بين السماء والأرض… أكرم حبيب يناقش علاقة النبوءة بالحرب (1)
الإثنين 30/مارس/2026 - 10:34 ص
طباعة
روبير الفارس
الدكتور أكرم حبيب
هو مفسّر وباحث في الكتاب المقدس، يهتم بدراسة النصوص النبوية وفق منهج علمي ولاهوتي، ويركّز على فهم النص في سياقه بعيدًا عن التوظيف السياسي المباشر. وقد اجريناه معه حوارا مطولا حول مايثير حالا عن علاقة النبوات والحرب الدائرة بين اسرائيل وايران وسوف ننشره علي ثلاث حلقات .يتناول هذا الجزء العلاقة بين الأحداث العالمية الجارية والنبوات الكتابية، وحدود الربط بينهما من الناحية التفسيرية.
س: في ظل الحرب الدائرة بين إسرائيل وإيران، يتجه البعض للبحث في الكتاب المقدس عن تفسيرات نبوية للأحداث، فهل هذا التوجه صحيح من الناحية التفسيرية؟
ج: هذا سؤال صعب، ومكمن الصعوبة أنه لا يجب علينا الحسم المتسرع سواء بكلمة نعم أو لا. ولو تفضلت، أريد أن أوضح الصورة بشكل أكثر اتساعًا.
لدينا مجالان واضحان، ولكل منهما مساره الخاص، والمجالان هما: الكتاب المقدس، والأحداث العالمية من حولنا.
وبلا شك قد يوجد تقاطع بين المسارين، ونحن لا يمكن أن ننكر هذه الاحتمالية. أنا شخصيًا لا أنكر إمكانية هذا التقاطع، فدائمًا يوجد تقاطع بين المقدس والدنيوي، وبالأدق هنا يمكن أن يوجد تقاطع بين النبوة والحدث السياسي أو الحربي، ومن هنا تظهر الأزمة التي تتحدث عنها.
ما يحدث حاليًا، وتسبب في طرح هذا السؤال، هو أن هذه الحرب الدائرة اليوم قد سيطرت على اهتمام الغالبية من المواطنين المصريين والعرب، وهذا أمر طبيعي جدًا، ثم أثارت الحرب الكثير من مشاعر القلق بسبب تبعاتها الاقتصادية أو حتى مخاطرها العسكرية والأمنية، فنحن لسنا بعيدين تمامًا عن منطقة الحرب، ولدينا مئات الآلاف من أبنائنا وبناتنا يعملون ويعيشون في منطقة الحرب، وبالذات في دول الخليج، ومن هنا أسرع البعض إلى الكتاب المقدس ليستلهموا منه أي رسالة طمأنينة، والبعض الآخر ليثيروا المزيد من الخوف بالحديث عن خراب حتمي قادم.
أنا أفضل أن نعكس الموضوع، أي أن نقول إن نقطة الانطلاق لا يجب، ولم يكن يجب، أن تكون الأحداث التي تدور من حولنا، فهذا منهج مضلل، ولكن نقطة انطلاقنا يجب دائمًا أن تكون محتوى الكتاب المقدس بغض النظر عما يحدث من حولنا. فعندما نقرأ الكتاب أو ندرسه أو نفسره ونحن متحررون تمامًا من أي سيطرة للشأن السياسي أو حدث عسكري، نكون أكثر موضوعية في دراستنا.
لأنه لا يجب أن يُوظَّف الكتاب المقدس لخدمة مواقفنا تجاه أزمة سياسية أو عسكرية.
لقد قلت في البداية إنه قد يوجد تقاطع بين المسارين، وهذه هي النقطة الجوهرية الحساسة. البعض ينكرون هذا التقاطع كل الإنكار، وفي هذا إجحاف للحق الكتابي النبوي وإهانة للكتاب المقدس، والبعض الآخر يتعاملون مع الكتاب وكأنه قد كُتب خصيصًا لتفسير ما يحدث اليوم فقط، وهذا أيضًا تقليل من شأن الكتاب المقدس.
لنرتب أفكارنا بعض الشيء:
هل توجد من حولنا أزمات سياسية وكوارث عسكرية استثنائية؟ نعم، بكل تأكيد.
هل تحدث الكتاب المقدس، وبخاصة في أجزائه النبوية، عن مشاكل وأزمات سياسية عالمية وأمور عسكرية؟ نعم، بكل تأكيد.
هل ما نمر به اليوم من أزمة سياسية وكارثة عسكرية هو نفسه ما يتحدث عنه الكتاب المقدس في نبواته؟ لا نعلم بكل تأكيد.
وعندما أجيب على السؤال الثالث بوضوح وصراحة قائلًا: (لا نعلم بكل تأكيد)، فهذه هي الحقيقة المطلقة في هذا الشأن. أنا لا أنكر ولا أؤكد. تعالَ نطبق على أزمة الحرب القائمة حاليًا:
حاليًا تدور حرب وجودية خطيرة بين إسرائيل وأمريكا من جانب، ضد إيران من جانب آخر، مع أن اللاعبين الأساسيين هما إسرائيل وإيران. هذه حقيقة، وهذه الحرب في رأي البعض قد تؤدي إلى إما كسر حقيقي لإمبراطورية إيران، وفي رأي البعض الآخر قد تؤدي إلى زوال إسرائيل من الوجود.
ولكن، على سبيل منفصل تمامًا، لا نُخفي أن الكتاب المقدس تحدث كثيرًا عن إسرائيل، وعن مستقبلها، وبالتحديد مستقبل إسرائيل في نهاية الأيام، وقبيل المجيء الثاني للسيد المسيح. لدينا عشرات من هذه النبوات الواضحة، وهذه حقيقة.
كما أن الكتاب المقدس قد تحدث نبويًا عن إيران، وعن الأدوار التي ستقوم بها في نفس التوقيت، أي توقيت المجيء الثاني للسيد المسيح. لدينا في الكتاب المقدس خمس نبوات عن إيران خلال تلك الأيام الصعبة القادمة، وهذه حقيقة.
السؤال الثالث: هل حان اليوم زمن التقاطع بين المسارين؟ أي هل ما يحدث اليوم هو التتميم الدقيق للنبوات الكتابية؟ هنا لا يجب الحسم، بل أنا أقول لا أعلم. هناك تشابه بين ما يحدث وبين ما تتحدث عنه النبوة، ولكن ما يحدث اليوم قد لا يكون هو الحدث المنتظر، فقد ننتظر حدثًا آخر، وفي كل الأحوال نؤكد أن النبوات لا بد أن تتم، وأنها لا تفشل أبدًا.
س: ولكن هل هذا التوجه صحيح من الناحية التفسيرية؟
ج: أقول بكل صراحة: بغض النظر عما يحدث من حولنا، فالواجب على كل مسيحي أن يقرأ كتابه المقدس، وأن يفهمه جيدًا، وبالذات الأجزاء النبوية. علينا أن ندرسها وأن نفهمها بصراحة ووضوح وبدون أي تلاعب تفسيري، وبعدها – لا قبلها – يمكن أن نوجه أنظارنا إلى الأحداث، حتى متى تمت النبوة نكون مدركين لخطورة ما يحدث.
والأهم أن تتميم النبوة بالنسبة لنا علامة توقظنا في انتظارنا للمجيء الثاني للسيد المسيح، فهذا هو الهدف العظيم في حياتنا.س: هل مطلوب من المسيحي أن يقوم بهذا؟ أي هل يجب على المسيحي أن يربط بين الأحداث السياسية والحروب وبين النبوات؟
ج: هذا سؤال بالغ الأهمية، فالكتاب المقدس لا يقتصر على كشف النبوءات المستقبلية لمن يريد أن يعرف المستقبل، فهذا خطر وانحراف عن هدف الكتاب المقدس في حياتنا.
الكتاب المقدس موضوع من أجل أن يساعد كل إنسان على نوال الخلاص. وحتى عند الحديث عن النبوات الكتابية، فالهدف ليس مجرد أن نعرف النبوات، بل الكتاب يريد أن يرشدنا عن كيفية الاستجابة لأحداث النبوات متى تمت.
بوضوح تام، نعم نحن مدعوون إلى الانتباه إلى النبوات، والتمحيص والتدقيق فيها بدقة، والفهم الكامل بتواضع التلاميذ، وتقديرها وعدم احتقارها، ثم معرفة كيفية أن نعيش بإيمان في ظل أحداث النبوة.
أولًا: الانتباه إلى نبوات الكتاب المقدس هو أمر إلهي، مكتوب في رسالة بطرس الرسول الثانية، الإصحاح الأول: "عندنا الكلمة النبوية، وهي أثبت، التي تفعلون حسنًا إن انتبهتم إليها، كما إلى سراج منير في موضع مظلم، إلى أن ينفجر النهار ويطلع كوكب الصبح في قلوبكم". إذن لدينا نبوات، ومن المهم أن ننتبه إليها، فهي نور يقودنا في الظلام.
وثانيًا: من المهم أن نقرأ وأن نسمع وأن نحفظ ما هو مكتوب في النبوات، بحسب تعليم سفر الرؤيا: "طوبى للذي يقرأ وللذين يسمعون أقوال النبوة، ويحفظون ما هو مكتوب فيها، لأن الوقت قريب". وفي موضع آخر يقول السيد المسيح: "ها أنا آتي سريعًا. طوبى لمن يحفظ أقوال نبوة هذا الكتاب"، وكلمة (يحفظ) تعني الطاعة والعيش في ضوء حقائق وتعاليم النبوة.
ثالثًا: الكتاب المقدس يطلب منا ألا نحتقر النبوات، بل نمتحنها، أي ندقق فيها، جاء هذا في رسالة تسالونيكي الأولى: "لا تحتقروا النبوات، امتحنوا كل شيء، تمسكوا بالحسن".
رابعًا: والأهم أنه علينا أن نبقى متيقظين ومستعدين لمجيء الرب يسوع، أقصد المجيء الثاني، فهذا هو جوهر جميع النبوات. قال السيد المسيح: "اسهروا إذًا لأنكم لا تعلمون في أية ساعة يأتي ربكم... لذلك كونوا أنتم أيضًا مستعدين، لأنه في ساعة لا تظنون يأتي ابن الإنسان".
س: ولكن ما الداعي لهذا؟ وما الذي يدفعنا أن نبحث في الكتاب المقدس عن تفسيرات نبوية للأحداث؟
ج: يقولون إنه يجب الفصل بين المجالين، وأنه لا يجب تسييس الدين، فهل توافق على هذا؟
بالتأكيد الهدف ليس تسييس الدين، فنحن لا نعرف هذا المبدأ. ولكن مرة أخرى، موضع اهتمامنا الوحيد هو الكتاب المقدس، كل الكتاب، بما فيه من نبوات، وهي كثيرة.
فلننسَ السياسة قليلًا، ونركز في الكتاب المقدس الذي نؤمن به ونعتمد عليه في حياتنا.
لو اتفقنا أن في الكتاب المقدس نبوات، فهل المطلوب منا أن نتجاهلها؟ البعض يرسلون رسائل لي ويطالبونني صراحة بتجاهل هذا المكون والتركيز على باقي تعاليم الكتاب المقدس، وهذا أمر لا يرتضيه ضميري.
إذا كان في الكتاب المقدس نبوات، فعليَّ أن أهتم بها، وأعرفها وأدرسها وأتعلم منها. قد يراها البعض أنها تتماس مع السياسة، ولكن لا شأن لي بما يعتقدونه.
لا يجب أن نتجاهل النبوات الكتابية حتى لو اتُّهمنا بتسييس الدين، لأن تجاهلها أو الجهل بها خطية.
س: كيف نفرّق بين القراءة الروحية للنصوص المقدسة والقراءة السياسية؟
ج: كلمة "روحية" كلمة مطاطة، وللأسف تُستخدم أحيانًا في غير موضعها.
أما القول بوجود قراءة سياسية للكتاب المقدس، فهو أمر مهم يجب توضيحه، وإن كنت أعتقد أن هذا القول أحيانًا يكون من قبيل الحق الذي يُراد به الباطل.
نحن لا نفسر الكتاب المقدس بأهداف سياسية مسبقة، فهذا أمر مرفوض تمامًا، لأن هذا في حد ذاته إهانة للكتاب المقدس.
رسالتنا هي الكتاب المقدس، وليس الشأن السياسي. لا توجد لدينا أجندة سياسية، بل هدفنا الوحيد هو فهم كلمة الله.
