مجزرة بافواكوا: حين تتحول غابات الكونغو إلى ولاية لـ "الاستنزاف" الداعشي
الأحد 05/أبريل/2026 - 10:32 ص
طباعة
حسام الحداد
تستمر مقاطعة إيتوري، الواقعة في أقصى شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، في كونها المسرح الأكثر دموية لصراعات تتداخل فيها الأطماع الاقتصادية بالأجندات الأيديولوجية العابرة للحدود. ويأتي الهجوم الأخير على قرية "بافواكوا" في مطلع أبريل 2026، ليعيد تسليط الضوء على وحشية "القوات الديمقراطية المتحالفة" (ADF)، التي نجحت في التحول من حركة تمرد محلي إلى "ولاية وسط أفريقيا" التابعة لتنظيم داعش. هذا الهجوم، الذي حصد أرواح العشرات وخلف وراءه رماداً ودموعاً، لا يمثل مجرد خرق أمني جديد، بل يعكس استراتيجية "الجهاد المتنقل" التي تتبناها الجماعة للالتفاف على العمليات العسكرية المشتركة، مستغلةً التضاريس الغابية الوعرة وهشاشة الحضور الحكومي لفرض واقع مرير من الترهيب الممنهج.
على الضفة الأخرى من المأساة، تبرز الماكينة الإعلامية لتنظيم "داعش" عبر وكالة "أعماق" لتحويل هذه المجازر الإنسانية إلى مادة دعائية تخدم سردية "الخلافة العالمية". فمن خلال إضفاء صبغة دينية على الهجمات وادعاء استهداف "الكفار" الرافضين للجزية أو الإسلام، يحاول التنظيم التغطية على دوافعه الحقيقية المتمثلة في السيطرة على طرق التجارة ومناجم الذهب والكولتان. إن الفجوة الشاسعة بين الأرقام الرسمية للضحايا وبين بيانات التنظيم، والتقارير التي تتحدث عن صمت المدافع الحكومية أثناء الهجوم، تضع المجتمع الدولي والمؤسسة العسكرية الكونغولية أمام تساؤلات حارقة حول جدوى الاستراتيجيات الأمنية المتبعة، في منطقة يبدو أن العنف فيها قد أصبح أداة الاستثمار الوحيدة المربحة للمتطرفين.
خلفية الصراع: ADF.. من المتمردين الأوغنديين إلى فرع داعش الأفريقي
لم تكن القوات الديمقراطية المتحالفة (ADF) وليدة الصدفة في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، بل هي نتاج تحول أيديولوجي عميق بدأ في تسعينيات القرن الماضي كحركة متمردة أوغندية تهدف للإطاحة بنظام يوويري موسيفيني. ومع لجوئها إلى الغابات الكثيفة في الكونغو، انصهرت الأجندات السياسية الضيقة في بوتقة التطرف الديني، وصولاً إلى المنعطف التاريخي عام 2019 حين أعلنت الجماعة مبايعتها لتنظيم "الدولة الإسلامية". هذا التحول منحها مسمى "ولاية وسط أفريقيا"، وحولها من جماعة محلية معزولة إلى ذراع إقليمي فتاك ضمن شبكة "داعش" العالمية. ولم يعد نشاطها مقتصرًا على البقاء، بل امتد لشن حملات إبادة وترهيب ممنهجة في مقاطعتي إيتوري وشمال كيفو، مستهدفةً المدنيين في القرى والكنائس، وشلّ الحركة في الشرايين الاقتصادية الحيوية مثل الطريق الوطني رقم 4 (RN4)، الذي يمثل شريان الحياة الرابط بين مامباسا وكيسانغاني.
تعتمد هجمات الجماعة، ومنها المجازر الأخيرة في مناطق مثل بافواكوا، على استراتيجية "الغارات الخاطفة" التي تستغل الفراغ الأمني في المناطق الغابية الوعرة لتنفيذ عمليات قتل ونهب مروعة قبل الانسحاب. هذه العمليات ليست عشوائية، بل تخدم أجندة مزدوجة: فهي ميدانياً تهدف لفرض سيطرة أمر واقع عبر إخضاع المزارعين والتجار لسطوتها ونهب الموارد الثمينة كالذهب والكولتان؛ وإعلامياً، يتم تسييس هذه الفظائع عبر وكالة "أعماق" لتسويقها كـ "فتوحات" ضد من تصفهم بـ "الكفار" أو "المرتدين". وفي حين تحاول الماكينة الدعائية للتنظيم تبرير المجازر بادعاءات واهية مثل "رفض العروض الإسلامية"، تظهر التقارير الميدانية أن الحقيقة تكمن في رغبة الجماعة في نشر الذعر والتهجير القسري، حيث يتم اجتياح القرى ليلاً وتصفية المدنيين في منازلهم دون سابق إنذار، مما يؤكد أن الخطاب الديني ما هو إلا غطاء لتبرير وحشية التوسع والسيطرة.
التأثيرات الإنسانية: كارثة مستمرة في منطقة منسية
لا تُختزل مقاطعة إيتوري في كونهـا مجرد "ميدان للقتال"، بل هي مأساة إنسانية تقع فوق أرضٍ تُعد من الأغنى عالمياً بالذهب والأخشاب الثمينة والأراضي الزراعية الخصبة. هذا الثراء تحديداً هو ما جعلها مطمعاً لأكثر من 120 جماعة مسلحة، تحولت معها المنطقة إلى بؤرة صراع لا ينتهي. ومنذ عام 2021، تسببت عمليات "القوات الديمقراطية المتحالفة" (ADF) في كارثة ديموغرافية، حيث حصدت أرواح الآلاف وشرّدت عشرات الآلاف في رحلات نزوح قسري مريرة. وما يثير القلق هو أن موجة التصعيد الأخيرة في منطقة "مامباسا" تأتي في ظل وجود عمليات عسكرية كبرى، مثل عملية "شجاع" (Operation Shujaa) المشتركة بين الجيشين الكونغولي والأوغندي، مما يكشف عن استعصاء أمني يتجاوز مجرد الحشود العسكرية إلى تعقيدات الجغرافيا والولاءات المتغيرة.
تتجاوز نتائج هذه الهجمات الخسائر البشرية المباشرة لتضرب بنية المجتمع في مقتل؛ فالضحايا ليسوا مقاتلين، بل هم العمود الفقري للاقتصاد المحلي من مزارعين وعمال مناجم وسائقي دراجات نارية يبحثون عن قوت يومهم. وقد أدت المجازر الأخيرة إلى حالة من الذعر الجماعي، دفعت بالسكان إلى الفرار نحو مدن كبرى مثل كيسانغاني، تاركين وراءهم أراضيهم وممتلكاتهم للنهب. ومن الناحية الاستراتيجية، تسببت هذه الهجمات في شلل شبه تام لـ الطريق الوطني رقم 4 (RN4)، وهو الشريان التجاري الوحيد الذي يربط المنطقة بالعالم الخارجي. هذا الانهيار يضع المؤسسة العسكرية أمام تساؤلات حادة حول جدوى انتشارها النظري؛ فالاعتراف بعدم التدخل الفوري رغم الوجود العسكري يشي بوجود أزمات داخلية أعمق تتعلق بالفساد، ونقص التجهيزات اللوجستية، وعجز القوات النظامية عن التكيف مع حرب العصابات في الغابات المطيرة الكثيفة.
الدلالات الاستراتيجية: هل ينجح داعش في "تصدير" الجهاد الأفريقي؟
يكشف هجوم "بافواكوا" عن قدرة فائقة لتنظيم (ADF/ISCAP) على التكيف الاستراتيجي وإعادة التموضع رغم الضغوط العسكرية الخانقة التي تمارسها القوات المشتركة؛ فبعد فقدان الجماعة لمعاقلها الحصينة ومراكز ثقلها التقليدية، مثل قاعدة "مدينة" الشهيرة في غابات لولوا، لم تندثر الجماعة بل انتقلت إلى نمط "الجهاد المتنقل". هذا التكتيك يعتمد على استهداف القرى النائية ومحاور الطرق الاستراتيجية عبر مفارز صغيرة وسريعة الحركة، مما يجعل من الصعب على الجيوش النظامية التنبؤ بضرباتها. إن هذا التحول من "الدفاع عن الأرض" إلى "غارات الإنهاك" يهدف بالأساس إلى إثبات الحضور الميداني المستمر، وتوجيه رسالة مفادها أن خسارة القواعد الجغرافية لا تعني بالضرورة تقويض القدرة على إحداث الفوضى وضرب الاستقرار في العمق الكونغولي.
تستغل الماكينة الإعلامية لتنظيم "داعش" عبر وكالة "أعماق" هذه الهجمات لصياغة رواية دينية متطرفة تهدف إلى "عولمة" الصراع المحلي، حيث يتم تصوير المجازر كجزء من ملحمة "الخلافة" لجذب المجندين من المسلمين المحليين أو المقاتلين الأجانب العابرين للحدود. ومع ذلك، فإن هذا الخطاب العقدي المتشدد ليس سوى واجهة براغماتية لإخفاء الدوافع الحقيقية المتمثلة في السيطرة على مناجم الموارد والانتقام من العمليات العسكرية الحكومية. وفي المحصلة، فإن هذه الاستراتيجية لا تساهم في بناء "دولة" أو نموذج حكم مستدام، بل تؤدي إلى تعميق الكراهية المجتمعية وعزل الجماعة شعبياً؛ وهو ما تؤكده التقارير الحقوقية والأممية التي تصنف ADF كإحدى أكثر الجماعات دموية، محملةً إياها المسؤولية عن إزهاق أرواح الآلاف منذ عام 2014، وتحويل شرق الكونغو إلى ساحة مفتوحة لكارثة إنسانية لا تلوح لها نهاية في الأفق.
خاتمة: العنف لا ينتهي بالدعاية
هجوم بافواكوا ليس مجرد "خبر" آخر في شرق الكونغو؛ إنه تذكير بأن الصراعات المسلحة في المنطقة تتجاوز الدين إلى جذور أعمق: ضعف الدولة، التنافس على الموارد، والتدخلات الإقليمية. الدعاية الجهادية لداعش تحول القتل إلى "انتصار"، لكنها لا تخفي الحقيقة: العشرات من المدنيين – مسيحيين ومسلمين وغيرهم – دفعوا ثمناً باهظاً لحرب لا ناقة لهم فيها.
الرد الفعال يتطلب أكثر من بيانات عسكرية؛ يحتاج إلى استراتيجية شاملة تشمل حماية المدنيين، مكافحة الفساد، وتنمية اقتصادية حقيقية. حتى ذلك الحين، ستظل إيتوري – ومامباسا خاصة – رهينة دورة عنف لا تنتهي، يستغلها المتطرفون ليبنوا أسطورتهم على جثث الأبرياء.
