تفكيك "الضلال التاريخي": كيف يقرأ قنديل نهاية عصر الرهانات العربية؟
الثلاثاء 17/مارس/2026 - 09:00 ص
طباعة
حسام الحداد
تأتي حلقة "استوديو إكسترا" أمس الأول مع الكاتب الصحفي عبد الحليم قنديل لتضع المشاهد أمام تشريح دقيق وبنيوي لمنطقة الشرق الأوسط التي باتت تقف على شفا تحولات غير مسبوقة منذ عقود. لم يكن الحوار مجرد استعراض للأخبار اليومية أو قراءة لسطح الأحداث السياسية، بل كان محاولة جادة لفك شفرات الصراع الوجودي الذي يعيد صياغة المنطقة. ينطلق قنديل في رؤيته من الربط بين "الجغرافيا السياسية" المتغيرة وبين "الروايات الأيديولوجية" التي تحرك القوى الفاعلة، محذراً من أن ما نعيشه الآن ليس مجرد جولة تصعيد عابرة، وإنما هو "لحظة صدام تاريخية" تُستخدم فيها أحدث الترسانات التكنولوجية لتنفيذ مخططات ضاربة في القدم، تهدف في جوهرها إلى إعادة هندسة الخريطة الإقليمية بما يتوافق مع مصالح القوى المهيمنة.
وتكتسب هذه القراءة أهميتها من قدرة قنديل على الربط بين "تكتيكات الميدان" و"إستراتيجيات العواصم الكبرى"، حيث يغوص في تحليل الدوافع التي تقود التحالف الأمريكي الإسرائيلي من جهة، ومكامن القوة والصمود لدى المحور الإيراني من جهة أخرى، وصولاً إلى استشراف مآلات هذا الصراع على النظام العالمي ككل. يضعنا المقال التالي أمام رؤية نقدية لهذه الحلقة، متفحصاً فرضيات الحرب الشاملة التي طرحها الضيف، ومنقباً في دلالات "مكر التاريخ" الذي يبدو أنه يقود الخصوم إلى نتائج مغايرة تماماً لتوقعاتهم، مع تسليط الضوء على "المناطق العمياء" في الموقف العربي الرسمي الذي يواجه اليوم أصعب اختباراته التاريخية في ظل "عام النار" الذي يهدد بحرق الأخضر واليابس.
فرضية الحرب الشاملة وأهدافها البعيدة
يؤصل عبد الحليم قنديل لفرضية بنيوية ترى أن ما يشهده الإقليم ليس نوبات غضب عسكرية مؤقتة أو ردود فعل عابرة، بل هو انخراط فعلي في "سلسلة حروب متصلة" انطلقت شرارتها في 7 أكتوبر 2023 ولم تعد قابلة للارتداد. يذهب قنديل إلى أبعد من مجرد الصراع على الحدود، معتبراً أن التحالف الأمريكي الإسرائيلي انتقل من إستراتيجية "الردع والتحجيم" إلى مرحلة "الاقتلاع والإحلال"، حيث يتم استهداف النظام الإيراني كهدف نهائي لتفكيك حلف المقاومة بالكامل. هذا التصعيد -في نظر قنديل- ليس سياسياً فحسب، بل هو محاولة لفرض سيادة إسرائيلية مطلقة تستند إلى مبررات "ميتافيزيقية" وأيديولوجية، يطلق عليها "الحق التوراتي"، تهدف في جوهرها إلى جعل إسرائيل "سيدة المنطقة" الوحيدة، وتحويل القوى الإقليمية الأخرى إلى مجرد أطراف تابعة أو منزوعة التأثير في معادلة القوة الجديدة.
رغم القوة التحليلية التي يتمتع بها طرح قنديل في تسمية الأشياء بمسمياتها الصريحة وتحديد جبهات الصراع بدقة، إلا أن هذا الطرح يواجه تحدياً نقدياً في ميله نحو "التبسيط الأيديولوجي" أحياناً. فبينما يرى قنديل جبهة التحالف الأمريكي الإسرائيلي ككتلة صلبة تتحرك بوحي من الأساطير التوراتية والمصالح الإمبريالية، قد يغفل هذا التحليل "البراغماتية المفرطة" والارتباك الداخلي الذي يسيطر على صناعة القرار في واشنطن، خاصة في ظل تقلبات إدارة ترامب التي تتأرجح بين الرغبة في الانعزال الاقتصادي وبين التورط العسكري المباشر. إن الرهان على "إسقاط الأنظمة" في منطقة معقدة كإيران، كما يشير النقد، قد يصطدم بحسابات "التكلفة والعائد" التي تحكم المؤسسات الأمريكية العميقة (الدييب ستيت)، والتي قد لا تشارك نتنياهو طموحاته "الخلاصية" بذات الحماس، مما يجعل المشهد أكثر ضبابية مما توحي به الشعارات السياسية المعلنة.
أسطورة "التواطؤ الثلاثي" والحروب غير المتماثلة
يشن قنديل هجوماً تحليلياً حاداً على ما وصفه بـ "سذاجة" الطروحات التي تتبنى نظرية "التواطؤ الثلاثي" أو المسرحيات الهزلية بين واشنطن وتل أبيب وطهران. يرى قنديل أن هذه القراءات ليست سوى "ضلال سياسي" يُستخدم غالباً لتبرير التقاعس العربي، مؤكداً أن حجم الخسائر البشرية والاغتيالات التي طالت رأس الهرم القيادي في إيران (مثل المرشد علي خامنئي وقيادات عسكرية كبرى وفقاً للسياق الزمني للفيديو) ينفي جملة وتفصيلاً وجود أي تفاهمات تحت الطاولة. هذا الصدام -في نظره- تجاوز مرحلة "الرسائل المشفرة" إلى مرحلة "كسر العظم" المباشر، حيث تسعى إسرائيل مدعومة بـ "مطرقة منتصف الليل" الأمريكية إلى شطب القدرات النووية والصاروخية الإيرانية من الخارطة، مما يجعل الحديث عن "تمثيليات" نوعاً من الانفصال عن الواقعية السياسية التي تُكتب بالدم والنار.
في توصيفه لطبيعة المواجهة، يطرح قنديل مفهوم "الحرب غير المتماثلة" (Asymmetric Warfare) كإطار لفهم موازين القوى المختلة تقنياً، والمتوازنة إرادياً. فبينما يمتلك الخصم الأمريكي الإسرائيلي تفوقاً تكنولوجياً كاسحاً وقدرة تدميرية هائلة عبر القاذفات النووية (B-2)، تراهن إيران على مخزون لا ينضب مما سماه قنديل "الصبر الاستراتيجي" وقدرة التحمل الشعبية والعسكرية اللانهائية. هذا النوع من الحروب لا يُحسم بـ "الضربة القاضية" التقنية، بل بمقدرة الطرف "الأضعف تسليحاً" على امتصاص الضربات والاستمرار في استنزاف العدو. وبناءً على ذلك، يخلص قنديل إلى أن عدم قدرة التحالف على تحقيق أهدافه المعلنة حتى الآن، رغم كثافة النيران، يعود إلى أن "الأهداف العسكرية" تصطدم بصلابة "الإرادة السياسية"، مما يجعل النصر العسكري التقليدي في هذه الجولة أمراً مشكوكاً في تحققه.
نقد الموقف العربي: "البصيرة العمياء"
يصل قنديل في تحليله إلى ذروة الحدة عند تشريح الموقف العربي، واصفاً إياه بـ "الضلال التاريخي" الذي استمر لأكثر من نصف قرن. يتساءل بمرارة عن القيمة الحقيقية لـ 60 قاعدة عسكرية أمريكية تنتشر في المشرق والخليج العربي، إذا كانت هذه القواعد لم توفر حماية حقيقية ولم تمنع المنطقة من الانزلاق نحو "مفترق طرق وجودي". يضع قنديل مسارات السلام التاريخية، من "كامب ديفيد" وصولاً إلى "أوسلو" و"وادي عربة" والاتفاقات الإبراهيمية، في ميزان الاختبار، ليخلص إلى أنها لم تنتج سوى واقع تفككت فيه الإرادة العربية، حيث تم استبدال مفهوم "الأمن القومي العربي" بتبعية عسكرية واقتصادية كلفت تريليونات الدولارات دون أن تمنح العرب مقعداً على طاولة القرار في هذه الحرب المصيرية، بل تركتهم "في العراء" أمام طموحات إسرائيل التي لا تعترف إلا بلغة القوة.
يصيغ قنديل مصطلحاً بليغاً لوصف الحالة العربية الراهنة بـ "الانكماش تحت الجلد"، وهي حالة من التراجع الذاتي والغياب الفاعل عن الساحة الدولية والإقليمية. ويرى من منظور إستراتيجي أن الطبيعة لا تعرف الفراغ؛ فبمجرد تآكل المشروع القومي العربي الرافض للأحلاف والقواعد، تمددت المشاريع الإقليمية الجارة (الإيرانية والتركية) لملء هذا الفضاء الحيوي. هذا التمدد لم يكن -في نظره- قوةً ذاتية لتلك المشاريع فحسب، بل كان نتيجة مباشرة للفشل العربي في بناء "نظام إقليمي مستقل" أو تفعيل قوة عربية مشتركة تحمي المصالح دون وسيط أجنبي. ويحذر قنديل من أن الاستمرار في مراجعة "العدو والصديق" بناءً على الإملاءات الخارجية سيبقي المنطقة رهينة لصدامات الآخرين، ما لم يتم استعادة مشروع عربي يرفض التحول إلى "رماد في التاريخ".
القوى الدولية: روسيا والصين و"مكر التاريخ"
يُشرح قنديل الموقفين الروسي والصيني برؤية تخلو من العاطفة، مؤكداً أن هذه القوى العظمى لا تتحرك بدافع "التحالف العقائدي" مع طهران بقدر ما تتحرك ضمن إستراتيجية عالمية كبرى لإنهاء نظام القطب الواحد. يصف قنديل السياسة الصينية بذكاء عبر المثل الشهير "الجلوس على حافة النهر وانتظار جثث الأعداء"؛ فالصين تراقب بتمهل كيف يغرق "المتغطرس" الأمريكي في رمال الشرق الأوسط الملتهبة، مستنزفاً قدراته العسكرية والتكنولوجية، مما يعجل بصعود بكين إلى عرش العالم اقتصادياً دون الحاجة لإطلاق رصاصة واحدة. ورغم أن روسيا والصين تقدمان دعماً استخباراتياً ولوجستياً "تحت الطاولة" لإطالة أمد الصمود الإيراني، إلا أنهما -كما يوضح قنديل- لن تنخرطا في مواجهة عسكرية مباشرة نيابة عن أحد، بل تكتفيان بتوظيف "الوكيل الإيراني" لتعميق مأزق واشنطن التاريخي.
ينتقل التحليل إلى الجانب الاقتصادي ليرصد مفارقة يصفها قنديل بـ "مكر التاريخ"؛ حيث تحولت العقوبات الغربية ضد روسيا إلى سلاح ذو حدين. فالحرب التي يقودها ترامب ونتنياهو ضد إيران أدت إلى اشتعال أسعار النفط لتتجاوز حاجز الـ 100 دولار، مع توقعات بوصولها إلى 200 دولار، مما جعل روسيا "الرابح الأكبر" والمستفيد الأول من تعاظم مداخيل الطاقة. يرى قنديل أن العالم الذي قاطع الغاز والنفط الروسي بسبب حرب أوكرانيا، يجد نفسه الآن مضطراً للعودة إليه "صاغراً" لتعويض النقص الناتج عن توترات الخليج وهرمز. وهكذا، يخلص التحليل إلى أن التحالف الأمريكي الإسرائيلي، في محاولته بناء "قصر" الهيمنة المطلقة، لا يفعل في الحقيقة سوى حفر "قبر" المكانة الإمبراطورية الأمريكية، فاتحاً الأبواب على مصراعيها لروسيا والصين لإعادة تشكيل نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب.
ويختتم قنديل تحليله بوصف تشاؤمي لعام 2025 و2026 باعتبارهما "أعوام النار". ويستخدم تعبيراً بلاغياً قوياً بوصف ترامب بأنه "يعجل بتدمير مكانة أمريكا في العالم" من حيث أراد بناءها، وهو ما وصفه بـ "مكر التاريخ"؛ حيث يذهب القائد لبناء قصر فيكتشف أنه يحفر قبره .
خلاصة:
الحلقة تمثل وجبة دسمة من "الواقعية السياسية" الممزوجة بنبرة قومية حادة. عبد الحليم قنديل لا يقدم حلولاً دبلوماسية، بل يقدم تحذيراً استراتيجياً من أن فشل المشروع العربي في استعادة وجوده سيجعل دول المنطقة مجرد ساحات لتصادم المشاريع الكبرى.
