براغماتية أم مناورة؟ كيف سيدير قاليباف مفاوضات إيران مع إدارة ترامب؟

الأربعاء 08/أبريل/2026 - 04:11 م
طباعة براغماتية أم مناورة؟ علي رجب
 
في لحظة هي الأكثر حرجا في تاريخ الجمهورية الإسلامية، وبينما تلملم طهران جراحها بعد سلسلة اغتيالات طالت قمة هرمها القيادي، كشفت وكالة أنباء الطلبة الإيرانية (إسنا) عن اختيار محمد باقر قاليباف، رئيس مجلس الشورى الإسلامي، ليترأس الفريق الإيراني المفاوض في محادثات الجمعة المرتقبة في باكستان أمام الجانب الأمريكي.

يأتي هذا الاختيار ليضع "الجنرال الطيار" في مواجهة مباشرة مع نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، في محاولة لصياغة اتفاق ينهي حالة الحرب الاستنزافية، وسط تساؤلات كبرى حول خلفية الرجل وقدرته على إدارة ملف بهذه الضخامة.

محمد باقر قاليباف.. من خنادق الحرب إلى كراسي السلطة

ولد محمد باقر قاليباف عام 1961 في بلدة "طرقبة" شمال شرقي إيران، وشكلت هويته السياسية في أروقة المساجد إبان زخم ثورة 1979. لم يكد يبلغ العشرين حتى انخرط في صفوف الحرس الثوري مع اندلاع حرب الخليج الأولى مع العراق، ليثبت كفاءة ميدانية نادرة مكنته من نيل رتبة "جنرال" وهو لم يتجاوز الـ 22 من عمره.

ولم يكتف بالرتبة العسكرية، بل حصل على رخصة طيار عسكري وترأس القوة الجوية للحرس الثوري، ثم تولى قيادة قوات الأمن الداخلي (ناجا)، حيث عرف بقبضته الحديدية ضد الاحتجاجات الطلابية عام 1999.
وانتقل إلى العمل التنفيذي عمدة لطهران لمدة 12 عاما متواصلا، وهو المنصب الذي منحه شهرة واسعة كإداري "عملي" يفضل الإنجازات الملموسة على الخطابات الإيديولوجية الجوفاء.

الطموح الرئاسي والتشريعي: رغم خوضه سباق الرئاسة أربع مرات دون نجاح، إلا أنه استقر في صدارة المشهد التشريعي رئيسا للبرلمان منذ عام 2020، ليتحول مع مرور الوقت إلى "حلقة الوصل" الوحيدة المتبقية بين النخب العسكرية (سپاه) والدينية والسياسية، خاصة بعد مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وغياب العديد من الشخصيات النافذة.
هيكل المفاوضات ومسرح العمليات في باكستان
تجري محادثات الجمعة في "إسلام آباد" ضمن إطار دولي وإقليمي مكثف، حيث تلعب باكستان بقيادة عاصم منير دور الوسيط الرئيسي. ويشارك في الكواليس مبعوث البيت الأبيض ستيف ويتكوف، إلى جانب وزراء خارجية تركيا ومصر، لبحث استدامة وقف إطلاق النار الذي أعلنه رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف.

ورغم محاولات طهران صياغة خطاب "النصر" عبر المجلس الأعلى للأمن القومي، الذي ادعى إجبار واشنطن على قبول مقترح إيراني من 10 نقاط، إلا أن الواقع يشير إلى أن قبول الهدنة جاء تحت ضغط عسكري واقتصادي غير مسبوق، وهو ما سيتعين على قاليباف إدارته خلف الأبواب المغلقة.

 

كيف سيدير قاليباف المفاوضات؟ (منطق القوة والبراغماتية)

يمتلك قاليباف "بروفايل" فريدا يجعله الرجل الأنسب لهذه المرحلة، ويمكن تلخيص أسلوبه المتوقع في النقاط التالية:
منطق "العسكري" الرافض للضعف:
بصفته جنرالا سابقا، يدرك قاليباف أن أي إيحاء بالضعف سيعني تنازلات مؤلمة، لذا، يتوقع أن يبدأ المفاوضات بلغة خشنة، تعكس تصريحاته السابقة التي وصف فيها البنود الأمريكية بأنها "أحلام"، وهو ما يمنحه حصانة أمام المتشددين في الداخل الإيراني الذين يرفضون "الاستسلام".

وعلى عكس الوجوه الدبلوماسية التقليدية في إيران، ينظر إلى قاليباف في الغرب كشخصية "تكنو-عسكرية" عملية. هو يهتم بالنتائج أكثر من الشعارات، وهو ما قد يسهل الوصول إلى اتفاقات تقنية حول إزالة "الغبار النووي" أو ترسيم حدود النفوذ الإقليمي مقابل رفع العقوبات.

كما سيلعب قاليباف دورين متناقضين؛ سيظهر للإعلام الداخلي كقائد صامد "أجبر أمريكا على التفاوض"، بينما سيكون في الغرف المغلقة محاورا مرنا يدرك تماما أن ميزان القوى الحالي لا يميل لصالح بلاده، خاصة بعد تدمير مجمع الصناعات الدفاعية وتفكك القيادة العليا.


ثقة "مجتبى" ودعم الحرس الثوري:

كونه مقربا من مجتبى خامنئي وموضع ثقة قيادات الحرس الثوري المتبقية، يمتلك قاليباف "تفويضا" لا يملكه غيره لتمرير أي اتفاق مرير. هو الوحيد القادر على إقناع القواعد العسكرية بأن "التراجع التكتيكي" هو ضرورة لبقاء النظام.

إن توجه قاليباف إلى باكستان لا يمثل مجرد جولة دبلوماسية، بل هو "مهمة إنقاذ" لكيان الدولة الإيرانية. وسيكون التحدي الأكبر أمامه هو كيفية تحويل "أسبوعي الهدنة" إلى اتفاق دائم يحفظ ماء وجه النظام، في وقت تضع فيه إدارة ترامب شروطا قاسية تحت شعار "الانتصار الكامل".
قاليباف هو "الرهان الأخير" لطهران، فإما أن ينجح في هندسة خروج آمن من الأزمة، أو يوقع على وثيقة تحول تاريخي في بنية النظام الذي ساهم في بنائه منذ مراهقته.

شارك