استنزاف الذخيرة: كيف بدأت حرب إيران في التهام مخزونات الردع الأمريكية؟

الإثنين 16/مارس/2026 - 11:31 ص
طباعة استنزاف الذخيرة: حسام الحداد
 
تجمع الصحف العالمية الكبرى في تغطيتها اليوم على أن المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، قد دخلت منعطفاً "استراتيجياً خطيراً" مع مطلع أسبوعها الثالث؛ حيث لم تعد الضربات الجوية الدقيقة التي استهدفت العمق الإيراني كافية لحسم الصراع لصالح البيت الأبيض، بل أدت إلى اشتعال حرب طاقة عالمية غير مسبوقة. ومع تجاوز برميل النفط حاجز الـ 106 دولارات، وتدمير مراكز التصدير الحيوية في جزيرة خارك، بدأت العواصم الكبرى تشعر بوطأة "التضخم الحربي" الذي يهدد استقرار سلاسل التوريد العالمية من آسيا إلى أوروبا، مما يضع إدارة الرئيس ترامب أمام اختبار عسير للموازنة بين رغبته في "تفكيك التهديد الإيراني" وبين الكلفة الاقتصادية والعسكرية الباهظة التي بدأت تنهك المخزونات الاستراتيجية الأمريكية.
وفي ظل هذا التصعيد، يبرز "مأزق التحالفات" كأحد أهم محاور التغطية؛ فبينما يحث ترامب حلفاءه في الناتو والشركاء في آسيا على الانخراط الميداني لتأمين الملاحة في مضيق هرمز، يسيطر "التردد الحذر" على ردود الأفعال الدولية خوفاً من الانزلاق إلى حرب استنزاف طويلة الأمد. إن التقارير الواردة من طهران حول استهداف مطار دبي بالمسيرات، والصواريخ التي طالت السفارة الأمريكية في بغداد، ترسم صورة لصراع لم يعد محصوراً في الجغرافيا الإيرانية، بل تحول إلى "حريق إقليمي" ممتد الأثر، يضع العالم أمام أزمة طاقة هي الأكبر منذ سبعينيات القرن الماضي، دون وجود أي بوادر تلوح في الأفق لهدنة قريبة أو تسوية سياسية تُخمد فتيل الانفجار الشامل.

نيويورك تايمز:
تصدرت صحيفة نيويورك تايمز صفحتها الرئيسية بمقال تحليلي بارز بعنوان «دخول الحرب أسبوعها الثالث.. ترامب يواجه خيارات صارمة»، حيث يركز المقال على الضغوط السياسية والعسكرية الشديدة التي يتعرض لها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. يناقش الكاتب بالتفصيل الخيارات الصعبة أمام البيت الأبيض: إما الاستمرار في التصعيد العسكري الذي بدأ يستهلك مخزونات الذخيرة الأمريكية بوتيرة غير مسبوقة، أو إعلان «نصر سريع» والانسحاب التدريجي لتجنب تورط طويل الأمد يشبه حروب الشرق الأوسط السابقة. ويستند المقال إلى مصادر في البنتاغون والبيت الأبيض، مشيراً إلى أن ترامب يحاول التوفيق بين رغبته في «إنهاء التهديد الإيراني» وبين المخاوف الداخلية من ارتفاع التكاليف البشرية والمالية.
كما أبرزت الصحيفة في تغطيتها الرئيسية صوراً حية للضربات الأمريكية-الإسرائيلية المشتركة التي استهدفت مواقع استراتيجية في طهران، مع مشاهد لفرق الإنقاذ الإيرانية تنظف الأنقاض وسط أعمدة الدخان، إلى جانب تقارير عن هجوم بطائرات مسيرة إيرانية قرب مطار دبي الدولي أدى إلى تعليق بعض الرحلات مؤقتاً. وتناولت مقالات فرعية أخرى «الوصول العالمي للحرب في إيران» وتأثيرها المباشر على المزارعين في آسيا وأفريقيا بسبب اضطراب سلاسل التوريد الغذائية، والجوانب الجيوسياسية التي تهدد الاستقرار في أوروبا وآسيا. كما نشرت مقالاً بعنوان «الحرب تختبر قدرات أوروبا العسكرية»، وأشارت في ختام تغطيتها إلى أن «النفط يتجاوز 106 دولارات للبرميل مع استمرار المخاوف» من تعطل إمدادات الطاقة العالمية إذا استمر الصراع دون حل.

واشنطن بوست :
ركزت صحيفة واشنطن بوست تغطيتها الرئيسية على مقال تحليلي بعنوان «كيف تعقد تكتيكات إيران إعلان النصر السريع لترامب»، حيث يوضح الكاتب أن الولايات المتحدة وإسرائيل نجحتا في إضعاف قدرات القوات الإيرانية التقليدية خلال الأسبوعين الأوليين من الحرب من خلال سلسلة ضربات جوية دقيقة أدت إلى تدمير مراكز قيادة ومستودعات أسلحة. ومع ذلك، يحذر المقال من أن مخزون اليورانيوم المخصب الإيراني الذي لم يُمس بعد، إلى جانب تكتيكات طهران في تعطيل إمدادات النفط عبر مضيق هرمز، يعقدان خطط البيت الأبيض لإنهاء الصراع بسرعة. ويستند التحليل إلى تقارير استخباراتية أمريكية وصور أقمار صناعية، مشيراً إلى أن هذه التكتيكات قد تحول الحرب إلى صراع طويل الأمد يستهلك موارد واشنطن بشكل غير متوقع.
كما غطت الصحيفة بالتفصيل ضربة الطائرة المسيرة الإيرانية التي استهدفت محيط مطار دبي الدولي وأدت إلى إغلاق مؤقت لبعض الممرات الجوية، وإعلان الرئيس ترامب تدمير جزيرة خارك النفطية التي كانت مركزاً رئيسياً لتصدير النفط الإيراني، مما أثار مخاوف من ارتفاع حاد في أسعار الطاقة العالمية. وشملت التغطية أيضاً هجوماً على السفارة الأمريكية في بغداد بصواريخ قصيرة المدى، مع تحليلات معمقة عن «الحرب الاقتصادية التي تشنها إيران للصمود» من خلال استهداف الشحن البحري. ونشرت الصحيفة صوراً ساتلية حديثة تظهر حجم الأضرار في المواقع الإيرانية الاستراتيجية، إلى جانب مقال رأي بعنوان «ترامب يحث على انتفاضة.. لكن الإيرانيين خائفون جداً»، يناقش صعوبة إثارة ثورة داخلية بسبب الخوف الشديد من القمع الأمني الإيراني.

الجارديان:
خصصت صحيفة الجارديان قسماً حياً ومباشراً بعنوان «أزمة الشرق الأوسط» يتابع بشكل لحظي ومستمر التطورات العسكرية على الأرض، حيث يركز على «الضربات الأمريكية-الإسرائيلية» المكثفة التي استهدفت منشآت عسكرية ونووية إيرانية، إلى جانب تقارير مفصلة عن «عمليات برية إسرائيلية محدودة في لبنان» ضد مواقع حزب الله المرتبطة بطهران. ويشمل القسم تحديثات متتالية عن تصريحات الرئيس دونالد ترامب الذي أعلن صراحة أن «الولايات المتحدة غير مستعدة لصفقة إنهاء الحرب مع إيران»، مؤكداً أن أي مفاوضات حالية ستكون «استسلاماً» وأن الضغط العسكري يجب أن يستمر حتى يتم «تفكيك التهديد الإيراني بالكامل»، مع إشارات إلى مشاورات داخلية في البيت الأبيض حول طول أمد الصراع.
كما أبرزت الصحيفة ارتفاع أسعار النفط بشكل ملحوظ عقب «تدمير ترامب لمركز التصدير في خارك»، الذي وصفته بأنه الضربة الأقسى على الاقتصاد الإيراني، مما أثار مخاوف عالمية من نقص الإمدادات. وغطت بدقة دعوة الرئيس ترامب للدول الحليفة بإرسال سفن حربية إلى مضيق هرمز لحماية الملاحة البحرية، والتي قوبلت بردود مترددة واضحة من اليابان وأستراليا خوفاً من التصعيد وتعريض مصالحهما التجارية للخطر. كذلك نشرت مقال رأي بارز يربط الحرب مباشرة بـ«القضية الفلسطينية» كعامل خلفي أساسي في التصعيد، وانتقدت أوروبا بشدة لـ«ترددها في التعامل مع شرعية الحرب»، معتبرة ذلك «تخلياً أخلاقياً» عن مبادئها في مواجهة النزاعات الدولية.

فايننشال تايمز:
في عددها الصادر اليوم 16 مارس 2026، ركزت الصحيفة الاقتصادية البريطانية فايننشال تايمز تغطيتها الرئيسية على الجانب المالي والاقتصادي للحرب بين الولايات المتحدة وإيران، مع عناوين بارزة على الصفحة الأولى مثل «حرب إيران تعيد إحياء مخاوف التضخم العالمي» و«الحرب تسبب أكبر اضطراب في تاريخ إمدادات النفط حسب وكالة الطاقة الدولية». يحلل المقالان كيف أدى الصراع المتسارع إلى ارتفاع حاد وغير متوقع في أسعار الطاقة العالمية، مما يهدد بإعادة إشعال التضخم في الاقتصادات الكبرى بعد سنوات من الاستقرار النسبي، ويستند التقرير إلى بيانات رسمية من وكالة الطاقة الدولية التي وصفت الاضطراب في سلاسل التوريد النفطية بأنه «الأكبر منذ الحظر النفطي في السبعينيات»، مع توقعات باستمرار الارتفاع إذا لم يتم تأمين مضيق هرمز بسرعة.
كما أشارت الصحيفة إلى أن الولايات المتحدة «أحرقت سنوات من الذخيرة» منذ بداية الحرب بسبب الاستهلاك المكثف للصواريخ الدقيقة والطائرات المسيرة، مما يثير مخاوف استراتيجية من نقص في المخزونات العسكرية طويل الأمد. وتوقعت الصحيفة أن شركات النفط الأمريكية الكبرى قد تحقق مكاسب استثنائية تصل إلى 63 مليار دولار جراء الارتفاع الحاد في الأسعار، بينما تجاوز سعر برميل النفط حاجز 100 دولار للمرة الأولى منذ سنوات. وغطت الصحيفة بتفصيل تحذيرات وول ستريت من «أزمة طاقة طويلة الأمد» قد تؤدي إلى ركود عالمي، إلى جانب دعوة الرئيس ترامب لحلف الناتو بتقديم مساعدة عاجلة في مضيق هرمز لحماية الملاحة، محذراً بصراحة من «مستقبل سيئ جداً» إذا فشلت الدول الأعضاء في الاستجابة السريعة لهذه الدعوة.

الخلاصة المشتركة:
تتفق الصحف الأربع على أن الحرب لا تبدو قريبة من النهاية، وأن ترامب يحاول بناء تحالف دولي للسيطرة على مضيق هرمز وسط صمت أو تردد من الحلفاء. يسيطر القلق الاقتصادي العالمي (ارتفاع أسعار النفط والتضخم) على التغطية، إلى جانب الخسائر البشرية والعسكرية. لا تتحدث أي منها عن هدنة محتملة قريبة، بل ترسم صورة لصراع يمتد تأثيره إلى أوروبا وآسيا والأسواق العالمية.

شارك