ فالدولة يمكن أن تكون إسلامية في مبادئها الكلية، بينما تظل حديثة وعصرية في آلياتها التنظيمية والقانونية، وهو ما يزيل التناقض المفتعل بين الهوية الدينية وضرورات العصر.
التناقض بين النظرية والواقع (موقف إبراهيم عيسى)
تميزت هذه الحلقة بصدام فكري لافت بين "المثالية الأكاديمية" التي تبناها الدكتور سعيد بن سعيد العلوي، وبين "الواقعية النقدية" التي يطرحها إبراهيم عيسى. ففي حين انشغل العلوي بتقديم مقاربة فلسفية وتاريخية تحاول "تفكيك" المفاهيم وإعادة قراءتها لتتوافق مع الحداثة والمنطق المؤسساتي، دفع عيسى دفة الحوار نحو أرض الواقع المليئة بالتناقضات. لم يكتفِ عيسى بالنقاش النظري، بل واجه أطروحات ضيفه بواقع "تديين السياسة" الذي أصبح سمة ملازمة للمشهد العام، مشيراً إلى كيفية توظيف المؤسسات الدينية الرسمية، ومواد الدساتير التي تستند إلى الشريعة، ليس فقط كمرجعية أخلاقية، بل كأدوات قانونية وسياسية تفرض هيمنتها على الفضاء العام، وهو واقع يتحدى "نظريات التوافق" التي يطرحها المفكرون.
هذا الصدام كشف النقاب عن فجوة عميقة لا تزال تعيق مشروع النهضة العربي؛ فهي الفجوة القائمة بين "خطاب المثقف" التنويري، الذي يسعى جاهداً لاستنطاق التراث بلسان العصر، وبين "واقع الجماعات والأحزاب" التي لا تزال تستخدم الدين كأداة للتحشيد السياسي. سلط عيسى الضوء على معضلة "الأممية الدينية" التي تتبناها هذه الجماعات، والتي تضع ولاءها للمشروع العقائدي فوق ولائها للدولة الوطنية، مما يحول الدين من قيمة روحية عليا إلى ذريعة لتقويض سيادة القانون ومفهوم المواطنة. وبذلك، تعكس هذه المواجهة مأزقاً حقيقياً يتمثل في السؤال التالي: هل تكفي المحاولات النخبوية لإعادة تأويل النصوص لتغيير واقع تهيمن عليه أيديولوجيات سياسية ترى في الدولة الحديثة مجرد "عقبة" أمام مشروعها الديني؟
الخلاصة
الحلقة لم تكن مجرد نقاش فقهي أو سياسي، بل كانت محاولة لإعادة تعريف "أدوات التفكير" في علاقتنا بالدين والحداثة. يرى الدكتور العلوي أن مأزقنا ليس في الدين ذاته، بل في "سوء الفهم" وانغلاق باب الاجتهاد، بينما يصر عيسى على أن الواقع التنظيمي والقانوني ما زال يغرق في خلط السلطات.
تظل هذه المناظرة شاهدة على أن الحوار حول "تحديث العقل المسلم" هو حوار مستمر، يتطلب شجاعة في قراءة التراث كما يطالب العلوي، وواقعية في رصد أخطاء الممارسة كما يلح عيسى.
