من ليبيا إلى إيران.. دروس حرب تكشف مأزق الاستراتيجية الأمريكية
الخميس 26/مارس/2026 - 04:45 م
طباعة
فاطمة عبدالغني
في لحظة تتصاعد فيها التوترات الإقليمية إلى مستويات غير مسبوقة، تعود إلى الواجهة أسئلة قديمة حول حدود القوة العسكرية وقدرتها على حسم الصراعات المعقدة، فبينما تكثف الولايات المتحدة ضرباتها ضد إيران، يبدو المشهد مألوفًا على نحو مقلق، وكأنه استنساخ لتجربة ليبيا عام 2011— حين حققت واشنطن تفوقًا جويًا ساحقًا، لكنها وجدت نفسها عالقة في حرب بلا نهاية واضحة.
في هذا السياق، تحذر مجلة فورن بوليسي الأمريكية، في تقرير تحليلي للباحث كريستوفر إس. تشيفيس، من أن الاعتماد على القوة الجوية وحدها قد يقود إلى نتائج عكسية، حيث لا يضمن إسقاط الأنظمة ولا يمنع الانزلاق إلى الفوضى، وبين دروس الماضي وتعقيدات الحاضر، يطرح التقرير سؤالًا جوهريًا: هل تعيد الولايات المتحدة اليوم تكرار أخطاء ليبيا… ولكن على نطاق أكثر خطورة في إيران؟
ويلفت التقرير إلى أن السياسة الأمريكية تجاه إيران خلال الأسابيع الأخيرة بدأت تسير في مسار يعيد إلى الأذهان تجربة ليبيا قبل نحو 15 عامًا، حينها، اعتمدت واشنطن بشكل أساسي على القوة الجوية لإسقاط نظام في دولة كبيرة، نفطية، وذات غالبية مسلمة—وهو النموذج ذاته الذي يبدو أنه يُعاد اختباره اليوم.
غير أن هذا التشابه لا يبعث على الطمأنينة، فلو استمرت إيران في السير على خطى ليبيا، فإن العالم قد يكون أمام مرحلة طويلة ومحفوفة بالمخاطر، فبعد الضربة الأولى التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل، لا تبدو الخيارات الأمريكية مبشره: استهداف البنية التحتية المدنية قد يقضي على أي تعاطف داخلي محتمل، والتدخل البري سيضاعف الكلفة، بينما يبقى التفاوض—رغم كونه الخيار الأقل سوءًا—دليلًا واضحًا على حدود القوة الأمريكية.
مأزق "التفوق بلا حسم": تجربة 2011
يستعيد التقرير مشهد عام 2011، حين هدد معمر القذافي بسحق الانتفاضة في بنغازي، ما دفع الولايات المتحدة—بدعم أوروبي—إلى التدخل عسكريًا، بدأت العملية بضربات مكثفة شلت الدفاعات الليبية خلال أيام، ووفرت حماية فورية للمدنيين.
لكن ما بدا انتصارًا سريعًا تحول إلى مأزق، فبينما أحكم حلف الناتو سيطرته على الأجواء، ظل عاجزًا عن حسم المعركة على الأرض، توقع كثير من المسؤولين انهيار النظام تحت الضغط، إلا أن الواقع كان مختلفًا: جمود طويل، وحرب أهلية لم تُحسم بالقصف وحده.
ومع مرور الوقت، توسعت العمليات الجوية، وزاد الدعم للمتمردين، لكن التأثير ظل محدودًا. فالقصف المكثف للبنية التحتية كان خيارًا متناقضًا مع هدف حماية المدنيين، كما أن القذافي لم يُبدِ أي استعداد للتفاوض.
تكرار المشهد في إيران… لكن بشروط أصعب
وفق التقرير، يتكرر النمط ذاته اليوم في إيران، ولكن على نطاق أوسع وأكثر تعقيدًا، فقد أظهرت واشنطن قدرة هائلة على استهداف البنية العسكرية الإيرانية، مع تنفيذ آلاف الضربات التي تفوق ما حدث في ليبيا.
ومع ذلك لم يتحقق الحسم، فالنظام في طهران رغم تعرضه لضغوط كبيرة لا يزال قائمًا، ومع تراجع عدد الأهداف العسكرية ذات القيمة، تقترب الولايات المتحدة من لحظة حرجة: إما توسيع نطاق الضربات لتشمل منشآت مدنية—وهو ما قد يأتي بنتائج عكسية—أو القبول بحدود القوة الجوية.
تشابه ظاهري… واختلاف جوهري
يرى التقرير أن أوجه الشبه بين ليبيا وإيران ليست قليلة: كلاهما دولة كبيرة، غنية بالنفط، ولديها علاقات متوترة مع محيطها الإقليمي، لكن الفارق الحاسم يكمن في الداخل.
في ليبيا، كانت هناك ثورة مسلحة قائمة بالفعل، وهو ما منح التدخل العسكري نقطة ارتكاز واضحة، أما في إيران فلا توجد حركة مشابهة يمكن البناء عليها، ولا مؤشرات قوية على قرب اندلاعها، بل إن التجربة الليبية نفسها قد تجعل الإيرانيين أكثر حذرًا من سيناريو الفوضى.
كما أن النظام الإيراني، المستند إلى شرعية دينية، قد يكون أكثر قدرة على الصمود مقارنة بنظام القذافي الفردي.
نهاية القذافي… وبداية الفوضى
لم تنتهِ الحرب في ليبيا إلا بعد سبعة أشهر، عندما تمكنت قوات المعارضة من الوصول إلى القذافي وقتله في سرت، بدا ذلك حينها انتصارًا واضحًا، سمح لواشنطن بإعلان نهاية العملية.
لكن ما تلا ذلك كان مختلفًا تمامًا، فغياب خطة لإدارة ما بعد سقوط النظام أدى إلى انهيار الدولة، وانتشار الميليشيات، ودخول البلاد في دوامة من الفوضى والعنف، امتدت آثارها إلى خارج حدودها، خصوصًا نحو أوروبا.
السيناريوهات المفتوحة في إيران
يرجّح التقرير أن المرحلة المقبلة قد تشهد أحد المسارات الآتية:
استمرار الضربات المتبادلة دون حسم واضح
تصعيد في مضيق هرمز عبر استهداف ناقلات النفط
تدخل عسكري محدود للسيطرة على مواقع استراتيجية
أو إعلان النصر والانسحاب
لكن أيًا من هذه الخيارات لا يضمن نهاية الحرب، فحتى السيطرة على أراضٍ إيرانية لن تنهي الصراع، بل قد تعيد إنتاج نموذج ليبيا: سيطرة جزئية دون استقرار حقيقي.
الخلاصة: حدود القوة… ومخاطر الفراغ
في ختام التقرير، تؤكد فورن بوليسي أن تجربة ليبيا تقدم درسًا بالغ الأهمية، يتمثل في أن القوة الجوية قادرة على إضعاف الأنظمة، لكنها نادرًا ما تكون كافية لإسقاطها أو لبناء بديل مستقر.
وفي الحالة الإيرانية، قد يكون الخطر الأكبر ليس في بقاء النظام، بل في انهياره دون وجود بديل واضح—وهو سيناريو قد يدفع البلاد إلى فوضى شبيهة بما حدث في ليبيا.
وهكذا، تجد الولايات المتحدة نفسها أمام معادلة معقدة: انتصار عسكري محتمل… دون ضمانات لسلام مستدام.
