إيران.. بين الصمود العسكري وخطر التحلل الداخلي

الإثنين 16/مارس/2026 - 12:07 م
طباعة إيران.. بين الصمود حسام الحداد
 
تدخل إيران الربع الأول من عام 2026 نفقاً مظلماً يمثل الاختبار الوجودي الأصعب منذ تأسيس الجمهورية عام 1979؛ حيث تلاقت مطرقة العمليات العسكرية الخارجية المتسارعة ومع سندان الفراغ المفاجئ في قمة الهرم السياسي عقب اغتيال المرشد علي خامنئي. هذا المشهد الدراماتيكي لم يفضِ إلى انتقال سلس للسلطة، بل أدى إلى تآكل مفهوم "الدولة الثورية" لصالح بروز "دولة حامية"  يقودها مجتبى خامنئي كواجهة سياسية لتحالف عسكري صلب يتزعمه الحرس الثوري. إن هذا التحول البنيوي يضع البلاد أمام حقيقة جديدة: نظام يتخلى عن عباءته الدينية التقليدية ليرتدي خوذة الحكم العسكري المباشر، في محاولة يائسة للسيطرة على شروخ الشرعية وتداعيات الحرب.
على الموازاة، يواجه النظام "انصهاراً اقتصادياً" غير مسبوق جعل من التضخم المفرط وانهيار العملة وقوداً لثورة جياع تتجاوز في حدتها كافة الاحتجاجات السابقة، مما دفع القيادة الجديدة لتبني استراتيجيات ردع "انتحارية" خارج الحدود. يحلل هذا التقرير ديناميكيات البقاء التي تنتهجها طهران، متمثلة في استغلال ورقة الطاقة العالمية ومضيق هرمز كرهائن جيوسياسية، مقابل اعتمادها الكلي على "شريان الحياة" القادم من المحور الشرقي (بكين وموسكو). نحن أمام إيران "مستنزفة عصبياً" تقف على الحد الفاصل بين الصمود العسكري القمعي والتحلل الداخلي الشامل، في مشهد يعيد رسم توازنات القوى وأمن الطاقة في الشرق الأوسط والعالم بأسره.

تشريح الوضع الداخلي 
يواجه النظام الإيراني لحظة الحقيقة بعد غياب المرشد وتعيين نجله مجتبى خامنئي؛ وهو تحول لم يكن مجرد انتقال للسلطة، بل كان بمثابة "رصاصة الرحمة" على مفهوم جمهورية النظام الثوري. هذا التعيين أحدث شرخاً صامتاً وخطيراً في أروقة "الحوزة الدينية" بقم، حيث يرى كبار المراجع أن تصعيد شخصية تفتقر للثقل الفقهي والإجماع الديني يمثل تحولاً صريحاً من "ولاية الفقيه" إلى "ملكوية وراثية" بغطاء أمني. لقد بات مجتبى يُنظر إليه شعبياً ونخبوياً كواجهة سياسية لجنرالات الحرس الثوري ، مما أفقد النظام آخر قشرة من شرعيته الدستورية والثورية، وحوله في نظر الجيل الجديد إلى "نظام احتلال داخلي" يفتقر لأي رابطة وجدانية مع المحكومين.
على الجبهة المعيشية، لم تعد المصطلحات التقليدية مثل "الركود" كافية لوصف الواقع؛ بل نحن أمام انصهار اقتصادي شامل. مع وصول التضخم لمستويات فلكية (نحو 60%) وانهيار القوة الشرائية للريال، تلاشت الفوارق بين المطالب السياسية والمطالب المعيشية، لتولد "هزات معيشية" عنيفة وغير مسبوقة. هذه "الاحتجاجات الوجودية" تختلف عن سابقاتها (2009 أو 2022) بأنها بلا قيادة مركزية وبلا سقف للتفاوض، حيث يندفع المتظاهرون بدافع الجوع المطلق. هذا اليأس الجماعي جعل من أدوات القمع التقليدية وسيلة ذات مفعول عكسي؛ إذ لم يعد لدى قطاعات واسعة من الشعب ما تخسره، مما يضع النظام أمام "كتلة بشرية انفجارية" لا تستجيب للوعود ولا ترهبها السجون.
لمواجهة هذا الانهيار المزدوج (الشرعي والاقتصادي)، ارتمى النظام بالكامل في أحضان نموذج "الدولة الحامية". في مارس 2026، تحولت المدن الإيرانية الكبرى إلى ثكنات عسكرية مفتوحة، حيث يسيطر الحرس الثوري على كافة مفاصل الحياة المدنية والقرار السياسي. يعتمد النظام استراتيجية "الإظلام الرقمي الكامل" عبر قطع الإنترنت لعزل الداخل عن الخارج ومنع تنسيق الاحتجاجات، تزامناً مع قمع وحشي يهدف لمنع أي انشقاق في صفوف القوات المسلحة النظامية. إن قدرة النظام على "السيطرة الفيزيائية" على الشارع لا تعكس استقراراً، بل تعكس حالة "طوارئ دائم"؛ حيث تُدار البلاد بعقلية أمنية محضة تضحي بالمستقبل من أجل تأمين البقاء في اللحظة الراهنة، وهو وضع يجعل الدولة بأكملها في حالة استنزاف عصبي ومادي مستمر.

سيناريو "الحكم العسكري المباشر" 
يتمثل التحول الجوهري في هذا السيناريو في تهميش المؤسسة الدينية التقليدية (الحوزة والمراجع) لصالح "مجلس عسكري مصغر" غير معلن، يقوده جنرالات الصف الأول في الحرس الثوري . في ظل الحرب المفتوحة وغياب الكاريزما الدينية للمرشد الجديد، انتقل مركز ثقل القرار من "مكاتب الفقهاء" إلى "غرف العمليات العسكرية"، حيث باتت القرارات السيادية والسياسات الخارجية تُصاغ بمنطق أمني بحت يتجاوز الاعتبارات الفقهية. هذا التحول نحو "المجلس العسكري المقنع" جعل من المؤسسات الدينية مجرد واجهة بروتوكولية تمنح الشرعية الصورية لقرارات العسكر، مما يعني عملياً نهاية حقبة "حكم رجال الدين" وبداية حقبة "حكم التكنوقراط العسكري"، الذي يرى في البقاء المادي للدولة أولوية قصوى تتقدم على الشعارات الأيديولوجية الكلاسيكية.
مع تراجع وهج "الأيديولوجيا الثورية" العابرة للحدود وفشل خطاب "المظلومية الطائفية" في حشد جيل الشباب الناقم، يتبنى النظام العسكري الجديد خطاباً قومياً فارسياً حاداً. يرتكز هذا الخطاب على استنهاض الروح الوطنية والدفاع عن "إيران الأرض والتاريخ" في مواجهة ما يوصف بـ "العدوان الوجودي" الأمريكي والإسرائيلي. هذا التكتيك يهدف إلى خلق "جبهة داخلية صلبة" عبر دمج المعارضين القوميين في صفوف المدافعين عن الوطن، وتصوير المعارضة كأداة للتقسيم والتفتيت. إن استبدال "الولي الفقيه" بـ "القائد الوطني" يمثل محاولة ذكية من العسكر لسد فجوة الولاء العقائدي، وتحويل الصراع من صراع على شرعية النظام إلى صراع على بقاء "الأمة الفارسية" ذاتها.
في ظل هذا السيناريو، يتم إخضاع ما تبقى من مفاصل الدولة والقطاع الخاص لاستراتيجية "المجهود الحربي الشامل". تُوجّه الموارد النفطية المحدودة والسيولة النقدية حصراً لتأمين ترسانة الصواريخ والمسيرات ورواتب الوحدات القتالية، مع فرض رقابة صارمة على توزيع السلع الأساسية عبر "البطاقات التموينية العسكرية". ورغم أن هذا الانضباط الحديدي قد يمنح النظام استقراراً أمنياً مؤقتاً وقدرة على الصمود تحت القصف، إلا أنه يؤسس لانفجار اجتماعي هيكلي بعيد المدى؛ فالدولة التي تعيش لخدمة "البندقية" فقط، تُهمل بالضرورة الرعاية الصحية والتعليم والبنية التحتية المتهالكة، مما يحول المجتمع الإيراني إلى "قدر ضاغط" ينتظر لحظة التوقف المفاجئ للمواجهة العسكرية لينفجر من الداخل ضد "النخبة العسكرية" التي استنزفت مقدراته.

زلزال الطاقة والأمن الإقليمي
مع تزايد الضغوط العسكرية الغربية، تتبنى القيادة العسكرية في طهران استراتيجية "هدم المعبد" كخيار دفاعي أخير. هذا التحول يعني الانتقال من التهديدات الكلامية إلى التنفيذ الفعلي لسيناريو "الأرض المحروقة" في ممرات الطاقة. إن منطق "الحكم العسكري اليائس" يرى أن بقاء النظام مرتبط بقدرته على إلحاق ألم اقتصادي لا يطاق بالغرب وحلفائه؛ لذا يتحول مضيق هرمز من ممر مائي إلى "رهينة جيوسياسية". أي تحرك لزرع الألغام البحرية الذكية أو استخدام المسيرات الانتحارية ضد ناقلات النفط سيعني قفزة فورية وجنونية في الأسعار تتجاوز حاجز 150 دولاراً للبرميل، وهو ما سيفجر موجة "ركود تضخمي" عالمية تضرب سلاسل الإمداد من بكين إلى نيويورك، ويحول الصراع الإقليمي إلى أزمة وجودية للاقتصاد العالمي بأسره.
يؤدي الضعف الهيكلي الذي أصاب "محور المقاومة" (حزب الله والميليشيات العراقية) تحت وطأة الضربات المكثفة إلى تغيير جذري في عقيدة الردع الإيرانية. بدلاً من الاعتماد على "حروب الوكالة" التي كانت توفر مساحة من الإنكار، تجد القيادة العسكرية في طهران نفسها مضطرة للمواجهة المباشرة لإثبات جدارتها بالبقاء. هذا يعني تحويل بوصلة الصواريخ الباليستية والفرط صوتية نحو القواعد الأمريكية الكبرى في الخليج ومنشآت تكرير النفط الحيوية في دول الجوار. هذا الانتقال من "الظل" إلى "الضوء" في المواجهة يجعل المنطقة بأسرها على حافة حرب إقليمية شاملة، حيث لم تعد طهران تخشى التبعات المباشرة بقدر ما تخشى الظهور بمظهر "الدولة العاجزة" أمام شعبها وقواتها المسلحة.
الهدف الاستراتيجي من هذه العسكرة اليائسة هو تدمير "علاوة الأمان" التي تمتعت بها دول الخليج والأسواق الآسيوية لعقود. من خلال استهداف البنية التحتية للطاقة، تسعى إيران العسكرية لرفع تكاليف التأمين والشحن إلى مستويات تجعل من استخراج النفط وتصديره من المنطقة عملية غير مجدية اقتصادياً. هذا النوع من "الإرهاب الطاقوي" يستهدف بشكل خاص كبار المستهلكين في آسيا (مثل الصين واليابان) للضغط عليهم دولياً من أجل كبح جماح واشنطن وإسرائيل. إنها عملية "ابتزاز استراتيجي" كبرى، حيث تراهن طهران على أن العالم سيفضل بقاء نظام عسكري إيراني "مشاكس" على مواجهة انهيار اقتصادي عالمي شامل ناتج عن توقف تدفقات الطاقة من الخليج.

المحور الشرقي.. بكين وموسكو كـ "صمام أمان" للنظام
لم يعد الدعم الروسي لطهران مجرد صفقات سلاح تقليدية، بل تحول في مارس 2026 إلى شراكة عملياتية استراتيجية تهدف لمنع سقوط الحليف الأخير لموسكو في المنطقة. تتجاوز هذه المظلة تزويد إيران بمنظومات دفاع جوي متطورة (خليفة الـ S-400) لصد الضربات الإسرائيلية والأمريكية، لتشمل دعماً سيبرانياً وتقنياً فائق الحساسية. يقوم الخبراء الروس بإدارة "غرف عمليات مشتركة" للتشويش الإلكتروني وحرب المسيرات، مما يحد من التفوق الجوي الغربي المطلق. بالنسبة لموسكو، فإن بقاء النظام الإيراني هو معركة دفاع عن "العمق الأوراسي"، حيث تعتبر أن سقوط طهران سيفتح الباب لتمدد النفوذ الأمريكي نحو حدودها الجنوبية في القوقاز وآسيا الوسطى.
على المسرح الدبلوماسي، تمارس روسيا دور "المدافع الشرس" عن سيادة النظام الإيراني، مستخدمة حق النقض (الفيتو) لإحباط أي محاولة دولية لشرعنة التدخل العسكري المباشر أو فرض عقوبات أممية شاملة تحت الفصل السابع. هذا الغطاء القانوني يمنح طهران "مساحة للمناورة" ويجهض محاولات عزلها دولياً، كما يعزز من رواية النظام الداخلية حول وجود "محور عالمي صامد" ضد الهيمنة الغربية. إن هذا التحالف السياسي يحول الصراع من "أزمة إيرانية معزولة" إلى صراع قوى دولي ممتد، مما يجعل أي محاولة لتغيير النظام من الخارج محفوفة بمخاطر التصادم المباشر مع المصالح الروسية الكبرى.
بينما تخنق العقوبات الغربية الريال الإيراني، تبرز الصين كـ "الرئة المالية" التي تمنح النظام القدرة على التنفس. من خلال آلية شراء النفط بـ "اليوان الرقمي" وعبر شبكات شحن سرية، تضمن بكين تدفق السيولة النقدية مباشرة إلى خزينة الحرس الثوري. هذه التدفقات المالية، رغم انخفاض قيمتها بسبب الخصومات الكبيرة، تعد كافية لتأمين رواتب القوات الأمنية ومنع حدوث انشقاقات داخلية كبرى ناتجة عن الفقر. بالنسبة للصين، فإن حماية النظام العسكري في طهران ليست مجرد مسألة سياسية، بل هي تأمين لمصادر الطاقة الرخيصة وحماية لاستثماراتها الضخمة ضمن مبادرة "الحزام والطريق" التي تعتبر إيران عقدة ربط جوهرية فيها.
بعيداً عن الضجيج العسكري، تمارس بكين دور "الوسيط التكتيكي الصامت" بين طهران وواشنطن؛ فهي قناة الاتصال الخلفية التي تمنع انزلاق المواجهة إلى حرب إقليمية شاملة قد تؤدي لإغلاق مضيق هرمز. تدرك الصين أن توقف إمدادات الطاقة من الخليج سيهدم معجزتها الاقتصادية، لذا فهي تضغط على القيادة العسكرية الإيرانية لضبط النفس في ردود الفعل، مقابل استمرار الدعم الاقتصادي والسياسي. هذا الدور "الموازن" يجعل من الصين اللاعب الأكثر قدرة على هندسة نهاية الحرب أو إبقاء النظام في حالة "شلل مستقر"، حيث تضمن ألا ينتصر الغرب انتصاراً ساحقاً وألا ينهار النظام انهياراً فوضوياً يبعثر أوراق الطاقة العالمية.
رغم هذا الدعم، يواجه المحور (روسيا-الصين) معضلة "الاستثمار في نظام متهالك":
موسكو منهكة بصراعاتها الخاصة وقد لا تستطيع تقديم دعم عسكري "حاسم" يغير موازين القوى البرية.
بكين لن تغامر بدخول حرب مباشرة من أجل طهران، بل ستكتفي بـ "إبقاء النظام على قيد الحياة" دون السماح له بالانتصار الكامل أو الانهيار الفوضوي.

الاستنتاج:
إيران اليوم هي ساحة صراع دولي كبرى؛ حيث يضغط الغرب لإحداث "تغيير أو شلل"، بينما تستميت القوى الشرقية لمنع "السقوط الحر". هذا التوازن الهش يجعل من إيران دولة مستنزفة تعيش على التنفس الاصطناعي الشرقي، بانتظار تسوية كبرى أو انفجار داخلي لا يمكن كبحه.

شارك