"كتيبة حبيب": شبكة "رفاق الجبهة" التي تدير عقل المرشد الإيراني مجتبى
الإثنين 16/مارس/2026 - 07:55 م
طباعة
علي رجب
في قلب السلطة الإيرانية اليوم، وبين دهاليز المؤسسات الأمنية والعسكرية، تتشكل دائرة ضيقة من الرجال الذين يصفهم مراقبون بأنهم "العقل الأمني" المحيط بالمرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي.
هذه الشبكة، التي تعود جذورها إلى سنوات الحرب الإيرانية العراقية، لم تتشكل بين ليلة وضحاها، بل هي نتاج ثلاثة عقود من العلاقات العسكرية والشخصية التي بدأت داخل وحدة قتالية صغيرة في الحرس الثوري عرفت باسم كتيبة حبيب.
واليوم، بعد أكثر من ثلاثة وثلاثين عاما على تلك البدايات، تحولت هذه الكتيبة التي قاتلت في صحاري جنوب العراق إلى واحدة من أكثر شبكات النفوذ تأثيرا داخل مؤسسات الأمن والاستخبارات في الجمهورية الإسلامية، وتشكل العمود الفقري للدائرة المحيطة بابن المرشد الأعلى السابق علي خامنئي.
من خنادق الحرب إلى دهاليز السلطة
قصة هذه الشبكة تبدأ في منتصف الثمانينيات خلال الحرب بين إيران والعراق، حين كانت وحدات الحرس الثوري تقاتل في جبهات شديدة القسوة مثل شلامجه والبصرة. في تلك الفترة، كانت الفرقة 27 محمد رسول الله التابعة لـ الحرس الثوري الإيراني من أشهر التشكيلات القتالية، وكان ضمنها لواء أو كتيبة حملت اسم “حبيب بن مظاهر”،بحسب "راديو فردا".
في عام 1986، انضم شاب يبلغ 17 عاما إلى هذه الكتيبة، لم يكن الشاب جنديا عاديا، بل كان ابن رئيس الجمهورية الإيرانية آنذاك: مجتبى خامنئي.
لم يكن وجوده في الجبهة أمرا بسيطا؛ فالعلاقة بين قادة الحرس الثوري ووالده لم تكن في أفضل حالاتها. ففي تلك السنوات كان خامنئي، الذي كان يحمل لقب “حجة الإسلام”، ينظر إليه داخل الحرس باعتباره شخصية سياسية محافظة تميل إلى اليمين الديني، بينما كان كثير من قادة الحرس ينتمون إلى تيار أكثر راديكالية في الاقتصاد والسياسة.
هذا التوتر انعكس على تعامل بعض المقاتلين مع مجتبى الشاب داخل الكتيبة، حيث كان ينظر إليه في البداية باعتباره “ابن الرئيس” أكثر من كونه مقاتلا عاديا.
سنوات التوتر داخل الجبهة
كانت تلك الفترة أيضا تشهد خلافات سياسية حادة داخل قيادة الجمهورية الإسلامية. فقد دعم قادة بارزون في الحرس، وعلى رأسهم القائد العام آنذاك محسن رضائي، استمرار رئيس الوزراء الإصلاحي مير حسين موسوي في منصبه، بينما كان الرئيس علي خامنئي يسعى إلى إبعاده.
وبحسب روايات مقاتلين سابقين في الفرقة 27، فإن هذه الخلافات انعكست على أجواء الجبهة، فقد تعرض مجتبى خامنئي أحيانا لانتقادات غير مباشرة بسبب مواقف والده السياسية.
وتشير بعض الشهادات إلى أن الضغط النفسي دفعه في مرحلة ما إلى التفكير في مغادرة الفرقة 27 والانتقال إلى وحدة أخرى. وبالفعل، في العام التالي انتقل إلى الفرقة العاشرة “سيد الشهداء” بقيادة القائد العسكري علي فضلي.
لكن تلك التجربة المبكرة في الجبهة خلقت علاقات شخصية عميقة بين مجتبى وعدد من المقاتلين الذين سيصبحون لاحقا شخصيات محورية في أجهزة الأمن والاستخبارات.
انقلاب موازين السلطة
لم يكن أحد يتوقع آنذاك أن يتغير ميزان السلطة بهذه السرعة. ففي عام 1989 حدثت تحولات مفصلية في النظام الإيراني. فقد أقيل نائب المرشد الأعلى حسين علي منتظري من منصبه بعد خلافات حادة مع القيادة، ثم توفي مؤسس الجمهورية الإسلامية روح الله الخميني بعد أشهر قليلة.
في ذلك الفراغ السياسي المفاجئ، انتخب علي خامنئي مرشدا أعلى للبلاد. هذا التحول المفاجئ رفع مكانة عائلة خامنئي بالكامل داخل النظام، وفتح الباب أمام شبكة العلاقات التي بناها مجتبى خلال الحرب لتتحول تدريجيا إلى دائرة نفوذ حقيقية داخل مؤسسات الدولة.
ومع مرور السنوات، بدأ العديد من رفاق الجبهة السابقين يقتربون من مكتب المرشد الجديد، مستفيدين من علاقتهم القديمة بابنه.
رجال الدين في قلب الشبكة
أحد أبرز هؤلاء كان رجل الدين علي رضا بناهيان، خلال الحرب كان شابا يعمل في مجال الدعاية القتالية داخل الفرقة 27. لم يكن اسمه معروفا كثيرا في تلك الفترة، لكنه بعد الحرب بدأ يقترب من مكتب المرشد الأعلى ويشارك في نشاطات المؤسسات الدينية التابعة له.
صعد نجم بناهيان بقوة بعد احتجاجات الانتخابات الرئاسية عام 2009، حين ألقى خطابات حادة ضد قادة المعارضة مثل مهدي كروبي ومير حسين موسوي.
في تلك الخطابات وصف المحتجين بأنهم “مفسدون في الأرض”، داعيا إلى تطبيق أقسى العقوبات بحقهم. هذه المواقف جعلته واحدا من أبرز الوجوه الدينية المقربة من المرشد ومجتبى خامنئي.
معسكر “عمار”.. الذراع الدعائية
في أعقاب احتجاجات 2009 تأسست مؤسسة سياسية وإعلامية عرفت باسم “مقر عمار”، بقيادة رجل الدين المتشدد مهدي طائب. كان طائب أيضا من قدامى مقاتلي الفرقة 27، وأصبح هذا المعسكر بمثابة منصة تجمع خطباء ومتحدثين وإعلاميين موالين للمرشد.
ومن بين أبرز الأسماء التي ارتبطت بهذا المعسكر شخصيات مثل سعيد قاسمي وحسين يكتا وحميد رسائي، الذين لعبوا دورا كبيرا في الدفاع الإعلامي والسياسي عن النظام خلال فترات الأزمات.
حسين طائب… رجل الاستخبارات الأقوى
أما الشخصية الأكثر نفوذا في هذه الشبكة فهي بلا شك رجل الاستخبارات حسين طائب، الذي تولى لسنوات رئاسة جهاز استخبارات الحرس الثوري.
بدأ طائب مسيرته في وزارة الاستخبارات، لكنه صعد بسرعة بعد تقاربه مع مجتبى خامنئي. ومع تراجع نفوذ الوزارة خلال فترة الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي، لعب طائب دورا في إنشاء شبكة استخباراتية موازية مرتبطة مباشرة بمكتب المرشد.
في انتخابات 2005، عندما قررت القيادة الإيرانية دعم المرشح المحافظ محمود أحمدي نجاد بشكل مفاجئ، كان طائب من الشخصيات التي شاركت في إدارة تلك العملية السياسية الحساسة.
لكن شهرته الأكبر جاءت بعد انتخابات 2009 حين تولى قيادة قوات الباسيج، التي كانت رأس الحربة في قمع الاحتجاجات في طهران ومدن أخرى.
شبكة الأمن الداخلي
خلال تلك الأحداث، عمل طائب مع مجموعة من القادة العسكريين الذين شاركوا أيضا في الحرب العراقية الإيرانية. ومن بينهم القائد العسكري حسين همداني الذي قال لاحقا إنه جند آلاف الأشخاص لمواجهة المتظاهرين في شوارع طهران.
بعد ذلك، تم رفع مستوى جهاز استخبارات الحرس الثوري إلى منظمة مستقلة، وتولى طائب قيادتها، ليصبح الرجل الأقوى في عالم الاستخبارات الإيرانية.
حسن محقق… القائد الصامت
إلى جانب طائب، برز اسم القائد العسكري حسن محقق، الذي كان قائدا لكتيبة حبيب خلال الحرب. بعد سنوات من العمل داخل الحرس الثوري، أصبح نائبا لرئيس جهاز الاستخبارات، ويعد أحد أكثر الشخصيات المقربة من مجتبى خامنئي.
وينظر إلى محقق باعتباره حلقة الوصل بين الجيل القديم من قادة الحرب والجيل الجديد داخل الأجهزة الأمنية.
مقر “سر الله”.. غرفة عمليات العاصمة
في طهران، يتولى القائد العسكري محمد كوثري قيادة مقر “سر الله”، وهو أهم مركز أمني مسؤول عن حماية العاصمة وإدارة الأزمات الداخلية.
كوثري، الذي كان قائدا في الفرقة 27 خلال الحرب، شارك في العديد من العمليات العسكرية ضد الجيش العراقي، قبل أن يتحول لاحقا إلى أحد أبرز القادة المكلفين بإدارة الأمن الداخلي.
علي فضلي… رجل الميدان
ومن بين أبرز القادة الذين ارتبطوا بهذه الشبكة أيضا القائد العسكري علي فضلي، الذي تولى قيادة العمليات الميدانية لقمع الاحتجاجات في طهران بعد انتخابات 2009.
فضلي كان أيضا من قادة الحرب، وقد قاد لاحقا قوات الباسيج لسنوات قبل أن يتولى إدارة جامعة الإمام الحسين العسكرية.
إبراهيم جباري… حارس المرشد
في الدائرة الأقرب إلى المرشد يقف القائد العسكري إبراهيم جباري، الذي يقود وحدة الحماية الخاصة بالمرشد الأعلى.
شارك جباري في الحرب العراقية الإيرانية، لكنه لم يصبح شخصية بارزة إلا بعد توليه قيادة الحرس الثوري في قم ثم انتقاله إلى قيادة فيلق حماية المرشد.
تضم هذه الوحدة آلاف العناصر المكلفة بحماية مقر المرشد ومؤسساته الحساسة.
حسين نجات… رجل الظل
ومن بين الشخصيات التي لعبت دورا مهما أيضا القائد الأمني حسين نجات، الذي شغل منصب نائب رئيس جهاز استخبارات الحرس الثوري بعد طائب.
نجات كان مسؤولا عن أمن قاعدة خاتم الأنبياء العسكرية خلال الحرب، قبل أن يتحول لاحقا إلى أحد كبار القادة الأمنيين في البلاد.
شبكة تتجاوز الكتيبة
اليوم، وبعد مرور أكثر من ثلاثة عقود على نهاية الحرب، تحولت شبكة “كتيبة حبيب” إلى منظومة نفوذ واسعة تمتد عبر مؤسسات الحرس الثوري والاستخبارات والأمن الداخلي.
هذه الشبكة تضم قادة عسكريين ورجال دين وخطباء وإعلاميين، وتشكل ما يشبه “الدائرة الصلبة” المحيطة بمجتبى خامنئي داخل النظام.
ويرى محللون أن هذه الدائرة لعبت دورا أساسيا في إدارة الأزمات الداخلية، خصوصا خلال احتجاجات 2009 وما بعدها.
مستقبل الدائرة
مع تولي مجتبى خامنئي منصب المرشد الأعلى، تكتسب الشبكة التي نشأت في خنادق الحرب قبل عقود أهمية متزايدة، فهؤلاء الرجال الذين قاتلوا معا في جبهات القتال، وواجهوا معا موجات الاحتجاجات في شوارع طهران، أصبحوا اليوم يشكلون النواة الصلبة لمعادلة القوة داخل الجمهورية الإسلامية.
وبينما يرى أنصار النظام في هذه الشبكة ضمانة للاستقرار وحماية الثورة، يعتبرها منتقدوها دليلا على تركز السلطة الأمنية في يد دائرة ضيقة من القادة العسكريين.
لكن المؤكد أن قصة “كتيبة حبيب” لم تعد مجرد فصل من تاريخ الحرب الإيرانية العراقية، بل تحولت إلى مفتاح لفهم كيفية إدارة السلطة في طهران في واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ الجمهورية الإسلامية.
