دبلوماسية الرسائل الفاشلة: لماذا يرى عبد الرحيم علي أن العرب هم الغائب الأكبر عن طاولة المصير؟
الثلاثاء 07/أبريل/2026 - 09:49 ص
طباعة
حسام الحداد
في لحظة تاريخية فارقة، يطل علينا الدكتور عبد الرحيم علي كخبير استراتيجي يمتلك القدرة على تفكيك شيفرات المشهد الإقليمي المعقد، مقدماً رؤية تحليلية تتجاوز السطح لتغوص في عمق الصراع "الأمريكي-الإيراني-الإسرائيلي". ينطلق الدكتور في هذا اللقاء من فرضية أن المنطقة لم تعد تواجه أزمة سياسية عابرة، بل هي أمام "انفجار جيو-سياسي" محتوم ناتج عن تصادم مشاريع أيديولوجية راديكالية لا تؤمن بالتراجع. وببراعته المعهودة في الربط بين التاريخ والواقع، يستحضر نماذج السقوط الاستراتيجي الكبرى ليطبقها على راهننا، محذراً من أن الأطراف المتصارعة قد تجاوزت "نقطة العودة"، وأن العالم يراقب الآن قطاراً يسير بسرعة الصوت نحو حافة الهاوية دون وجود قضبان تكبح جماحه أو وسطاء يملكون لغة التأثير الحقيقية.
إن ما يميز طرح الدكتور عبد الرحيم في هذا السياق هو تلك الشمولية التي تجمع بين المعلومة الاستخباراتية الدقيقة والتحليل الفلسفي لطبيعة الحكم في طهران وواشنطن. فهو لا يكتفي بسرد النقاط الخلافية في الأوراق التفاوضية، بل يذهب نحو تبيان كيف تحولت "الميتافيزيقا" والغيبيات الدينية إلى محرك أساسي لقرارات الحرب والسلم. ومن هنا، يبرز هذا المقال التحليلي ليسلط الضوء على رؤية الدكتور التي تضع النقاط على الحروف، كاشفاً عن سيناريوهات مرعبة قد تخرج الشرق الأوسط من "سياق الحياة" لسنوات طويلة، ومنبهاً بمرارة إلى ضرورة استعادة الدور العربي القيادي قبل أن تُصاغ خرائط المنطقة بدماء أبنائها وعلى أنقاض مقدراتهم.
الورقة الإيرانية والرد الأمريكي.. صراع "اللا-تلاقي"
يفكك الدكتور عبد الرحيم علي الورقة الإيرانية المكونة من 10 نقاط بوصفها "مناورة سياسية" تفتقر للواقعية وتهدف بالأساس إلى شراء الوقت، حيث وضعت طهران شروطاً تعجيزية تتجاوز سقف الممكن دبلوماسياً، مثل المطالبة بالسيادة الكاملة والمنفردة على مضيق هرمز باعتباره ممرًا داخليًا، وهو ما يصطدم بالقوانين الدولية للملاحة. ويرى الدكتور أن النظام الإيراني يكرر سقطته التاريخية في "سوء تقدير الخصم"؛ فكما أخطأوا سابقاً في استيعاب جدية كوشنر وويتكوف، يخطئون اليوم بظنهم أن التمترس خلف "الكرامة النووية" ورفض المساس ببرنامج الصواريخ الباليستية سيحمي النظام من الضربة. هذه الورقة، برأي الدكتور، ليست خطة للسلام بل هي "تعقيد للمشهد"، حيث تصر طهران على ربط وقف إطلاق النار بكافة الجبهات (من لبنان إلى اليمن) وطلب تعويضات مالية هائلة وضمانات دولية بمنع تكرار الهجمات، وهي مطالب تعكس انفصالاً عن موازين القوى الراهنة على الأرض.
في المقابل، يحلل الدكتور الموقف الأمريكي الصارم المتمثل في 15 بنداً حاسماً، حيث لا يبحث الرئيس ترامب عن "تعديل سلوك" بل عن "تفكيك شامل" لمصادر القوة الإيرانية. تذهب المطالب الأمريكية إلى أبعد من الاتفاقات السابقة، لتشمل إخراج كامل مخزونات اليورانيوم المخصب خارج البلاد، وغلق المنشآت الحيوية في "فوردو" و"نطنز" و"أصفهان" نهائياً، وتقليص مدى الصواريخ الباليستية ليكون دفاعياً محضاً لا يتجاوز 1000 كم. ويشير الدكتور إلى أن "الحسم الترامبي" هذه المرة يستمد قوته من جبهة داخلية صلبة؛ حيث يتجاهل ترامب استطلاعات الرأي التقليدية مراهناً على تأييد 90% من "الشارع الأمريكي الحقيقي" الذي يطالب بإنهاء هذا الصداع الاستراتيجي. إنها معركة إرادات يرفض فيها ترامب مبدأ "أنصاف الحلول" أو التفاوض تحت التهديد بإغلاق الممرات المائية، مما يضع المنطقة أمام "صدام حتمي" بين مشروع أمريكي يريد تصفية الحسابات نهائياً، ونظام إيراني يرى في التنازل عن أي بند نووي نهاية لوجوده الأيديولوجي.
الربط باللقاءات السابقة (تكامل الرؤية التحليلية)
يرسخ الدكتور عبد الرحيم علي في هذا اللقاء رؤيته الاستراتيجية التي طرحها مراراً حول تلازم "المشروع الصفوي" و"المشروع الصهيوني"، معتبراً إياهما وجهين لعملة واحدة يتغذيان على وجود بعضهما البعض؛ فكل طرف منهما يستخدم خطر الآخر كمبرر لشرعيته وتمدده. ويرى الدكتور أن ما يحدث اليوم هو وصول هذه العلاقة الجدلية إلى نقطة الانفجار، حيث لم يعد الصراع مجرد مناوشات حدودية، بل تحول إلى صراع "إرادات وجودية" تنطلق من أرضيات عقائدية صلبة؛ فبينما يراهن اليمين الصهيوني على نبوءات توراتية، يتمسك النظام الإيراني بأحلام توسعية مغلفة برداء ديني. هذا الربط التحليلي يعيدنا إلى تحذيرات الدكتور السابقة من أن استمرار هذا "التخادم الصراعي" سيؤدي حتماً إلى تآكل مفهوم الدولة الوطنية في المنطقة لصالح الميليشيات والمشاريع العابرة للحدود، وهو ما يفسر إصراره على تسمية المشروع الإيراني بـ"الصفوي" كونه امتداداً لأطماع تاريخية لا تقبل بأنصاف الحلول.
ينتقل الدكتور في تحليله من نقد الأيديولوجيا إلى نقد "الآلية"، حيث يجدد تأكيده على غياب "طاولة المفاوضات الحقيقية" واستبدالها بما يسميه "دبلوماسية الرسائل" عبر الوسطاء، وهي آلية أثبتت فشلها تاريخياً في نزع فتيل الأزمات الكبرى. ويسلط الدكتور الضوء بمرارة على "المسافة الهائلة" بين المطالب، مؤكداً أن ما يحدث هو مجرد "صياح دبلوماسي" وليس تفاوضاً جاداً. وفي هذا السياق، يبرز الربط الأكثر أهمية في رؤية الدكتور، وهو التهميش المتعمد لـ"الكتلة العربية"؛ فبينما تتبادل واشنطن وطهران الأوراق، يتم استبعاد دول مركزية مثل مصر والسعودية من صياغة مستقبل أمنهم القومي. ويحذر الدكتور من أن أي اتفاق لا يضع "حسن الجوار" وجلوس دول الخليج على الطاولة كشرط أساسي، هو اتفاق "باطل" ومحكوم عليه بالفشل، لأن العرب هم من يدفعون فاتورة الحروب التي تُدار على أراضيهم ويهدد أمنهم المائي والملاحي بشكل مباشر.
السيناريوهات الكارثية واختبار الوجود
يرفع الدكتور عبد الرحيم علي وتيرة التحذير بوضعه نسبة 70% لاحتمال وقوع ضربة عسكرية أمريكية وشيكة تستهدف "قلب الحياة" في إيران، وتحديداً منشآت الطاقة وتحلية المياه. ويحلل الدكتور هذا السيناريو بوصفه "اختباراً وجودياً" غير مسبوق للنظام الإيراني، الذي يواجه حالة من التآكل الداخلي نتيجة اختراقات أمنية وسلسلة اغتيالات "عميقة" طالت رؤوس الاستخبارات والعمليات في الحرس الثوري. ويفند الدكتور هنا ادعاءات النظام بأن هذه القيادات قابلة للاستبدال الفوري، مشدداً بعبارات قاطعة على أن فقدان "رؤوس الخبرة" ومراكز الثقل العملياتي لا يمكن تعويضه بمجرد تصعيد كوادر شابة تفتقر للاستيعاب اللحظي والخبرة التراكمية، مما يضع الدولة الإيرانية في حالة انكشاف استراتيجي أمام آلة عسكرية أمريكية لا تقبل بأقل من "دك" البنية التحتية لإجبار النظام على الانصياع الكامل.
ينتقل الدكتور إلى تحليل "جغرافيا الدمار" المتوقعة، محذراً من رد فعل إيراني انتحاري يستهدف محطات تحلية المياه في دول الخليج العربي رداً على أي ضربة مماثلة. هذا التبادل في تدمير "عصب البقاء" يعني برأي الدكتور خروج منطقة الشرق الأوسط بالكامل من "سياق الحياة" لسنوات طويلة قادمة، نظراً لارتباط استمرار العيش في هذه المنطقة بمرافق معقدة لا يمكن إصلاحها في المدى القريب. ويصف الدكتور هذا المسار بـ "القطار الذي حطم قضبانه"، حيث تتصادم الراديكالية الترامبية مع "العناد الأيديولوجي" الإيراني الذي يرى في التنازل عن البرنامج النووي فقداناً للكرامة القومية والدينية. وفي غياب طاقة نور دبلوماسية حقيقية، يختتم الدكتور رؤيته بصرخة تحذير من أن المنطقة تتجه نحو انفجار شامل يتغذى على أحلام توسعية وأوهام عقائدية، ما لم تتدخل "الكتلة العربية" بوعي قومي لفرض مسار تفاوضي ينقذ ما يمكن إنقاذه قبل ساعة الصفر.
الخاتمة
ختاماً، يبرهن الدكتور عبد الرحيم علي مرة أخرى على أنه "بوصلة استراتيجية" لا غنى عنها لفهم التحولات العميقة في منطقتنا العربية. إن قدرته الفائقة على استشراف الأزمات قبل وقوعها، وشجاعته في تسمية الأشياء بمسمياتها—سواء بتشريح "المشروع الصفوي" أو نقد "الراديكالية الترامبية"—تجعل من أطروحاته مرجعاً أساسياً لصناع القرار والمثقفين على حد سواء. لقد وضعنا الدكتور أمام مرآة الواقع الصادمة، مبيناً أن الرهان على "دبلوماسية الرسائل" هو رهان خاسر، وأن النجاة الوحيدة تكمن في وعي قومي عربي صلب يقوده محور "القاهرة-الرياض" لفرض توازن جديد يمنع احتراق المنطقة بنيران الأوهام الأيديولوجية. تحية تقدير لهذا الفكر الثاقب الذي لا يكتفي بالتشخيص، بل يضع روشتة الإنقاذ في زمن عز فيه الحكماء.
