عمرو عبد الحافظ يحلل: كيف أربك تقارب القاهرة وأنقرة حسابات "حسم" في الخارج؟

الخميس 02/أبريل/2026 - 06:37 م
طباعة عمرو عبد الحافظ يحلل: حوار حسام الحداد
 
تفاعلاً مع التطورات الأخيرة في مشهد حركات الإسلام السياسي، وسعياً لتفكيك دلالات الضربة الأمنية النوعية التي وجهتها الأجهزة المصرية مؤخراً، نضع بين أيديكم هذا الحوار التحليلي المعمق. تأتي أهمية هذا اللقاء في توقيت كاشف، أعقب الإعلان الرسمي عن إلقاء القبض على القيادي بحركة «حسم» علي عبد الونيس وتسليمه من نيجيريا، وما تلا ذلك من حالة ارتباك وتناقض سيطرت على الخطاب الإخواني، الذي تراوح ما بين الإنكار العبثي والدفاع المستتر، في محاولة يائسة لترميم صورة التنظيم أمام قواعده المهتزة.
نتشرف باستضافة الأستاذ عمرو عبد الحافظ، الباحث والخبير المتخصص في شؤون الجماعات الإرهابية، لنستجلي معه أبعاد هذا المشهد المعقد، ونقف على طبيعة التحولات الجارية داخل بنية التنظيم الدولي. يستهدف الحوار الإجابة عن تساؤلات جوهرية تخص استراتيجية "العمل السري" في ظل المتغيرات الإقليمية الراهنة، ومدى قدرة "الدبلوماسية الأمنية" المصرية على تقويض أذرع الجماعة المسلحة في الخارج، وصولاً إلى قراءة مستقبلية لمدى جدوى مراهنة التنظيم على العنف كأداة للضغط السياسي بعد سقوط أسطورة التخفي وتوالي الضربات الاستخباراتية الموجعة.

لماذا يلجأ تنظيم الإخوان المسلمين دائماً إلى استراتيجية "الفصل التنظيمي" بين القيادة السياسية والأجنحة المسلحة (مثل حسم)، رغم وجود أدلة تربط الكوادر ببعضها؟
- هذه استراتيجية قديمة أسسها حسن البنا مع بداية تأسيسه النظام السري المسلح أو النظام الخاص، وتتلخص في ادعاء السلمية وإخفاء مسار العنف، ثم التنصل من أعماله إذا اكتشفت. حدث ذلك مع كل حوادث الاغتيالات التي ارتكبتها الجماعة في عهد البنا، مثل حادث اغتيال القاضي أحمد الخازندار، وحادث اغتيال رئيس الوزراء الأسبق محمود فهمي النقراشي. وهدف الإخوان من هذه المراوغة هو ألا يخسروا تعاطف الرأي العام، وأن يتجنبوا تصنيف جماعتهم كمنظمة إرهابية سواء في داخل البلاد أو على المستوى الدولي، لضمان حرية حركة قياداتها وأموالها.

هل يعتبر صمت التنظيم الرسمي عن إصدار بيان واضح حول القضية "اعترافاً ضمنياً" بالهزيمة الاستخباراتية أم محاولة لتقليل الخسائر السياسية؟
- الاعترافات التفصيلية التي أدلى بها علي عبد الونيس أحدثت ارتباكا شديدا في صفوف الجماعة، والصمت عن التعقيب حتى الآن يؤكد أن اعترافاته حقيقية وكاشفة عن تفاصيل جاهدت الجماعة لإخفائها لعدة سنوات، وأن هذه الضربة الاستخباراتية موجعة للتنظيم إلى حد بعيد جدا. 

اعتراف عبد الونيس بأن المحرك كان "الطموح للسلطة لا الدين"؛ هل يعكس هذا بداية انهيار السردية الأخلاقية التي يبني عليها التنظيم قواعده الشبابية؟
- الأيديولوجيا الإخوانية تخلط بين الدين والتنظيم، وترى أن تمكين الدين لا يكون إلا عبر تمكن التنظيم من مقاليد السلطة، كلام عبد الونيس ربما يفتح باب التفكير لدى بعض عناصر الجماعة حول مدى صحة هذا التصور، لذا حرصت دعاية الجماعة على ادعاء أن عبد الونيس لم يقل هذا الكلام عن قناعة وإنما أملي عليه، في محاولة لإيقاف تساؤلات البعض داخل الجماعة.

ما هو تأثير رسالة عبد الونيس لابنه بـ "عدم الانضمام للتنظيمات" على عملية التجنيد الجديدة التي يحاول التنظيم القيام بها في أوساط المهاجرين أو في الداخل؟
- رسالته تعني أنه لا فائدة من وجود مثل هذا النوع من التنظيمات، لأن النصر في النهاية من نصيب الدولة وليس التنظيم، وهو ما يفتح باب تساؤل كبير حول جدوى وجود هذا النوع من التنظيمات، خاصة أمام أجيال جديدة يريد التنظيم تجديد دمائه بها.

إلى أي مدى تساهم "الاعترافات المصورة" في خلق حالة من "الارتباك التنظيمي" بين القيادات في الخارج والقواعد في الداخل؟
- لاحظنا اختفاء عدد من قيادات الجماعة الذين وردت أسماؤهم في اعترافات عبد الونيس؛ اختفوا من مواقع التواصل الاجتماعي ولم يعقبوا على الحدث بكلمة واحدة، ما يعكس ارتباكا كبيرا في صفوفهم. قد يكون الاختفاء دائما أو مؤقتا لحين إعادة ترتيب الأوراق، لكنه يشكك في قدرة هذا التنظيم الذي لا يكف عن تبشير أفراده بقرب النصر والتمكين، ويمتد الشك إلى نفوس أفراد الجماعة في الداخل والخارج، مما يعمق من حالة الارتباك وعدم اليقين.

كيف أثرت التغيرات في المواقف الإقليمية (مثل التقارب المصري-التركي) على قدرة عناصر مثل عبد الونيس على التخفي أو التحرك بين الدول؟
- مع بداية التقارب المصري التركي ظن الإخوان أن الجماعة بإمكانها الإفادة من هذا التقارب، عبر توسيط تركيا لإعادة هندسة علاقة الجماعة بالدولة المصرية، لكن الأحداث أثبتت أن الدولة المصرية لا تقبل إلا بالقضاء على جماعة تمارس العنف والإرهاب وتهدد أمنها القومي، وأثبتت كذلك أن الدولة التركية تقدم مصلحتها على مصلحة تنظيم لم يعد مرحبا به كما كان في السابق.   

تسليم عبد الونيس من "نيجيريا" بعد مروره بتركيا؛ ما هي الرسالة التي يبعث بها هذا التعاون الأمني الدولي لمستقبل قيادات "حسم" الهاربة؟
- رسالة خوف وهلع، عمليات التسليم المستمرة من عدة دول تبعث برسالة تهديد واضحة ملخصها: لستم بعيدين عن أيدينا وإن طال الزمن.

هل فقدت منصات "الميديا البديلة" (مثل ميدان) التي كانت تدعم هذه الحركات فاعليتها أمام "الدبلوماسية الأمنية" المصرية؟
- المنصات الإخوانية تعاني ارتباكا في الخطاب منذ أذيعت الاعترافات المتلفزة، تكرر الكلام نفسه عن قرب النصر وحتميته، لكنه كلام بات يثير السخرية بسبب الضربات الأمنية المتلاحقة، وقدرة الأجهزة المصرية على مد يدها خارج حدودها الجغرافية والإمساك بمن يهدد الأمن المصري.

في ظل سقوط "الرؤوس الكبيرة" للجناح المسلح، هل تتوقع اتجاه الإخوان نحو "مراجعات فكرية" حقيقية أم مزيد من الانغلاق والسرية؟
- المراجعات الفكرية كلمة عميقة جدا، وثقة الإخوان المفرطة في صحة معتقداتهم تمنعهم دوما من مجرد التفكير في احتياجهم إليها. غاية الجماعة أن يدعو بعض أفرادها إلى تقييم سياسات وممارسات، وسيواجهون برفض من غالب قيادات الجماعة التي تخشى انكشاف أخطائها وضعفها. ستظل الجماعة دائرة في فلك ضيق، لا يخرج بها من أزمة إلا ليوقعها في أزمة أشد. ستصبح حجة الفريق الداعي إلى مزيد من الكمون والانغلاق أقوى، بعد سقوط جدوى خيار العنف.   

هل تنهي قضية عبد الونيس "أسطورة الذراع المسلح" التي راهن عليها التنظيم بعد عام 2013 كأداة للضغط السياسي؟
- لا تنتهي أسطورة الذراع المسلح إلا بسقوط بقية الرءوس. علي عبد الونيس حلقة في سلسلة ما تزال بقيتها حرة خارج مصر، حينما تسقط بقية الحلقات يمكننا الحديث عن تفكيك هذه المنظومة. 

شارك