الجماعات الإرهابية في باكستان.. لغم أمني يهدد استقرار الجوار

الإثنين 30/مارس/2026 - 09:42 ص
طباعة الجماعات الإرهابية فاطمة عبدالغني
 
أعاد تقرير حديث صادر عن "خدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي" (CRS) تسليط الضوء على معضلة أمنية مزمنة تواجه جنوب آسيا، مؤكداً أن باكستان لا تزال تشكل بيئة حاضنة لمنظمات تصنفها واشنطن "إرهابية". 
التقرير، الذي حمل عنوان "الجماعات الإرهابية وغيرها من الجماعات المسلحة في باكستان" ونشرته صحيفة "ذا نيو إنديان إكسبريس"، كشف عن مشهد معقد تتداخل فيه الأيديولوجيا المتطرفة بالأجندات السياسية الإقليمية.

تصنيف التهديدات: خارطة الولاءات والأهداف
وفقاً للبيانات المحدثة في 25 مارس، يرصد التقرير 15 جماعة مسلحة تنشط انطلاقاً من الأراضي الباكستانية، 12 منها مدرجة رسمياً على قوائم الإرهاب الأمريكية. وبتحليل بنيوي، صنف التقرير هذه القوى إلى خمسة مسارات حركية:
جماعات إقليمية: تستهدف الهند ومنطقة جامو وكشمير (مثل "لشكر طيبة" و"جيش محمد").
جماعات معولمة: تتبنى أجندات "الجهاد العالمي" كالقاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية (ولاية خراسان).
جماعات أفغانية: تركز ثقلها على الداخل الأفغاني (مثل طالبان وشبكة حقاني).
جماعات محلية وطائفية: تنشغل بالصراع الداخلي أو الاستهداف الطائفي الممنهج ضد الشيعة.

كشمير.. ساحة الاستنزاف الدائم
يبرز التقرير دور "حزب المجاهدين" كواحد من أعقد الفواعل في كشمير، فمنذ تأسيسه عام 1989 كجناح عسكري لأكبر الأحزاب الإسلامية في باكستان، استطاع الحزب بناء قاعدة تضم نحو 1500 عنصر. 
وبذات القدر من الخطورة، تبرز "حركة المجاهدين" التي، رغم ملاحقتها دولياً منذ التسعينيات، لا تزال تحتفظ بنفوذها في المدن الباكستانية وكشمير الخاضعة لسيطرتها، وهي الحركة التي ارتبط اسمها بعملية اختطاف الطائرة الهندية الشهيرة (IC 814) عام 1999.

إستراتيجية "تغيير العباءة": نموذج لشكر طيبة
يُسلط التقرير الضوء على قدرة هذه الجماعات على المناورة، حيث عمد تنظيم "لشكر طيبة"، بقيادة حافظ سعيد، إلى تغيير اسمه إلى "جماعة الدعوة" للالتفاف على العقوبات الدولية، هذا التنظيم الذي يتخذ من إقليم البنجاب مركزاً له، يمتلك آلاف المقاتلين، ويظل في الذاكرة الهندية والعالمية كالمسؤول الأول عن "هجمات مومباي" عام 2008، تلك العملية الدامية التي استمرت أياماً وأسفرت عن مقتل 166 شخصاً في مواقع حيوية وفنادق كبرى.

وفي سياق متصل، يبرز تنظيم "جيش محمد" (تأسس عام 2000) كشريك إستراتيجي لـ"لشكر طيبة" في تنفيذ عمليات نوعية، أبرزها الهجوم على البرلمان الهندي عام 2001. ويؤكد التقرير أن التنظيم لا يكتفي بالعداء الإقليمي، بل أعلن صراحة "الحرب على الولايات المتحدة"، مما يضعه في خانة التهديدات العابرة للقارات.

إحصائيات الصعود: إخفاق "خطة العمل الوطنية"
رغم إطلاق إسلام آباد لـ"خطة العمل الوطنية" عام 2014، يرى التقرير أن هذه الجهود لم تنجح في استئصال شأفة الميليشيات، وتشير الأرقام الصادمة إلى قفزة مرعبة في معدلات العنف، إذ ارتفع عدد القتلى جراء العمليات الإرهابية من 365 قتيلاً في 2019 إلى 4001 قتيل في عام 2025، وهو أعلى مستوى تسجله البلاد منذ 11 عاماً.

وتكشف الجغرافيا السياسية للوفيات أن إقليمي "خيبر بختونخوا" و"بلوشستان" المحاذيين للحدود الأفغانية يتحملان العبء الأكبر من هذا الانفلات الأمني بنسبة تجاوزت 96% من إجمالي الضحايا.
ويرى المراقبون أن هذا التقرير، رغم كونه لا يمثل الموقف الرسمي النهائي للكونغرس، فإنه يعكس "قلقاً مؤسسياً" عميقاً تجاه التذبذب في الموقف الباكستاني. 
ويشير المراقبون إلى أن إزالة باكستان من "القائمة الرمادية" لمجموعة العمل المالي (FATF)  في 2022 كانت خطوة تشجيعية، إلا أن عودة أرقام الضحايا للارتفاع في عام 2025 تشير إلى أن المعالجات كانت "أمنية تقنية" ولم تلمس جذور الأيديولوجيا المتطرفة التي لا تزال تُغذى في بعض المدارس الدينية.
 
الخلاصة هي أن باكستان تظل عالقة في "دائرة مفرغة"، حيث تتحول الجماعات التي كانت تُعتبر يوماً أوراقاً في السياسة الخارجية إلى مهددات وجودية للأمن الداخلي الباكستاني نفسه.

شارك